الرئيسية / مقالات / من ادلب إلى طرابلس: هل بدأت رحلة المقاتلين الأجانب للاستقرار في ليبيا؟

من ادلب إلى طرابلس: هل بدأت رحلة المقاتلين الأجانب للاستقرار في ليبيا؟

من ادلب إلى طرابلس: هل بدأت رحلة المقاتلين الأجانب للاستقرار في ليبيا؟من ادلب إلى طرابلس: هل بدأت رحلة المقاتلين الأجانب للاستقرار في ليبيا؟

أحمد نظيف

خرجت فرضيات نقل الأعداد الكبيرة من المقاتلين الأجانب، الذين تقطعت بهم السبل في سوريا بعد سيطرت القوات النظامية وحلفائها على أغلب التراب السوري، نحو ليبيا، من مجرد تقارير إعلامية وتسريبات غير مؤكدة إلى تأكيدات شبه رسمية، جاءت هذه المرة على لسان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. 

بوتين، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحفي في روما الخميس بعد أن أجرى محادثات مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، أعرب عن قلقه من تدفق المسلحين من إدلب إلى ليبيا، كما حذّر من تدهور الأوضاع هناك. وهذه المرة الأولى التي يحذر فيها مسؤول غير ليبي من عمليات نقل مقاتلين من سوريا نحو ليبيا. ويبدو أن تعمد الرئيس الروسي الكشف عن الموضوع، خلال محادثات مع رئيس الوزراء الإيطالي، كان هدفها تحذير الأوروبيين، وخاصة الحكومة الإيطالية من أن تواصل دعم حكومة الوفاق والمجموعات الإسلامية المتطرفة الموالية لها، سيؤدي إلى تحول ليبيا إلى ساحة لتجميع المقاتلين الأجانب الذين فقدوا حواضنهم التنظيمية في سوريا والعراق ولم تبقى لهم غير ليبيا مكاناً يمكن أن يفروا إليه، وفي إشارة غير مباشرة، يبدو أن بوتين كان يحذر الإيطاليين من أن أشرس مقاتلي داعش والقاعدة سيكوننا قريباً على بعد كيلومترات من السواحل الجنوبية للقارة الأوروبية.

التحذيرات الروسية، سبقتها العديد من التحذيرات التي أطلقتها السلطات الليبية بشكل معلن على الأقل منذ العام 2017، وبداية انحسار تنظيم داعش والنصرة في سوريا والعراق. وفي مارس 2018 أعلنت الإدارة العامة لمكافحة الإرهاب التابعة لقيادة الجيش الليبي أنها ألقت القبض على 16 مقاتلاً من جبهة النصرة في كمين، أثناء تسللهم إلى ليبيا عبر صحراء الكفرة جنوب البلاد. وقالت إنها “حاصرت المجموعة في صحراء الكفرة وتم القبض على 16 منهم من جنسيات سورية وسودانية، فيما فر آخرون “لافتة إلى أنهم وصلوا إلى ليبيا بمساعدة قطر التي نقلتهم إلى الأراضي السودانية للمرور إلى ليبيا“.وكشفت الإدارة عن أن أحد المقاتلين كان محتجزاً في سوريا قبل أن يتم تهريبه من السجن وإرساله لتركيا، مشيرة إلى أن الجماعة الليبية المقاتلة صنو جبهة النصرة المنتمية لتنظيم القاعدة ويسعى قادتها إلى إرسال مقاتلي النصرة إلى ليبيا لدعم ما يعرف بمجالس الشورى في ليبيا.

الحاضنة التركية

ينحصر اليوم وجود المقاتلين الأجانب في سوريا في إدلب، أخر معاقل المعارضة المسلحة والمجموعات الإسلامية المتطرفة، المدعومة من تركيا. كما تحتضن تركيا أعداداً كبيرة من هؤلاء المقاتلين. الأمر الذي دفع أردوغان للمسارعة بالاتصال بالرئيس الروسي مباشرة بعد تصريحاتها حول نقل المقاتلين من إدلب نحو ليبيا. هذه الأعداد الكبيرة من المقاتلين وعوائلهم تحولت مع الوقت إلى عبئ أمني على تركيا، ومصدر احراج سياسي، تريد التخلص منه. كما أن السلطات التركية لا تصنف كل الجماعات كتنظيمات إرهابية، باستثناء تنظيم داعش. والكثير من هذه الجماعات تملك ممثلين لها ومكاتب داخل الأراضي التركية.

فالدور الذي لعبته تركيا طيلة السنوات الماضية في علاقة بالملف السوري، هو الدور نفسه الذي لعبته باكستان خلال الحرب الأفغانية، عندما تحولت إلى قاعدة خلفية لنشاط الأحزاب الجهادية الأفغانية ضد التواجد العسكري السوفياتي بداية من العام 1979، كما كانت معبراً للمقاتلين القادمين من الدول العربية، والذين عرفوا لاحقاً بالأفغان العرب. في بيشاور الباكستانية على الحدود مع أفغانستان كان الألاف من أعضاء الحركات الإسلامية العربية يقيمون ويتسربون للداخل الأفغاني وكانت الولايات المتحدة تقدم لهم كل أشكال العون والدعم بدايةً من المال وصولاً إلى الصواريخ المضادة للطائرات. وكان أميرهم الفلسطيني الإخواني عبد الله عزام، مؤسس ورئيس مكتب خدمات المجاهدين، يتجول في العالم يجمع المال والفتاوى لجهاد “الملحدين الروس”، فيما غرقت وسائل الإعلام الأمريكية في إسباغ شعارات من نوع “مقاتلون من أجل الحرية” على هؤلاء الجهاديين. كما أن أسامة بن لادن نفسه قد مر من هذا الطريق وفي هذا الزخم الجهادي المدعوم أمريكياً قد أسس تنظيم القاعدة الذي سيتحول بعد سنوات قليلة إلى أكبر أعداء أمريكا.

لكأن التاريخ يعيد نفسه في شكل مأساة. لعبت تركيا منذ أواخر العام 2011 إلى اليوم الدور الباكستاني نفسه. تحولت إلى قاعدة خلفية لنشاط الجماعات الجهادية السورية وشكلت محطة ومعبراً للألاف من المقاتلين الأجانب للوصول إلى الداخل السوري والانضمام للقاعدة وداعش وارتكاب أبشع الجرائم. وكما حصل في أفغانستان كانت الولايات المتحدة مخططاً وداعماً. وليس أدل على ذلك الاعتراف الذي أدلى به رئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم في مقابلة مع قناة بي بي اس الأميركية عندما قال إن «الجميع ارتكب الأخطاء في سورية بمن فيهم الأميركيون(…) عملنا في غرفتي عمليات، واحدة في الأردن والثانية في تركيا». ‏

ضياع الحل السوداني

في ديسمبر 2017 قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجولة إفريقية، قادته إلى السودان، على عهد عمر البشير. وفي السودان نجح أردوغان في تحقيق كسب استراتيجي كبير بعد أن ظفرت بلاده بامتياز إدارة جزيرة سواكن على البحر الأحمر قبالة الجزيرة العربية وغير بعيد عن مصر. كسبت تركيا السودان إلى جانبها في المحور التركي القطري الإخواني. وتم توقيع إجمالي 21 اتفاقية بين الطرفين أبرزها اتفاق حول إنشاء مجلس للتعاون الاستراتيجي. وزار أردوغان برفقة نظيره السوداني جزيرة سواكن حيث تنفذ وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” مشروعا لترميم الآثار العثمانية، وتفقد الرئيسان خلالها مبنى الجمارك والمسجدين التاريخيين في الجزيرة. هذه المكاسب التجارية والاستراتيجية والسياسية التركية في السودان، جاءت في وقت تبدو فيه تركيا في أمس الحاجة إلى هذا التحالف.

يبدو أن تركيا الأردوغانية عادت إلى الخزائن القديمة لتفتش عن حل لمعضلة المقاتلين الأجانب، ووجدت أن سودان البشير يمكن أن يكون مرة أخرى محطة أو مستقراً مؤقتاً للألاف من المقاتلين الجهاديين الأجانب، الذين يمكن أن ييمموا وجوههم شطر الجبهة الليبية التي مازالت مستعرة، خاصة وأن البشير وأردوغان، بخلفيتهما الإخوانية، يملكان هناك عدواً مشتركاً هو المشير خلفية حفتر. تركيا نفسها التي تستقر فيها قيادات الجماعة الليبية المقاتلة منذ أكثر من سنة ونصف وتسقر معها أموالها الطائلة التي غنمتها من خزائن الدولة في أعقاب سقوط نظام العقيد القذافي خريف العام 2011. ولن يعدما، الرجلان، البشير وأردوغان، الوسيلة في إيجاد الغطاء المناسب لنقل هؤلاء المقاتلين، تحت طائلة الاستثمار الاقتصادي أو الأعمال التجارية التي تقوم بها تركيا في السودان. فأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة عندما نقل تنظيمه وأمواله الطائلة في التسعينات نحو الخرطوم برر البشير استقباله بالدوافع الاقتصادية، التي كانت حقيقية ولكنها ليست السبب الرئيسي في المجيء. كما يمكن أن تستغل هذه القوى البشرية المسلحة والمدربة والمتمرسة في حرب العصابات، في نزاعات شتى يمكن أن تندلع في أي وقت في المنطقة، وفي عموم إفريقيا. لكن سقوط البشير تحت وطأة الثورة الشعبية، أفشلت خططاً تركية عديدة كان السودان سيكون ساحةً لها، ومن بينها عمليات نقل المقاتلين الإسلاميين نحو إفريقيا، وخاصة نحو مصر وليبيا.

العودة إلى ليبيا

ومنذ العام 2011 كان الملفان السوري والليبي يسيران حذو النعل بالنعل. وقد ربطت بين المجموعات الإسلامية في البلديين روابط عميقة تنظيميا ومالياً. فقد شكلت ليبيا بين 2012 و2014، ساحة الاستقبال والتدريب للألاف من مقاتلي داعش، المتحدرين من بلدان المغرب العربي ومصر. لاسيما المقاتلين التونسيين، الذي شكلت ليبيا لحوالي 80 في المئة منهم محطة تدريب قبل السفر إلى سوريا والعراق والانضمام لداعش والنصرة، وفقاً للملفات الأمنية.

كما عرف سوريا حضوراً جهادياً ليبيا بارزاً. فقد شارك المئات من الليبيين في القتال في سوريا، بل إن جهادياً ليبياً بارزاً، هو مهدي الحاراتي، قد أسس كتيبة تسمى “الأمة” مكونة من مئات الشباب الليبي للقتال في سوريا، ليعود لاحقاً ويشغل منصب رئيس بلدية العاصمة طرابلس، وقد كان قبل ذلك نائباً لعبد الحكيم بلحاج، أمير المجلس العسكري لطرابلس والأمير السابق للجماعة الليبية المقاتلة.

لكن الدور الأبرز للجماعات الإسلامية الليبية، في تغذية الفوضى في سوريا كانت تتمثل في كميات السلاح الكبيرة التي ضخها الليبيون هناك، من خلال دور قطري كبير في ذلك. لجهة ارتباطات الجماعات الإرهابية الليبية مع النظام القطري وخاصة الجماعة الليبية المقاتلة. هذا الدعم الذي كانت تتحدث عنه وسائل الإعلام وتقارير أمنية هنا وهناك، لم يكن رجماً بالغيب، بل أكدته تقارير رسمية صادرة عن منظمة الأمم المتحدة.

ويكشف تقرير فريق خبراء منظمة الأمم المتحدة بشأن ليبيا لسنة 2015 أنه ومنذ العام 2012، وقعت العديد من عمليات نقل الأسلحة من ليبيا إلى الجمهورية العربية السورية أو بضبط أسلحة وهي في طريقها إلى سوريا. وجمع الفريق، خلال ولايته الحالية، أدلة إضافية تؤكد عمليات النقل. وأكد الفريق وجود شبكة في ليبيا تقدم الدعم اللوجستي، بما في ذلك كميات كبيرة من الأسلحة، إلى المتمردين السوريين في أعقاب الثورة الليبية. وتضم هذه الشبكة ليبيين يشغلون مناصب رسمية في وزارة الداخلية ووزارة الدفاع. وفي البداية، كانت الشبكة تعتمد على الأسلحة المجمعة من داخل ليبيا، ولكنها سرعان ما بدأت تحصل على الأسلحة من مصادر في الخارج، بحيث لا يمر بعض الشحنات عبر ليبيا على الإطلاق. ولحد الآن، تبين ضلوع الشبكة في ثلاث عمليات نقل على الأقل إلى سوريا، ويجري التحقيق في عمليات أخرى.

بدأت القصة في 8 نوفمبر 2013 عندما أعلن خفر السواحل اليونانيون عن ضبط سفينة شحن تحمل على متنها شحنة كبيرة من الأسلحة والذخيرة قرب جزيرة سيمي في بحر ايجة كانت مبحرة، حسب بعض المعلومات إلى تركيا، فيما قالت أخرى أن وجهتها سوريا أو لبنان. وكشفت وسائل الاعلام المحلية عن الحديث يدور عن سفينة “Nour M” التي كانت تبحر تحت علم سيراليون من أحد موانئ أوكرانيا إلى ميناء الإسكندريون التركي محملة بالسلاح. في نوفمبر 2014، قام فريق خبراء الأمم المتحدة بتفتيش حمولة السفينة Nour M، التي ضُبطت في اليونان في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، والتي كانت تشمل 55 حاوية وما يزيد عن 32 مليون طلقة ذخيرة (103 1 أطنان) للبنادق الهجومية والرشاشات، وهي في طريقها إلى طرابلس. وزودت السلطات اليونانية اللجنة والفريق بمعلومات ووثائق كاملة. وتشير هذه الوثائق إلى أن الشركة الشاحنة هي UKRINMASH، وهي شركة حكومية أوكرانية، وأن المرسل إليه هو وزارة الدفاع الليبية وأن شركةTSS SILAH VE SAVUNMA TICARET LIMITED SIRKETT SANAYI، وهي شركة تركية، قد توسطت في الصفقة. وترجع ملكية السفينة إلى شركة TSS GROUP TUTUN SIGARA SANAYI VE، وهي شركة تركية أخرى. ولم تبدأ اليونان حتى الآن أي ملاحقات قضائية بشأن حالة الانتهاك هذه.  وكانت المذكرة التي تؤكد فيها السلطات الليبية للسلطات الأوكرانية أنها مستعدة لقبول الحمولة بتوقيع خالد الشريف، وكيل وزارة الدفاع الليبية بعد سقوط القذافي، وهو نفسه المسؤول الأمني في الجماعة الليبية المقاتلة وكنيته “أبو حازم“.

ويقول تقرير خبراء الأمم المتحدة: وقد اتصلنا بأوكرانيا للحصول على معلومات عن دور شركة UKRINMASH، وتفاصيل الدفع، ولتحديد ما إذا تم التوصل إلى تسوية نهائية. وردت أوكرانيا بأن الشحنة التي نقلت على متن السفينة Nour M هي الجزء الأول من البضائع المقرر نقلها إلى ليبيا بموجب العقد الموقع بين شركتي UKRINMASH وTSS  SILAH VE SAVUNMA SANAYI DIS TICARET LIMITED SIRKET في عام 2013، الذي تمت تسويته تماما. وفي آب/أغسطس 2014، قام ممثلو الشركة التركية ووزارة الدفاع الليبية بزيارة إلى أوكرانيا ومرافق التخزين التي يُحتفظ فيها بالأعتدة المتبقية، وهي بنادق هجومية وذخيرة للأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة. ولم يُطلب من اللجنة حتى الآن أي استثناء بشأن هذه الأعتدة، وسيتصل الفريق بأوكرانيا مرة أخرى ليطلب توضيح ذلك.

ووردت إلى الفريق مزاعم بأن خالد الشريف وشعبان هدية (أمير تنظيم متطرف) سافرا إلى أوكرانيا في آب/أغسطس 2014، للتفاوض على صفقات الأسلحة. وأكدت أوكرانيا هذه الزيارات، مضيفة أنهما” في الوقت نفسه لم يقوما بزيارة لأي جهة تصدير خاصة لإجراء مفاوضات بشأن عمليات نقل الأسلحة“. واتصل الفريق بتركيا أيضا للحصول على مزيد من المعلومات عن الشركة السمسار والشركة التي تعود إليها ملكية السفن، وإثبات ما إذا كانت الشركة السمسار قد طلبت رخصة تصدير من السلطات التركية لعملية النقل هذه النقل. وطلب الفريق أيضا جميع المعلومات والوثائق المتصلة بالمدفوعات. وردت تركيا بأن أنشطة السمسرة لم تكن قد نظمت بعد وأن الشركات الوسيطة لا تحتاج إلى طلب إذن إذا كانت البضائع لم تمس الأراضي التركية. وتعمل تركيا حاليا على مواءمة تشريعاتها مع الأحكام ذات الصلة المتعلقة بتجارة الأسلحة.

وأخيرا، أوضحت السلطات اليونانية أيضا أن هذه المصادرة تشكل عبئاً لوجستا وماليا كبيرا، مما يثير مسألة إدارة عمليات المصادرة التي تتم وفقا لتدابير الحظر التي تفرضها الأمم المتحدة وعدم وجود الدعم المناسب من الأمم المتحدة للتصرف بالأعتدة. ويؤكد التقرير الأممي أن الأسلحة اتي اشتراها خالد الشريف من أوكرانيا وشحنها على متن السفينة “نور” لم تكن ليبيا وجهتها النهائية. فعلى الرغم من أن وثائق النقل، التي وقعها نائب وزير الدفاع السابق في ليبيا، خالد الشريف، تشير إلى أن ليبيا هي المقصد النهائي. بيد أن الفريق أثبت، استناداً إلى بيانات حركة المرور البحري وإعلان من أحد أفراد الطاقم، أن السفينة لم تكن متجهة إلى ليبيا، بل إلى إسكندرون، في تركيا. وكانت الشحنة ستنقلها بعد ذلك جماعة لم تحدد هويتها من تركيا إلى سوريا.

المصدر: بوابة إفريقيا الإخبارية