الرئيسية / مقالات / أسئلة في الهويّة: هل هناك هويّة سوريّة؟

أسئلة في الهويّة: هل هناك هويّة سوريّة؟

حسام ميروأسئلة في الهويّة: هل هناك هويّة سوريّة؟

حسام ميرو

تفتح الأحداث الكبيرة كوّة تتّسع شيئاً فشيئاً في جدار التاريخ الاستنقاعي الأصمّ، حتى أنها تفسح في المجال أمام طرح أسئلة تشكيكية كبرى، مثل سؤال الهويّة؟

الحدث العربي، السوري، متمثلاً في التمرّد على الأنظمة السياسية القائمة، بوصفه حدثاً كبيراً، ككل الأحداث الكبرى في تاريخ الشعوب، يضع الناس (بالعموم)، والمثقفين (على نحو خاص)، أمام أسئلة قديمة جديدة، لا أجوبة ناجزة عنها.

الهويّة، سؤال الأسئلة، في بلد، مثل سوريا، متعدّد الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات والعشائر، تصبح مسألة في النظر، ومسألة للنظر، فقد مضت الأحداث في سوريا لتضع سؤال الهويّة بين حدّين: يتعين الأول في الماضي، وسؤاله: هل كان لدينا هويّة سوريّة جامعة؟، أما الحدّ الثاني، وسؤاله في المستقبل: هل يمكن لنا أن نبني هويّة سوريّة جامعة؟

ما الهويّة؟
سؤال الهويّة بحدّ ذاته هو سؤال تناقضي، فإذا كانت الهويّة هي أن يكون الشيء هو نفسه، فالسؤال الذي يجعل هذا المفهوم تناقضياً هو: هل يمكن ألا يكون الشيء هو نفسه؟

تقودنا هذه التناقضية نحو الاغتراب، أي اغتراب الشيء عن نفسه، أو لنقل اغتراب الفرد، أو الجماعة عن نفسها، في حالة استلاب، من أفراد أو جماعات أخرى، أو نظام سياسي، يفرض قسراً هويّة أخرى، فوقيّة، تمنع الفرد، والجماعة، من إبراز الخصائص المميزة، والتمتع بها، بكونها خصائص خاصّة.

لكن مسألة الخصائص الخاصّة المميزة لجماعة ما هي حدٌّ أمام الآخر، في سياق التناحر، حيث تصبح هذه الهويّة عائقاً أمام بناء حيّز أوسع من المشتركات، بل أحد الأسباب الدافعة نحو الاحتراب، وادعاء امتلاك الحقيقة، في لحظة من لحظات التطابق الأيديولوجي بين الهويّة والمظلومية.

في منحى واسع، تمّ الدفع والقبول من قبل فئات اجتماعية عدّة في سوريا باعتبار “الثورة” تمرداً سنّياً ضد نظام “علوي”، كما تمّ اعتبار الدفاع عن النظام دفاعاً “أقلويّاً” ضد “ثورة سنّية”، سوف تأتي بنظام حكمٍ يصبح فيه أبناء الأقليات مواطنين من الدرجة الثانية.

هذه السردية هي جزءٌ من واقعٍ لا يمكن إنكاره، لكنها ليست كلّ الحقيقة، وهي نتيجة، وليست سبباً، وهي توضّح حالة الفشل الكبير لما يسمى “الدولة الوطنية” بعد الاستقلال في بناء مشتركات الهويّة السوريّة، وهو ما يفسّر، في جزء منه، وصول هذه “الدولة الوطنية” إلى مأزق الوجود.

الهويّة، في سياق التفكير الفلسفي بها، ليست محلّ اتفاق، فإذا كان ديكارت قد وضعها في “أنا أفكر فأنا موجود”، فإن جابرييل مارسيل وضعها في “أنا جسمي”، وسارتر في “أنا موجود”، ومحلّ الخلاف هنا هو ما المحدد للهويّة، وهو أمر ليس نظرياً، بل خلاف عملي، وخلاف على أسبقية، أسبقية الوعي، أم الجسم، أم الحسّ، وفي الهويّة المجتمعية، يصبح المحدد الخلافي هو: التاريخ، والكيانية، والمستقبل.

وطبيعي هنا، أي في المجال الاجتماعي-السياسي، أن نسأل: هل تتساوى العناصر المحدّدة للهويّة؟، مثلاً: هل يتساوى العامل الديني أو المذهبي مع العامل الإثني؟، والسؤال هنا هو سؤال يطرحه الواقع، حيث بإمكاننا، ونظراً إلى وقائع الحالة السوريّة أن نسأل: هل يمكن وضع ما يسمى “المكون العربي/ السني” كمقابل ل “المكون الكردي”؟

نظرياً، المكوّن الديني، على الرغم من كونه مسألة اجتماعية، إلا أنه أيضاً مسألة اعتقادية، لكن المسألة الإثنية هي مسألة وجود، تتضمن اللغة والثقافة المشتركة والتاريخ، غير أن مسارات الواقع التناحري، وهي مسارات لا تخضع للمنطق الصوري، قد تضع “المكوّن الديني” في تناقض مع “المكون الإثني”.

إن السياق الذي طرحت فيه مسألة الهويّة في الفضاء الليبرالي/ الغربي هو سياق له مرجعية اقتصادية-اجتماعية، فديكارت وغيره، بما فيهم جيل سبعينيات القرن الماضي من التفكيكيين (جاك دريدا، وميشيل فوكو، وجيل دولوز)، هم أبناء سياق نمو الصناعة والرأسمالية، وحركة التنوير، والحداثة، وما بعدها، حيث تمّ القطع، وبشكل تراكمي، مع العصر الزراعي/ الإقطاعي، ومنظومته القيمية في الإنتاج والسياسة والأخلاق، ونزع السلطات التاريخية المركزية للمؤسسة الكنسيّة.

انهيار ما يسمى “الدولة الوطنية” في سوريا، أفضى إلى صراع هويّاتي، لكن هذا السطح الظاهر من الصراع، لا ينبغي أن يخفي عنّا، ولا أن يضللنا، فالبينية الاقتصادية-الاجتماعية لسوريا هي بنية اقتصاد هجين، زراعي، وصناعات تحويلية خفيفة، وريع قائم على الدور الوظيفي/الإقليمي للدولة/ السلطة، كما أن اقتصاد الحرب بطبيعته هو غذاء للصراعات الهوياتيّة.

كما أن اللجوء، أو اللجوء هنا، إلى بسط المسألة الاقتصادية-الاجتماعية ليس من قبيل التضليل، وليس من قبيل فصل الذات عن الموضوع، خصوصاً فيما يتعلّق بالمسألة الإثنية، بل من أجل توضيح عنصر رئيس في طرح مسألة الهويّة، وهو دورة الإنتاج، ووسائلها، ونمطها، وقيمها، وقدرتها على فتح الحدود أو إغلاقها بين الهويّات.

لقد وصل نمط الإنتاج في سوريا، وتعبيره السياسي “النظام السياسي”، في عام 2011، إلى مأزق وجودي، وكشفت الحرب عن مأزق غياب الهويّة الجامعة، وقد تكون الحلول لوقف الحرب من قبيل تكريس ما أنتجته الحرب، ما يعني دورة جديدة من العنف المجتمعي/ الهويّاتي، ستفرضها العوامل التالية:

  • استمرار الأنماط الاقتصادية الهجينة، ما يعني عدم تبلور طبقة برجوازية وطنية، وحركات ليبرالية فكرية-سياسية ذات جماهيرية واسعة.
  • استمرار تبعية الأطراف المحليّة للخارج.
  • بقاء العنف وسيلةً لرسم الحدود في النفوذ.

وفي هذا السياق، فإن استمرار الوعي الأيديولوجي بالهويّة سيبقى طاغياً، وقيد الاستثمار الدائم من قبل القوى النافذة محلّياً وخارجياً، وبالتالي فإن كل ما تتداوله بعض النخب الليبرالية والوطنية والعلمانية من قيم الاعتراف بالآخر/ المختلف، وضمان حقوقه دستورياً، والانتقال إلى دولة المواطنة المتساوية، هو مجرد رغبات، غير مؤثرة، وقد لا يكون بإمكانها أن تكون مؤثرة في المدى المنظور.

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

تعليق واحد

  1. ابو تاج الحكمة

    ارجو من الكاتب الكريم التفضل بمراسلتي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *