الرئيسية / مقالات / في القدس: نحو منظومة أمن واستقرار جديدة

في القدس: نحو منظومة أمن واستقرار جديدة

باسل أبو حمدةفي القدس: نحو منظومة أمن واستقرار جديدة

باسل أبو حمدة

مقدمة

مستغلا الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رمى الاتحاد الروسي بثقله العسكري الوازن في الحرب السورية في النصف الثاني من عام 2015، وبدل مسار الصراع، بينما تعيّن على واشنطن انتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة للإمساك مجدداً بزمام المبادرة، الذي كان قد سقط من يدها نتيجة تردد إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، في حين كانت أوراق تنظيم “داعش” الإرهابي تتقلص بسرعة البرق، ما دفع القوى الفاعلة في المنطقة إلى التفكير بضرورة استحداث نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، يرتكز على ثلاثة أعمدة: إعادة إعمار سوريا وشرعنة نظامها السياسي القائم، وتمرير “صفقة القرن” المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والحد من تأثير إيران في منطقة الشرق الأوسط، التي تعكس مصالح واهتمامات الأطراف الثلاثة المشاركة في القمة الأمنية الثلاثية في القدس.

الزعماء الثلاثة، بوتين وترامب ونتنياهو، كثّفوا جهودهم السياسية والعسكرية لتعزيز قوة حلفائهم وتحسين موقع كل منهم على الأرض، في منطقة تتفق سائر الأطراف المتورطة فيها على أنه إذا لم تتمتع بالهدوء اللازم، فإن الجماعات الراديكالية ستكون هي الرابح في نهاية المطاف، لكن ذلك لا يعني أن كل طرف لا يريد حماية مصالحه الخاصة.

القمة الأمنية الأمريكية-الروسية-الاسرائيلية من شأنها أن ترسم بداية لعبة جيوسياسية معقدة، في ظل مجموعة من المتغيرات السياسية والأمنية الحساسة للغاية، على غرار ما بات يعرف ب “صفقة القرن”، ومحاولات تمريرها، وخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والتحوّل المنتظر في المسار السوري من اتفاق أستانة إلى اللجنة الدستورية في جنيف، إثر استعادة النظام السوري وحلفائه السيطرة على معظم الجغرافيا السورية.

ثمة دلالات لا يمكن إغفالها فيما يتعلق بمكان الاجتماع الأمني المنتظر، الذي جاء بناءً على تفاهم بين الرئيسين الأمريكي والروسي، وذلك لجهة نجاح نتنياهو في الجمع بين أعتى قوتين عسكريتين في القدس، وفي تركيز بؤرة الضوء على تل أبيب كفاعل إقليمي ودولي، لا يمكن إغفاله ساعة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديدة، بالتزامن مع غياب بقية الأطراف الإقليمية الوازنة عن اللقاء، الذي سيضم رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، ونظيراه الروسي نيكولاي باتروشيف، والإسرائيلي مئير بن شبات، ومن المنتظر أن يناقش مجموعة من القضايا الشائكة، وفي مقدمها “خارطة طريق” تربط بين تقديم أمريكا وحلفائها “حوافز” إلى موسكو في سوريا، مثل الإعمار ورفع العقوبات وشرعنة النظام والسماح له بالبقاء في السلطة ،مقابل التزام روسي بـإجراءات ملموسة تتعلق بضبط دور إيران، والعملية السياسية في سوريا.

قرارات واشنطن
منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تكاثرت المنافسات والنزاعات الإقليمية، وأصبحت كمية المصالح المتداخلة في اللعبة هائلة، وما زاد من تعقيد الأوضاع أن الكثير من قرارات واشنطن الخاصة بالمنطقة أتت متناقضة مع الأهداف المعلنة لاستراتيجيتها العامة، فالتغيير القسري للنظام العراقي أفسح في المجال أمام وصول نظام سياسي طائفي موالي لإيران، ما عزز موقع الأخيرة في المنطقة، وألحق أضرارا بالغة بحلفاء واشنطن التقليديين، وبتفكيك القوات العسكرية والأمنية العراقية، مهّدت الطريق أمام ظهور المزيد من الجماعات الطائفية الراديكالية المسلحة، وبدعمها جماعات بعينها في سوريا، عززت من سطوة جماعات راديكالية مماثلة، فضلاً عن أن الحرب السورية أصبحت مدخلاً لتنامي التيارات المتطرفة على مختلف أشكالها وانتماءاتها.

تسعى واشنطن إلى إعادة ضبط نظام الأمن والاستقرار في المنطقة، بطريقة تسمح لها بالتركيز على جبهة أخرى، تتمثل في الحرب التجارية مع الصين، وضمان تدفق الطاقة في الممرات البحرية في الخليج، ومنع حدوث تحالفات من شأنها الإضرار بحلف شمال الأطلسي.

توجهات روسيا
تمكّنت روسيا، عبر تدخلها العسكري في سوريا، من إحراز موقع عسكري-سياسي، يتضمّن أوراق تفاوض وضغط عديدة، خصوصاً أنها أبرمت عدداً من الاتفاقات مع الحكومة السورية، تسمح لها بالسيطرة على مرافئ بحرية وجوية استراتيجية، وهي تريد استثمار ما أحرزته من تفوّق عسكري في تحقيق مصالح بعيدة المدى.

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، أبدت روسيا تفهّماً للمصالح الإسرائيلية، كما عززت موسكو من علاقاتها بتل أبيب، عبر لقاءات عديدة أجراها الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسمحت روسيا لسلاح الجو الإسرائيلي بتوجيه عدد كبير من الضربات لمواقع تنشط فيها إيران داخل سوريا، بما فيها مركز القيادة الإيرانية في محيط مطار دمشق الدولي.

لكن روسيا، وعلى الرغم من إنجازاتها في الملف السوري، لم تتمكن من تحقيق اختراق في علاقاتها المتوترة مع أوروبا، على خلفية تدخلها العسكري في أوكرانيا، ولا تزال تخضع لعقوبات غربية قاسية على بعض أبرز قطاعاتها العسكرية والتقنية والمالية، وهي تسعى لمقايضة انتصاراتها في سوريا بتسويات في ملف خلافاتها مع الغرب.

لم تنجح روسيا في تقديم نفسها كبديل لواشنطن في ملف أمن الخليج، وكان لإدارة ترامب في استدراك للعلاقات مع الخليج أثر كبير في قطع الطريق أمام موسكو، لكن جميع الأطراف في المنطقة يقرّون اليوم بأهمية الدور الروسي في رسم ملامح نظام أمن واستقرار جديدة في المنطقة، وهو ما تريد موسكو الاستثمار فيه، وتعزيزه لسنوات مقبلة.

الملف الإيراني
يعد الملف الإيراني أحد أبرز ملفّات القمة الأمنية الثلاثية، ويتضمن هذا الملف شقين، يتمثل الأول في ملف إيران النووي، والثاني بتمدد نفوذها في الشرق الأوسط.

من المعروف أن موقف روسيا تجاه الملف النووي بقي خارج إطار الحسم لسنوات، أقلّه إن روسيا تحاول الاستفادة من التناقضات الموجودة بين الغرب وإيران، كما أن الحاجة المتبادلة لموسكو وطهران في الملف السوري، جعلت موسكو تؤجل إصدار حكم نهائي بخصوص ملف إيران النووي.

تاريخ العلاقات النووية بين موسكو وطهران الذي يعود لما يقارب الثلاثة عقود، يؤكد مدى التردد الروسي في دعم إيران من أجل الحصول على الطاقة النووية من جهة، وقدرتها على التذخير النووي، بما يسمح لها بالحصول على القنبلة النووية، كما انسحبت موسكو أكثر من مرة من اتفاقات مع طهران، بضغط أمريكي، وعبر اتفاقات سرية بين موسكو وواشنطن، كما في الوثيقة السرية التي وقعت في 30 يونيو/ حزيران 1995، بين نائب الرئيس الأمريكي آل جور وفيكتور تشيرنميردين رئيس الوزراء الروسي، بالإضافة إلى تجميد الكثير من الصفقات في المجال النووي بين موسكو وطهران، خصوصاً أنه ليس من مصلحتها الاستراتيجية ظهور منافس نووي لها على حدودها الجنوبي، والتضحية بمصالح اقتصادية وسياسية كبيرة فضلا عن الابتعاد عن دوائر البلدان الرأسمالية المهمة التي توجه مصائر العالم (مجموعة الثماني).

سيكون التفاوض بين روسيا من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى على إيران، وهو ما سيعني بداية افترق بين روسيا وإيران، خصوصاً في الملف السوري، والذي يعني بالضرورة ملفّات المشرق العربي واليمن، والتمهيد لمرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط، عنوانها الرئيس التوافق الأمريكي الروسي على الأدوار.

تموضع جديد لإسرائيل:
مرّت السياسة الإسرائيلية تجاه الحدث السوري بطورين أساسيين، تمثل الأول بمراقبة مجريات الأحداث، وعدم الدخول المباشر على خطّ التطورات فيها، أما الطور الثاني فتمثّل في التنسيق مع موسكو لتحجيم نفوذ إيران في الجنوب السوري، وبالقرب من الجولان، وتوجيه ضربات عسكرية قوية لمواقع وجود إيران في مناطق متعددة من سوريا.

لكن، خلال هذين الطورين، حدثت تحولات عديدة في المنطقة، من أبرزها تراجع حدّة الصراع العربي الإسرائيلي، وبروز الصراع العربي الإيراني، والذي بدأ يأخذ المكانة المركزية بالنسبة للدول العربية، وهو نتيجة مهمة لإسرائيل، ترتكز عليها في إعادة موضعة نفسها لفترة طويلة مقبلة.

بالنسبة لدول عربية أساسية وازنة، فإن التنسيق مع إسرائيل أصبح ضرورة لمواجهة خطر إيران في المنطقة، وأيضاً للحد من الطموحات التركية التي ظهرت بعد الربيع العربي، خصوصاً أن ضآلة العامل الديموغرافي الإسرائيلي تعد بالنسبة للدول العربية أمراً مريحاً، قياساً لحجم العامل الديموغرافي الإيراني والتركي، وقدرتهما على التمدد، مع وجود عامل إضافي يتمثل في الإسلام السياسي.

ظهور التنظيمات الراديكالية في العراق وسوريا، خصوصاً “داعش”، و”النصرة”، و”التركستاني”، وغيرهم، وقيام “داعش” بعمليات إرهابية في أوروبا، دفع نحو إعادة بناء استراتيجية غربية ضد قوى الإسلام الجهادي، وما يدور حوله من تنظيمات، وبطبيعة الحال فغن “حماس” باتت محاصرة اليوم وسط مناخ ينظر إليها كحركة إسلامية جهادية، وليس بوصفها حركة تحرر وطني، وهو ما يساعد أمريكا وإسرائيل في تمرير صفقة القرن.

مصالح واهتمامات
في المحصلة النهائية، وضمن السيناريوهات المحتملة حيال ما سيتمخض عنه الاجتماع الأمني الاسرائيلي الروسي الأميركي، الذي لن يكون الأول ولا الأخير من نوعه فإن معظم التوقعات لن تخرج عن دائرة المصالح والاهتمامات المباشرة وغير المباشرة للأطراف المشاركة فيه، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:

أولاً- حاجة الاتحاد الروسي إلى استثمار تدخل موسكو العسكري في سوريا، وتحويله الى منجز سياسي، من خلال إعادة تأهيل النظام السوري، ضمن المنظومة الإقليمية والدولية، بما في ذلك إسرائيل.

ثانياً- حاجة إسرائيل والولايات المتحدة إلى تمرير ما بات يعرف “بصفقة القرن”، بما يضمن تطبيعا كاملاً بين تل أبيب وسائر العواصم العربية والإقليمية، تحت عنوان “الازدهار مقابل السلام”.

ثالثاً- حاجة الأطراف الثلاثة مجتمعة إلى التخلص من الوجود العسكري الإيراني في سوريا، ووقف التتمد الإيراني في المنطقة، مدفوعاً برغبة خليجية كبيرة في الاتجاه ذاته، مع ترجيح أن تلعب روسيا دوراً حاسما في الضغط على النظام السوري، باتجاه دفع الأخير إلى نزع الغطاء “الرسمي” عن هذا الوجود في سوريا.

ومن بين الخيارات المطروحة في العلاقة أو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، التي تتأرجح بين الحرب والحرب والباردة والمفاوضات، فإن المرجح أن يصار إلى اعتماد الخيار الأخير، وذلك انطلاقا من وجود العامل الروسي بقوة على خط المواجهة، والنزوع الإيراني إلى انتهاج سياسات خارجية براغماتية، ما يسمح بظهور محاور إقليمية بديلة، تتولد تدريجياً، وفتح صفحة مفاوضات جديدة لإعادة صياغة الاتفاق النووي وفق الرؤية الأمريكية، التي تولي اهتماماً كبيراً لتبديد مخاوف حلفاء واشنطن في المنطقة من تمدد النفوذ الإيراني فيها.

خلاصة
القمة الأمنية الثلاثية بين أمريكا وروسيا وإسرائيل هي بداية لمسار من التفاوض على ترسيم حدود النفوذ في المنطقة، وقد سبقتها، خلال العام الأخير، سلسلة من اللقاءات غير المعلنة على مستويات عديدة، سياسية وأمنية، لا تشمل حدود النقاش فيها فقط الملفين السوري والإيراني، بل شملت ملفّات عديدة، تتضمن الموقف من مستقبل المصالح التركية، ولا يزال ثمة العديد من نقاط التباين بخصوص الملف التركي.

ملف الغاز في المتوسط هو ملف رئيس في الترتيبات الثلاثية، حيث تصر روسيا على تواجد متعدد الأوجه بالقرب من حوض الغاز في المتوسط (تواجد عسكري-سياسي-أمني-استثماري)، فهي تدرك أن عدم القدرة على منافسة أمريكا والصين في صناعة البرمجيات والمعلومات، يعني بالضرورة حيازة نفوذ قوي في ملف الطاقة، من وصول وتحكّم ومشاركة في مسارات الطاقة نحو أوروبا والصين والهند.

كيف يمكن لدول وشعوب المنطقة الاستفادة من اتجاهات السياسة الدولية الجديدة، والتي يعبرّ عن أبرز مضامينها، بخصوص الشرق الأوسط، اللقاء الثلاثي في القدس؟

بقدر ما يوحي هذا اللقاء الثلاثي بقرب الحدّ من الصراعات التي سادت خلال العقد الأخير، بقدر ما يفتح المجال أمام نشوء صراعات جديدة، قد لا يكون بالإمكان التكهن بها، أو بمآلاتها، فلن يكون قبول إيران بخسارة نفوذها في المشرق العربي أمراً سهلاً، وهو ما سيستدعي سياسة مواجهة متعددة المستويات، خصوصاً أن قواتها وحلفائها متواجدين على الأرض، ولديهم خبرات كبيرة في المواجهة غير النظامية.

لكن، من دون أدنى شك، فإن الكثير من العوامل الموضوعية التي أصبحت ناضجة لبدء مسار سياسي جديد في منطقة الشرق الأوسط، سيلقى ترحيباً من جهات محلية عديدة، لكنه في الوقت ذاته، سيلقى مقاومة من جهات أخرى، وسيدفع بطبيعة الحال نحو اصطفافات جديدة.

المراجع:

  • كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى”،زيغنيو بريجنسكي
  • المعهد الاسباني للدراسات الاستراتيجية
  • البروفيسور رفائيل مورينو اسكيردو،أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كارلوس الثالث
  • موقع الأوردين مونديال
  • موقع دراسات السياسات الخارجية،اسبانيا

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *