الرئيسية / مقالات / “داعش”: استراتيجية جديدة عبر “الولاية الأمنية”

“داعش”: استراتيجية جديدة عبر “الولاية الأمنية”

حسام أبو حامد“داعش”: استراتيجية جديدة عبر “الولاية الأمنية”

حسام أبو حامد

في 13 يونيو/ حزيران 2014 تشكل التحالف الدولي ضد “داعش” بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ليبدأ شنّ ضربات جوية على معاقل التنظيم، وبدأنا نشهد انحسار التنظيم الذي سيطر على مساحات واسعة بين العراق وسوريا بدءاً من العام 2015، و في خريف العام 2016 دعا أبو بكر البغدادي مقاتليه للدفاع عن الموصل، معقله الرئيس في العراق، حتى آخر رجل، وبعد معارك عنيفة استمرت تسعة أشهر، شنتها القوات العراقية، بدعم من التحالف الدولي/ حوّلت الموصل إلى ركام، أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في 10 يوليو/ تموز 2017 تحرير المدينة.

في 23 أغسطس/ آب 2018 اعترف البغدادي في رسالة صوتية بأن مجموعات “داعش” تخسر، وحثّ أتباعه على الاستمرار في القتال. تركزت قوات التنظيم في المناطق الحدودية، خصوصاً في بلدتي الباغوز وهجين. وهناك كانت نهايتها على يد “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ففي 23 مارس/ آذار 2019 أعلنت (قسد) أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد فقد معقله الأخير في سوريا في الباغوز، ووُضع حدّ لما يسمى ب “الخلافة” التي أعلنت في عام 2014. وفي فيديو جديد، هو الأول له منذ خمس سنوات، ظهر البغدادي محاولاً الايحاء أنه لايزال يسيطر على التنظيم وزعامته، وأنه منهمك في شؤونه اليومية التي يديرها عن كثب، لكنه اعترف بهزيمة التنظيم في غير مكان، مبرراً ذلك بأن ليس على التنظيم أن ينتصر بل عليه مواصلة “الجهاد”.

باقية دون أن تتمدد
منذ سقوط الموصل بدا التنظيم يميل لاستراتيجية قتالية أقلّ تمسّكاً بالأرض والمراكز السكانية، وقاتل نسبياً بحماسة أقلّ للدفاع عن الرقة، عاصمته المعلنة، وأصبح وجوده المستمر مقتصراً على المناطق الريفية الممتدة من حديثة إلى مدينة دير الزور. استعاد التنظيم استراتيجيته في التحصّن في المناطق الحدودية، وعمليات الاستنزاف، التي اعتمدها بنجاح كبير، مكنته من اجتياح مناطق واسعة في سوريا والعراق في عام 2014. معركة الباغوز أعلنت انتهاء “داعش” سياسياً، لكن كيف هو الحال اجتماعياً وجغرافياً؟

رغم إعلان البيت الأبيض عن فقدان “داعش” 100% من أراضيه في مناطق شرق الفرات، إلا أن وجوده لا يزال قائماً في مناطق عدة داخل الأراضي السورية، أهمها شرق تدمر، والقلمون الشرقي، بالقرب من تلال الصفا، وشرق وجنوب السخنة، باتجاه البوكمال، بالإضافة إلى انتشار خلاياه داخل أجزاء كبيرة من البادية السورية، وقدرته على تحريك “خلايا نائمة” في مناطق عدة طُردَ منها، سبق له أن تبنى تفجيرات واعتداءات فيها. ويستدل على ذلك أيضا من اعتداءاته المتكررة على حواجز النظام السوري، في أرياف دير الزور وحمص، وريف دمشق، وريف السويداء. وتحدثت تقارير صحافية أن “داعش” يخطط لهجمات في أوروبا عبر مجموعاته “النائمة” في تلك البلدان، والتي يطلق عليها اسم “خلايا التمساح”.

رغم هزائم “داعش”، فإنه لا يزال يُخشى من تنامي نشاطه مجدداً في العراق، خصوصاً في المنطقة الغربية، وحوض حمرين، ومنطقة بيجي، ومدينة الموصل، لاسيما في غياب استكمال إعادة إعمار وتأهيل المناطق المدمرة، واستمرار الاستقطاب الطائفي والسياسي في المنطقة. قد تجد خلايا “داعش” النائمة في سوريا دعما مباشراً أو غير مباشر من جهات إقليمية لتوظفها، مثل تركيا في معركتها مع الأكراد، في ظل توتر متزايد في علاقاتها مع الجانب الأمريكي، أو قد تتحول تلك الخلايا إلى ورقة بيد إيران في خضمّ المواجهة المتنامية بينها وبين الولايات المتحدة التي تهدد بحرب جديدة في الخليج.

الأولوية لإعادة بناء الكادر الأول
يبدو أن العشرات من قادة الصف الأول للتنظيم، خصوصا، تمكّنوا من الفرار من الباغوز، قد يكون من بينهم أبو بكر البغدادي، إلى مناطق مجاورة، مختبئين عند عشائر في المنطقة، سواء باستغلال الصلات العائلية معهم، أو بإغرائهم بالأموال والذهب، التي يحتفظ بها أولئك القادة. تمكن هؤلاء من الهرب إما عبر الأنفاق، أو تسللوا في الشاحنات التي كانت تنقل المدنيين، ويتواجد غالبيتهم في المنطقة الصحراوية بين سوريا والعراق، بالقرب من مناطق الأكراد، وربما انخرط بعضهم في عناصر متطرفة تدين بالولاء لتركيا في مناطق عفرين وإعزاز وجرابلس. وترجّح مصادر أن العديد من قادة التنظيم الأجانب هربوا إلى تركيا، بينما تستمر العناصر المحلية من سوريا والعراق على الأرجح، في المناطق الصحراوية الرخوة على الحدود العراقية ـ السورية، وبإمكان هؤلاء القادة تنشيط خلايا التنظيم النائمة، في المناطق التي كان موجوداً فيها.

عموما، استعادت الدولة الإسلامية قسماً مهمّاً من بنيتها التنظيمية، بعد أسابيع من سقوط آخر معاقلها في الباغوز. إذ تتنقل خلايا التنظيم ليلاً بحرية تامة في الجيوب الصحراوية، وتنقل الذخيرة والإمدادات في المركبات ذات الدفع الرباعي (عند الضرورة تتحرك عناصر الخلايا نهاراً متظاهرين بأنهم أعضاء في النظام، أو مدنيون من سكان الصحراء). يتمتع عناصر التنظيم في البادية بالمهارات والقدرة على التأقلم مع الظروف الصحراوية القاسية، إذ كانت نواتهم معروفة باسم “قطاع الصحراء”، وكان معظمهم من سكان المناطق الصحراوية على جانبي الحدود السورية العراقية. ازداد عددهم اليوم بسبب التحاق الفارّين بهم من مناطق أخرى في سوريا والعراق. تصعب السيطرة على تلك المناطق الصحراوية الشاسعة التي يتحصن فيها “داعش”، بسبب الطبيعة المتنوعة، والمناخ المتقلب، والعواصف الغبارية التي تؤدي إلى انعدام الرؤية، ما يعيق حركة الأفراد والآليات، بل وتحليق الطيران، ولا يزال التنظيم يحتفظ بإمكانيات عسكرية، من مجموعات مدرّبة لديها أسلحة متوسطة وثقيلة، تتخذ قواعد سريّة لها في بوادي المنطقة الشاسعة قليلة السكان، تلجأ إلى أسلوب الحرب الـ “لا متماثلة” كبديل لطور الحرب المختلطة التي خسرها التنظيم، لإرغام العدو على خوض معركة في توقيت ومكان غير مناسبين له. تستهدف المعركة غير التقليدية هنا إنهاك الخصم، لإفشال تنظيمه السياسي أو العسكري على مساحات مفتوحة وغير محدودة.

الانتقال نحو “الولاية الأمنية”
تمكّنت خلايا “داعش” النائمة معاودة النشاط، لأن التنظيم كان قد أعدّ سراً، خلال سنوات سيطرته، جهازاً أمنياً مؤهلاً للعمل في ظروف فقدان السيطرة العسكرية المباشرة، لإبقاء التنظيم حياً، والحفاظ على إمكانية استعادته السيطرة عند حدوث تغيّرات ملائمة في الظروف. ويشهد على ذلك عمليات الاغتيال شبه اليومية، في دير الزور والرقة، والتي تطال بالدرجة الأولى عناصر عربية في “قسد”، ومن الموظفين المدنيين التابعين لها، وقد أدى اغتيال خلايا “داعش” قائد “الفرقة 16” الملقب بـ “أبو جبل”، وهو أحد أبرز “مجنّدي العرب” في صفوف “قسد” إلى انسحاب المجندين العرب في “الفرقة”، والتي تنتشر في ريف دير الزور الشرقي، وهم 55 مقاتلاً، من قرى المنطقة، وعادوا إلى بيوتهم، بعدما أعلنوا براءتهم من “قسد”، ليحموا أنفسهم من انتقام التنظيم. يبدو أن استراتيجية “داعش” تتجه إلى منع “قسد” من التغلغل في المجتمعات المحلية العشائرية، لا بل ومنافستها على هذا الكتلة البشرية. كما يبدو أن عملية الترهيب هذه، تهدف إلى خلق اعتقاد لدى سكان المنطقة بأن التنظيم ما زال حياً، وسيعود لفرض سيطرته، وذلك بغرض عرقلة أي محاولة جذرية لتأسيس مرحلة “ما بعد داعش”. وهو جوهر استراتيجية التنظيم المسماة “الولايات الأمنية”.

الموارد المالية والدعم اللوجستي
لسنوات، اعتمد التنظيم في تمويله على إنتاج النفط وتهريبه، والضرائب، والفدية من عمليات الاختطاف، وبيع القطع الأثرية المسروقة، والابتزاز، والسيطرة على المحاصيل. لكن التنظيم، حتى اليوم، لايزال يملك العديد من الموارد المالية، والخطط التكتيكية التي تمكنه من الاستمرار، والحصول على المزيد من الإمدادات سواء الغذائية أو الطبية، مع اعتماده على الخنادق والأنفاق، وعلى شبكة تهريب مكونة من سكان محليين، تسهّل لعناصر التنظيم الحركة والانتقال من منطقة لأخرى، في صحاري غرب العراق، وشرق سوريا، نتيجة لطبيعتها الجغرافية التي يصعب فيها العمل العسكري.

استغل التنظيم شهر رمضان وعيد الفطر، ليذكر السكان بضريبة “الزكاة”، فشهد الأسبوع الأخير من رمضان الماضي نشاطاً منظماً لجمع “الزكاة”، وفق أرقام معدة مسبقاً، جبيت من التجار والملاك في دير الزور. استهدف التنظيم تجار النفط الذين يعملون بالشراكة مع “قسد”، وملاك الاراضي وأصحاب المشاريع الزراعية، وتجولت دورياته في الصحراء لتفرض الضرائب على مربي الأغنام المنتشرين هناك. ويتم جمع أموال “الزكاة” من خلال خلايا تنشط ليلاً، بعد التنسيق مع المستهدفين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر التواصل المباشر بأقارب “المكلفين”. جبى التنظيم أموال “الزكاة” في بلدتي ذيبان وحوايج ذيبان والقرى التابعة لهما، في ريف دير الزور الشرقي، بهذه الطريقة، إذ يضطر المستهدفون بالجباية، إلى دفع هذه المبالغ، لخشيتهم من الاغتيال. تنطوي جباية الأموال “الزكاة”، كما القتل والعمليات الأمنية والعسكرية، على بعد أيديولوجي، يتمثل في إعادة بناء “شرعية” التنظيم المنهارة، وبعد إجرائي تنظيمي، يتمثل بإعداد منتسبيه، واستقطاب عناصر إضافية، وترميم قواه، والاستعداد لخوض مهام جديدة.

إرهاب ما وراء الحدود:
هناك خشية من أن يكثف التنظيم استمرار تواجده خارج حدود الإقليم في عدّة مناطق: أفغانستان ومصر واليمن وليبيا ونيجيريا والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والمغرب والجزائر وتونس وباكستان والسعودية ولبنان وإندونيسيا والفلبين وشمال القوقاز ومختلف الدول الأوروبية.

رغم تراجع “داعش” في سيناء وليبيا، خلال سنة 2019، من المرجح تمدده في غرب أفريقيا التي تحولت إلى ملاذ آمن لعناصر التنظيم وقياداته. واستنادا الى خبرتهم في التعاطي مع حركات الإسلام السياسي، لاسيما السلفية الجهادية منها، طوّر كل من المغرب والجزائر جهازيهما الأمنيين وتمكنتا من احتواء صعود الدولة الإسلامية. تعلّمت الجزائر درس التسعينيات، وتعمل منذ ذلك الحين على تحديد أماكن وتقنيات التطرف، من أجل حماية حدودها مع ليبيا والنيجر ومالي، وأعلن عدد قليل من المتشددين هناك الولاء لتنظيم الدولة، لكن إخفاق مسار الثورة الجزائرية السلمية، في حال حدوثه، سيوفر فرص أكبر أمام “داعش” لتعزز وجودها في الجزائر، والحال مشابهة إذا ما انفجر الوضع في السودان بين المتظاهرين والمؤسسة العسكرية.

وفي شرق وجنوب شرق آسيا، يرجح ظهور التنظيم على شكل “مجموعات ضعيفة” متحالفة مع مجموعات محلية. أما في أفغانستان، فيتوقع تصاعد عمليات “داعش” ضد أهداف مدنية هشّة. وفي اليمن، ينشط “داعش” في مناطق نائية في محافظتي شبوة وأبين جنوب البلاد، وقد يغذي استمرار الصراع، والانقسام في اليمن، نمو “القاعدة ” و”داعش” بشرياً ومعنوياً ومادياً.

خلاصة
من المرجح استمرار تصاعد نشاط التنظيم وخلاياه في غير مكان، فيما لا يبدو أن لدى خصومه استراتيجية ملائمة لمواجهته، سوى العملين العسكري والأمني التقليديين، من دون أي عناية بالمجتمعات المحليّة، في حين تتطلب المواجهة تعاون القوى المحلية وتوفير الدعم اللوجيستي والحماية الأمنية لها، بغية وقف عمليات استنزافها واستهدافها من قوى إقليمية، إلى جانب ذلك، هناك حاجة إلى تنسيق التعاون ما بين القوى الدولية والمجتمع المحلي بهدف إيجاد استراتيجية موحدة على قاعدة متماسكة وصلبة، للوقوف أمام خطر “داعش”، واحتمالية استعادة قواه من جديد، الاستراتيجية الجادة عليها ألا تتوقف عند مكافحة عناصر هذا التنظيم مكافحة عسكرية، فقط، بل تدمير البنية السياسية، والقاعدة الفكرية، التي تساهم في استعادته لقواعده، وتنشيط الخلايا النائمة له من جديد، وإيجاد البيئة المواتية والحاضنة الاجتماعية التي تمكنه من استئناف نشاطه. الحل العسكري منفرداً، حتى قتل البغدادي أو اعتقاله، لن يقضي على الفكرة التي قد تعاود ظهورها عبر إعادة تدوير التنظيم أو تخلّيه عن الساحة لتنظيمات مشابهة جديدة، أو قد يستفيد تنظيم “القاعدة” من انهيار “داعش”، مع جيل جديد من قياداته، على رأسهم حمزة، نجل زعيمه السابق أسامة بن لادن.

المراجع

  • اجتماع أمني عراقي– سوري– ايراني مع اقتراب انتهاء معركة الباغوز، صحيفة الحياة 18/3/2019، على الرابط: https://bit.ly/2IdsiF8
  • Hassan Hassan, Insurgents Again: The Islamic State’s Calculated Reversion to Attrition in the Syria-Iraq Border Region and Beyond, CTC SENTINEL, Combating Terrorism Center at West Point, December 2017, Volume 10, Issue 11, p.1,at: https://tinyurl.com/y3l8xrdy
  • Johannes Saal, The Islamic State’s Libyan External Operations Hub: The Picture So Far, Ibid, p.19
  • Martin Chulov,‘The fighting was intense’: witness tells of two-day attempt to kill Isis leader,The Guardian, 10/2/2019,at: https://tinyurl.com/yyrqwx47

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *