الرئيسية / مقالات / الحياة المدنية في إدلب: رقصة الديك الأعرج فوق الحلبة

الحياة المدنية في إدلب: رقصة الديك الأعرج فوق الحلبة

عبد الناصر حسوالحياة المدنية في إدلب: رقصة الديك الأعرج فوق الحلبة

عبد الناصر حسو

قد يكون الحديث عن الواقع المعيشي للمدنيين في محافظة إدلب، في أقصى درجات شغف الحياة، تعبيراً عن كينونة الثورة السورية المشتتة، التي راهنت على قوة الديك المستيقظ في حلبة صراع الديكة في مسرحية “انسوا هيروسترات”، للكاتب الروسي غريغوري غورين، إلا أن الطرف الاخر في الرهان كان يستبدل ديكه المرهق بديك آخر في بداية كل جولة، فأوهم الجميع بأنه انتصر، لكن حقيقة الامر، أنه استنفد كل مبررات النصر، وظلّ يعرج متباهياً فوق الحلبة، ورغم ذلك حشر خصمه المهزوم في النفق الأخير، فهل كانت إدلب نفقاً أخيراً أم رمقاً أخيراً للمقاتلين وللمدنيين معاً؟

تؤكد إحصائيات غير رسمية أن عدد النازحين الذين وصلوا إلى محافظة إدلب خلال عمليات التهجير القسري من مختلف المدن والبلدات السورية ضمن مناطق المصالحات، تجاوز 3 ملايين نسمة، بما فيهم أبناء المحافظة، إذ يشكل المهجّرون ما نسبته % 41 من سكان المحافظة، وهذا الأمر بحدّ ذاته يطرح عدة تساؤلات مشروعة من قبل أبناء المحافظة، حول هؤلاء المدنيين، ومصير بنادق المقاتلين، والسيناريوهات التي تنتظرهم في المستقبل القريب، خصوصاً أن لهذا التجمع الكبير من المقاتلين وعائلاتهم انعكاسات كثيرة على المشهدين العسكري والسياسي، أو الحياة المدنية، في ظل عمليات تقاسم النفوذ على الأرض بين الفصائل المسلحة.

خصوصية الوضع في إدلب
لا يمكن الحديث عن الحياة المدنية بمعزل عن تأثيرات الفصائل المسلحة، التي تكفّلت بتأمين سكن مجاني ودفع رواتب شهرية لعناصرها، من أبناء المحافظة والعناصر المهجّرة، وتقديم بعض مستلزمات المعيشة اليومية، في ظل غلاء الأسعار الفاحش، أما المدنيون المستقلون فهم الأكثر فقراً وحاجة للمساعدات الإنسانية المقدمة لهم من المنظمات والهيئات الإغاثية في الداخل والخارج، لكنها مهدّدة بالتوقف.

إن وجود هذا العدد الكبير المحشور في حيّز جغرافي محدّد وصغير نسبياً (مساحتها 6 آلاف كم مربع) يتآكل يومياً، يثير قلق منظمات الدعم والإغاثة الإنسانية، خصوصاً أن المحافظة محاصرة من الجهات الثلاث بقوات النظام، والرابعة بحدود مع تركيا، الضامن لتأمين الأمن الغذائي ومستلزمات الحياة الضرورية لهم، وقد انعكس هذا الحصار على الحياة اليومية للمدنيين، الذين يعانون من الجوع والبرد، وانقطاع الكهرباء، وعدم توفّر مياه الشرب، وغياب الرعاية الصحية والتعليمية.

إن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمدنية ليست سهلة في محافظة إدلب في ظل هكذا حصار مع القصف المستمر، كونها مزدحمة بالسكان، وضعف دخل الأسر، وصعوبة الحصول على الحاجات الأساسية اليومية، رغم أنها تعتاش على المحاصيل الزراعية في مواردها المعيشية، لذلك يعتمد معظم السكان في تأمين الطعام والأدوية على مساعدات تقدمها الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية، بعد إدخالها عبر معبر باب الهوى التركي المهدّد بالإغلاق في أية لحظة.

يعاني الواقع الإداري في محافظة إدلب من تشتّت في تعدد المرجعيات الإدارية، سواءً لحكومة الإنقاذ (التابعة لهيئة تحرير الشام، وتشكّلت في عام 2017 )، أو الحكومة المؤقتة (التابعة للائتلاف الوطني)، أو المجالس المحلية، وترى هذه المجالس أن سبل العيش الأكثر أهمية المتوفرة في مناطقها تتمثل في الإغاثة ودعم المنظمات والأنشطة الاقتصادية المحلية، رغم أن الزراعة في المحافظة تشكل أهم الفعاليات الافتصادية، لكن الاقتتال الداخلي وقصف الطيران الروسي، ينشر الخوف والرعب بين الناس، فضلاً عن تحكم قوى الأمر الواقع بمعظم الموارد، لذلك تدعو الأطراف الخارجية إلى فصل المجتمع المدني عن “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً).

لذلك بادرت ما تسمى “ تنسيقيات قوى الثورة” في محافظة إدلب منذ البداية إلى إنشاء مجالس محلية، بعد انسحاب قوات النظام منها، لسدّ الفراغ الناجم عن انسحابه، وتسيير شؤون القرى والبلدات المحررة، وتنظيم العمل الإداري، ومتابعة أمور الإغاثة، بالتعاون والتنسيق مع المنظمات والجمعيات الداعمة في الخارج، تأسست حينها % 83 من مجالس المحافظة.

تفاوتت قدرة هذه المجالس في تلبية احتياجات المجتمع على مستوى القطاعات الإغاثية والخدمية، وانتشرت هذه التجربة في بلدات إدلب وريفها، واعتبرت حينها بمثابة حكومة مصغرة، تتألف من مكتب تنفيذي، يضم كلاً من المكتب الطبي، والمالي، والإعلامي، والدعم والمتابعة وإدارة المشاريع، والإغاثة وغيرها، إلا أنّ ثمة معوقات كثيرة كانت تحكم عمل هذه المجالس.

منذ العام 2015 ، سيطر ائتلاف فصائل معارضة و”جبهة النصرة” على كل إدلب، تشكلت إثر ذلك مجالس محلية لإدارة البلدات والقرى، وتلقّت الدعم من “الحكومة المؤقتة” التابعة للائتلاف الوطني المعارض. قامت هذه المجالس على إدارة الخدمات، ومؤسسة الدفاع المدني، إلا أن بعضها بقيت غائبة.

سيطرت “هيئة تحرير الشام” بعد معارك طاحنة مع الفصائل الأخرى على معظم مناطق غرب إدلب، وشكلت بدورها “حكومة الإنقاذ” كأمر واقع، لمزاحمة “الحكومة المؤقتة” وحلّها، وعندما فشلت دعت إلى الدمج معها، إلا أن الأخيرة رفضت الدعوة، كون “هيئة تحرير الشام” مصنفة دولياً على قائمة الإرهاب، وباتت الحكومتان تتنافسان، وتسعى كل واحدة منهما إلى إقصاء الأخرى، في محاولة للسيطرة على الموارد الاقتصادية، وليس لتقديم الخدمات للمدنيين، وتواجه “هيئة تحرير الشام” رفضاً ومقاومةً من شرائح كبيرة من المجتمع المدني، كونها تتدخل في مفاصل الحياة المدنية بقوة السلاح، والاستيلاء على الجهود الإغاثية والمعابر الحدودية، وجمع الضرائب، والسيطرة على محطّات المياه والكهرباء، وتضييق الخناق على المجالس المحلية، بهدف تشكيل حكومة جديدة، ودمج الأجهزة التابعة لها في الحياة المدنية.

شدّد الناشطون المدنيون في محافظة إدلب على ضرورة تسليم خدمات المحافظة لإدارة مدنية، وخروج جميع الفصائل منها، وتمركزها على خطوط الجبهات، ونقاط التماس مع النظام، طالما هناك تنافس بين المجالس وحكومة الإنقاذ. فيما ترفض المجالس المحلية الخطوات التي تقوم بها “حكومة الإنقاذ” بشكل منفرد.

تضيّق حكومة الإنقاذ الخناق على نشاط منظمات الإغاثة الدولية، من خلال تهديد طواقمها، والتدخل في المشاريع الإنسانية، وعرقلة وصول المساعدات إليها، فلا توجد منظمة إغاثية إلا وتعرّض أفرادها للتهديد بالاعتقال لأسباب بسيطة، بعد رفضها إعطاء بعض الحصص الغذائية لحكومة الإنقاذ، وتؤكد روسيا أن قسماً من المساعدة الإنسانية تتمّ سرقته تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” الإرهابية وتابعيها في إدلب.

الصراع على إدارة المجالس المحلية
يرى منسقو الشؤون الإنسانية للأزمة السورية أن: (سيطرة هيئة تحرير الشام جعلتهم يتخذون عدداً من التدابير الوقائية، إذ تقوم الهيئة بتقييد وصول المساعدات إلى الفئات المحتاجة أو محاولة التأثير على اختيار المستفيدين)، لذلك أحجمت العديد من المنظمات الدولية عن تنفيذ المشاريع بسبب هذا التدخل السافر. فيما قلّصت بعضها التمويل المخصص لمنشآت الرعاية الصحية والتعليمية والمنشآت الاخرى، فعلى سبيل المثال أجّلت وكالة التنمية الألمانية GIZ مساعداتها، في شهر يونيو/ حزيران الماضي، لأكثر من 50 مديرية للصحة، في جميع أنحاء الشمال الغربي، لإرساء الاستقرار، لكنها لم تلغ المساعدات، كما أن بعض المنظمات امتنعت عن دعم قطاع الأفران، بحجة سيطرة جهات عسكرية على المدينة، ولم يكن أمام السكان العديد من الخيارات سوى مواجهة الاعتقال والخطف والتعذيب والاغتيال، والمزيد من الضرائب ورسوم الحواجز التي فرضتها حكومة الإنقاذ. كما توقفت خطة لتزويد الأفران في إدلب بالطحين مجاناً، بعد إصرار حكومة الإنقاذ توزيعه على الأفران التابعة لها.

أثارت القوانين الصارمة التي أصدرتها منظمة “سواعد الخير” التابعة ل”هيئة تحرير الشام” غضب المدنيين، الذين رأوا فيها انتهاكاً للحقوق المدنية والإنسانية، ومحاولة لتطبيق أحكام وقوانين التشدّد على اللباس والمظهر الشرعي للنساء والرجال، ما أعاد إلى الأذهان قرارات تنظيم “داعش”، والتي لا تناسب المجتمع، على الرغم من طابعه المحافظ، وبالتالي لاقت استنكاراً من قبل المجالس ومنظمات الدعم والإغاثة، هذا يعني أن غالبية الناس ترفض هذه القوانين والأحكام ونهجها في الحكم، وتدخلات “الهيئة” في الحياة المدنية، ولم يعد هناك أي شكل من أشكال الحرية، بعد أن سيطرت “الهيئة” على جميع جوانب الحياة.

تواجه الفصائل المسلحة انتقادات شديدة من المجالس المستقلة والفعاليات والمنظمات، بسبب غياب مظاهر الحياة المدنية، وتطالب تسليم إدارتها لسلطة مدنية مستقلة، بعيداً عن صراع الفصائل، ليتسنى للمواطنين ممارسة حقهم في انتخاب المجالس، بطريقة ديمقراطية ونزيهة، إلا أن “هيئة تحرير الشام” تلجأ في كل مرة إلى تعيين أشخاص موالين لها، فهي تريد تسويق نفسها من خلال الانتخابات سياسياً، لتنفي عنها تهمة الإرهاب والإقصاء والتطرف.

تجري الانتخابات بشكل دوري في مجالس محافظة إدلب، رغم أن نسبة النساء والمهجّرين في تمثيل مجالس المحافظة منخفضة نسبياً، وهناك آلية معقدة من العلاقات بين المجالس المحلية وبين الحكومتين (الإنقاذ والمؤقتة)، ومن خلال إحصائية، نلحظ أن المجالس التي تتبع حكومة الإنقاذ أقل من % 29 ، والتي تتبع الحكومة المؤقتة % 38 ، في حين أن نسبة المجالس المستقلة % 33 .

ترى “هيئة تحرير الشام” في المجالس المحلية أكبر منافسيها. يأتي ذلك في سياق حرب بدأت معالمها بالظهور ما بين مجلس مدينة إدلب وبين الهيئة المدنية للخدمات التابعة لـ “هيئة تحرير الشام”، بعدما طالبت “الهيئة “مجلس المدينة وباقي المجالس بالمحافظة تسليمها كافة المؤسسات التابعة لها، وهو ما رفضته بعض المجالس، مؤكدة على استقلاليتها ومشروعيتها في إدارة مؤسسات المدينة.

المعابر واقتصاد الحرب
اتجهت الفصائل للبحث عن موارد اقتصادية، تتيح لها استمرارية السيطرة على الحياة المدنبة، فكانت الضرائب المفروضة على المجتمع، ودكاكين بيع الأسلحة المتوسطة والخفيفة التابعة لكل فصيل، والمعابر الحدودية، والاستيلاء على منظمات الإغاثة مورداً أساسياً. كمثال محال بيع الأسلحة لا تخضع إلى أي سلطة قانونية، وتجارة الأسلحة هي الأكثر رواجاً في إدلب، إذ تحتل مدينة إدلب المرتبة الأولى في بيع الأسلحة، ثم تأتي المعابر لتشكّل المورد الاقتصادي الأبرز، حيث يتم إدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى من تركيا، بموجب آلية استحدثها مجلس الأمن في العام 2014 ، ويتم تمديد العمل بها سنوياً، فضلاً عن الإتاوات المفروضة على المواطنين والمنظمات، وتزوير البيانات الشخصية والشهادات الجامعية ورسوم الدخول والخروج عند المعابر. كما أن تهريب الأثار والمعادن الثمينة يشكل مورداً كبيراً لدى معظم الفصائل والمدنيين، بعد عبورها إلى تركيا والتعاون مع المافيات العالمية.

وتعدّ تجارة الزيت (إدلب وعفرين) المردود الأبرز للفصائل، لكن ما يعيق مسألة التجارة الخارجية هو موضوع شهادة المنشأ التي لا يمكن أن تصدر إلا عن دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، لذلك فإن معظم الزيت يصدّر إلى مناطق النظام، ولا يمكن تصديره إلى الخارج إلا عبر تركيا، التي تضع على عبواته شهادة المنشأ التركي، وتالياً تعود الأرباح إليها.

تدرّ المعابر أرباحاً كبيرة، وتعدّ ذات أهمية بالغة للتجارة، كونها تؤمن البضائع والمواد الغذائية الأساسية والطبية والإغاثية ومواد البناء وصيانة الأجهزة الكهربائية للسكان المدنيين المتواجدين في إدلب، وتخضع هذه المعابر لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة، مع تغيّ خريطة السيطرة، وبات تقاسم المعابر بين “هيئة تحرير الشام” والفصائل الأخرى يخضع إلى مدى النفوذ العسكري لكلّ منها.

توجد في إدلب 4 معابر رئيسية بين النظام وفصائل المعارضة، يختصّ كل معبر منها بحالة معينة، فمعبر مورك، والذي يعتبر المعبر التجاري الأول على أوتوستراد دمشق-حلب، يدرّ على القائمين عليه بين 30 إلى 50 ألف دولار يومياً. ومعبر العيس لنقل البضائع والمسافرين، ومعبر قلعة المضيق، معظم العابرين منه من المسافرين مثل الطلاب والموظفين، وتعتمد عليه الأمم المتحدة والهلال الأحمر لإدخال المساعدات الإنسانية ونقل الجرحى، وتعدّ المعابر نقطة وصل على طريق التجارة ودخول سيارات محملة بالبضائع من مناطق سيطرة النظام إلى المعارضة، ولا تخضع المعابر للتفتيش، ولا لأي من القوانين الجمركية المعمول فيها بين الدول، وإنما تخضع لقوانين حواجز النظام السوري وفصائل المعارضة، ولا يمكن إدخال أو إخراج أي شيء من دون دفع مبالغ مالية وإتاوات.

يعتبر معبر باب الهوى الاستراتيجي الشريان الرئيسي لعبور المواد التجارية والأدوية المستوردة والإغاثة الإنسانية وقطع الصيانة الضرورية من الخارج. وفي بعض الأحيان، تعلّق بعض المنظمات الإنسانية عملها لأيام عدة، في حال نشوب اقتتال بين الفصائل المسلحة، حيث يغلق المعبر.

معوقات التعليم ونقص الكفاءات
أدركت المجالس المحلية منذ البداية أهمية التعليم، فركزت عليه، ونقلت كريستين هيلبيرغ (صحفية ألمانية متخصصة بالشأن السوري) صورة عن مجتمع مدني في إدلب، معتبرة أن مكافحة الإرهاب لا تتم إلا بتقدم التعليم والبحث العلمي والعمل والرعاية الطبية، وأن المتطرفين يحكمون الناس بالنار والسلاح.

لذلك حاولت مديرية التربية في إدلب التركيز على الإصلاحات وتجهيز المدارس، مؤكدةً أن الاستمرار في عملية التعليم ودفع عجلتها نحو الأفضل، يتطلب مبالغ مالية ضخمة لا تستطيع المديرية تأمينها إلا عن طريق دعم المنظمات، فالمدارس بحاجة إلى ترميم النوافذ والأبواب والمقاعد. بالإضافة إلى ضرورة استيعاب الزيادة الكبيرة في عدد الطلاب.

يعاني التعليم في المحافطة من مشاكل كثيرة، بسبب عدم توفر الكتب المدرسية والوسائل التعليمية، والتسرب الكبير للطلاب، وخوف الطلبة من القصف المستمر، وقلة الخبرات والكفاءات في صفوف الكوادر التعليمية، وانتشار المحسوبيات في تعيين الكوادر العلمية، وتزوير الشهادات.

إن نسبة كبيرة من الوافدين قد فقدوا أوراقهم الثبوتية أو شهاداتهم الجامعية لأسباب عدة منها القصف، كما تصرّ المنظمات التي تقدم المساعدات على الحصول على صورة دفتر العائلة لتسجيل اسم الشخص وتلقي المساعدة. هكذا ظهرت مكاتب التزوير، والمشكلة الأكثر خطورة تزوير شهادات جامعية تتعلق بحياة البشر، خصوصاً في المجالات الطبية (الأطباء، الممرضين، الفنيين في مجالات الأشعة والتخدير).

هناك إجماع دولي على أن هذه المناطق مصنفة على أنها إرهابية، وبالتالي فإن التمويل لا يتوفر بشكل منتظم، أو عرضة للتوقف في أية لحظة. لقد تغيرت نظرة العالم للمدينة، وهو ما يف سّ إلى حدّ كبير الصمت الدولي عن القصف المستمر على المدنيين.

خلاصة:
في ظل استعصاء الحلّ السياسي للمسألة السورية، وإصرار روسيا والنظام على استعادة المحافظة، وتواجد “هيئة تحرير الشام” في إدلب، وتحكّمها إلى حد كبير بالقرار العسكري، واستخدام تركيا الوضع الراهن للمحافظة كورقة ضغط وتفاوض على حصّتها المستقبلية من النفوذ، فإن الحياة اليومية في إدلب تستمر تحت أسوأ الظروف الإنسانية، وقلّة الخيارات المتاحة أمام السكان، ولا تبدو منظمات المجتمع المدني قادرة على تغيير هذا المسار، وأفضل ما يمكن القيام به بالنسبة لها هو محاولة تخفيف معاناة المدنيين قدر الإمكان.

كما تفرض الأوضاع الراهنة على كثير من السكان حالة التكيّف مع ما هو قائم، ليس عن قناعة بتوجهات قوى الأمر الواقع الأيديولوجية أو المصلحية، بل لانعدام الخيارات الأخرى، وهو ما يجعل الحصار المطبق على المدنيين مزدوجاً، فالحصار لم يعد مفروضاً فقط من القوى الكبرى المتحكّمة بالمحافظة، بل بالفصائل المسلحة الممسكة بتفاصيل الواقعين العسكري والمدني، وخصوصاً “هيئة تحرير الشام”، اللاعب المحلي الأكبر في معادلات النفوذ والمصالح داخل المحافظة.

المراجع:
1. منظمة “هيومان رايتس ووتش”، التقرير العالمي 2019 ، الرابط: www.hrw.org/ar/world-report/2019/country-chapters/325524
2. محمد العبد الله، النازحون في إدلب بين مأساة الحاضر وهواجس المستقبل، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 11/10/2018 ، الرابط: https://goo.gl/Zaqtzv
3. عمار الحلبي، تحقيق: سوق السلاح في إدلب، العربي الجديد، 18 يوليو 2017 .

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *