الرئيسية / مقالات / التيار الليبرالي في السعودية وتحوّلات الدولة والمجتمع

التيار الليبرالي في السعودية وتحوّلات الدولة والمجتمع

حسام ميروالتيار الليبرالي في السعودية وتحوّلات الدولة والمجتمع

حسام ميرو

في يوليو/ تموز 2018 ، قامت الحكومة السعودية بخطوة واسعة نحو إعادة هيكلة دور البرامج الدينية في التعليم، فألغت الحكومة برامج “التوعية الإسلامية، المقررة منذ عام 1969 ”، وفي الوقت ذاته، أوقفت وزارة الشؤون الإسلامية الأنشطة الدعوية التي انطلقت مع بداية الإجازة الصيفية، وأصدرت وزارة التعليم تعميماً ألغت فيه البرامج الدعوية، مثل “فطن”، و”حصانة”، و”التوعية”، وحلّت جميع اللجان المرتبطة بتلك البرامج، وقد اعتبرت تلك الخطوات نجاحاً للتيار الليبرالي في السعودية.

تزايد السجال داخل السعودية وخارجها حول عدد من الخطوات التي اتخذها وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، في إطار مشروعه “المملكة 2030 ”، خصوصاً مع إنشاء الهيئة العامة للترفيه في 7 مايو/ أيار 2016 ، والتي اختّصت ب “تطوير وتنظيم قطاع الترفيه ودعم البنية التحتية في المملكة، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وفق استراتيجيتها المعتمدة، الهادفة إلى المساهمة في تحسين جودة الحياة”.

شملت مبادرات الهيئة العامة للترفيه طيفاً واسعاً من المجالات الإبداعية، مثل الموسيقا والغناء والجرافيتي والكوميديا والتشكيل والسينما، وعكس هذا التبني موقفاً جديداً وجريئاً تجاه أنشطة حداثية، لم يكن من السهل سابقاً أن تتبناها الحكومة عبر هيئة رسمية، وفي ميل واضح لتحديث الأنشطة اليومية، كمدخل متعدد الأهداف، لكنه يصب في نهاية المطاف في إضفاء طابع ليبرالي على الدولة والمجتمع.

لكن، وفي خضم هذا التحوّل، ماذا عن العقد الاجتماعي الذي تأسّست عليه المملكة، والقائم على القبيلة والدين؟ وماذا عن المواجهة المحتملة بين التيار الليبرالي وبين التيار التقليدي المحافظ؟ وهل محاولات التغيير من أعلى هي استجابة لتغيّات دولية/ سياسية أم لتغيّات حدثت في بنية المجتمع السعودي نفسه؟

مصير العقد الاجتماعي القديم على محكّ المتغيرات

نحدد في قراءتنا لمصير العقد الاجتماعي عدداً من المتغيّات، للاحتكام إليها، وليس للقول إنها الوحيدة التي تحدد مصير العقد الاجتماعي القديم للسعودية، وتلك المتغيّات هي:

1. مسيرة انتقال الحكم إلى الجيل الثالث من القادة في السعودية، والتي تتمثّل بولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
2. صراع البنى الفكرية السياسية في السعودية، مع وجود جيل نشأ في ظلّ الموجة الثالثة للعولمة (ثورتي التقانة والاتصالات).
3. تحولات في بنية المجتمع السعودي، مع تراجع مكانة القبيلة، وحضور أكبر لفئات ليبرالية، أهمها المبتعثون من الذكور والإناث الذين درسوا في عدد من البلدان الغربية، وعادوا إلى السعودية.
4. الصراعات والخيارات التي أحدثتها موجة الربيع العربي.
5. لوحظ بقوة منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد اتخاذه خطوات لم يكن يتوقعها كثر من المراقبين، والتي ترتبط أشدّ الارتباط بإحداث تغيّات في الحياة اليومية للمجتمع السعودي، ومن بينها السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، من دون حدوث ضجيج كبير من قبل رجال الدين المحافظين أو المتشدّدين.

على ماذا اعتمد ألأمير في اتخاذه تلك الخطوات؟

لقد تراجعت مفاعيل العقد الاجتماعي القديم، والمبني على التحالف بين القبيلة والدين، وقد لعبت العناصر التي ذكرناها آنفاً دوراً بارزا في تراجع الحلف الاجتماعي الديني، خصوصاً مع توسّع المدينة السعودية، ونمو المؤسسات، وانفتاح المجتمع على الخارج، بعد دخول الفضائيات، ومن ثمّ الإنترنت، كما أن تحولات الحرب العالمية على الإرهاب بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 فرضت نفسها على صنّاع القرار في السعودية.

على مدار عقود منذ نشأة الدولة السعودية، كان التحالف الديني القبلي أساس الحكم، حيث أن أقوى عاملين اجتماعيين/ ثقافيين جامعين، كانا لحظة تأسيس الدولة، هما القبيلة والدين، لكن من الناحية العملية، تمكّنت الأسرة الحاكمة من وضع يدها على مجمل الخطاب الديني، واستثمرت فيه حين استدعت الحاجة إلى ذلك، بوصفه أحد أهم الأدوات التي كانت متاحة في مواجهة مشاريع سياسية، مثل المواجهة مع مشروع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى التعاون السعودي الأمريكي ضد القوات السوفيتية في أفغانستان.

داخلياً، أسهمت التيارات الدينية في تثبيت حكم الأسرة الحاكمة، لكن دورها وقدرتها في المجتمع السعودي تراجعت لمصلحة السياسة والمؤسسة، إلى الدرجة التي سمحت بأن يقوم ولي العهد بإجراءات عديدة، من دون أن تستطيع تلك التيارات فعلياً الإعلان عن رفضها للإجراءات، أو إحداث موجة احتجاجات.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان العقد الاجتماعي القديم في حالة احتضار، فما هي طبيعة العقد الاجتماعي الجديد؟

ليس من الواضح حتى الآن ماهية العقد الاجتماعي الجديد، ولا يمكن الادعاء بإمكانية التكهّن بالطبقة الاجتماعية أو الصيغة التي سيؤول إليها العقد الاجتماعي، لكن من المؤكد أن استقرار الدولة مبني في جزء رئيس منه على متانة العقد الاجتماعي، بحيث يكون هناك منظومة قائمة على القبول من قبل المواطنين، خصوصاً ممثلي الطبقات الاجتماعية.

وفي الحالة السعودية، علينا أن نتذكّر على الدوام أن الريع لعب دوراً ميسّاً ورئيساً في ثبات العقد الاجتماعي القديم، ولا تزال السعودية تعتمد على الريع النفطي بالدرجة الأولى في ميزانيات حكوماتها المتعاقبة، فلا تزال العوائد الريعية قادرة على إحداث حالة من الرضا في المجتمع، في ظل غياب المؤسسات المدنية من أحزاب وجمعيات ونقابات.

“الجيل الثالث” والليبرالية

مع وفاة الملك عبد الله في يناير/ كانون الثاني 2015 ، وقدوم الملك سلمان، كانت السعودية مع موعد قريب لنهاية حكم الجيل الثاني، وبداية صعود الجيل الثالث للحكم، جيل الشباب من آل سعود، وبدا واضحاً أن الصراع داخل دوائر الحكم قد حُسم لمصلحة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي قام بخطوات مهمة لفتح الطريق أمام انتقال الحكم إليه، وبعضها خطوات فاجأت الكثيرين، من بينها محاسبة عدد كبير من رجال الأعمال، الذين بنوا ثرواتهم على مدار عقود، وكانوا مقربين على الدوام من الدائرة الملكية.

في ملف العلاقات الدولية، وخلال حكم الملك عبد الله، ضغطت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على السعودية في ثلاثة ملفّات رئيسة، وهي إيران، والإخوان المسلمين، ودعم تنظيم “القاعدة”، وذلك في إطار التمهيد الذي كانت تقوم به إدارة أوباما للانكفاء عن منطقة الشرق الأوسط.

وخلال العقد الأخير ، أو عقد الربيع العربي، صعد الإسلام السياسي بوصفه أحد بدائل الحكم في العالم العربي، وهو ما اعتبرته السعودية، في أخد أشكاله، مقدمة للتغيير، ليس فقط في الجمهوريات العربية، بل أيضاً تغييراً سيطال الممالك العربية، خصوصاً لجهة وجود تيارات دينية محافظة، لها سطوة اجتماعية راسخة، وبناءً عليه، فقد اتخذت السعودية خطوات مضادة، من بينها دعم تغيير حكم الإخوان المسلمين في مصر، انطلاقاً من قراءة تقول إن حكم الإخوان لمصر سيمكّنهم من طرح مشروع أسلمة الحكم في العالم العربي، إسوة بالمشروع الناصري، وبالتالي فإن تكلفة إجهاض وجودهم في الحكم أقل بكثير من إجهاض مشروعهم بعد ترسيخ حكمهم لمصر، خصوصاً لما تمثّله مصر من وزن نوعي، مادي ورمزي، في العالم العربي.

وصول الجيل الثالث إلى الحكم، ممثلاً بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تطلّب إعادة النظر في توازن التيارات الفكرية والعقائدية والاجتماعية في السعودية، انطلاقاً من ثلاثة نقاط رئيسة، وهي:

1. أن التيار الديني السعودي، مهما كانت توجهاته، يمكن أن يستفيد من التحولات الإقليمية، ليعيد رسم مكانته في الدولة السعودية، انطلاقاً من تحالفات محتملة مع الخارج.

2. أن المتغيّات الإقليمية والدولية هي فرصة أيضاً لتحجيم التيار الديني، خصوصاً مع وجود موجة عالمية ضد الإسلام السياسي عموماً، والجهادي على نحو خاص.

3. أن حكم الجيل الثالث بحاجة إلى الاعتماد على فئة اجتماعية صاعدة، تتناسب مع المتغيّات التي حدثت في المجتمع السعودي، ووجود ميول ليبرالية صاعدة لدى الشباب، الذين يشكلون ثقلاً كبيراً في المجتمع، فبحسب مركز المعلومات الوطني في وزارة الداخلية السعودية،
يشكل السعوديون الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاماً ما نسبته % 67 من المواطنين.

خصوصية الليبرالية في السعودية

في عام 1990 ، قادت 47 امرأة سعودية سيارتهن في السعودية، وقد تمّ اعتقالهن وحرمانهن من وظائفهن، وفي عام 2016 ، وقعّت 14 ألف امرأة سعودية على عريضة، طالبن فيها “بإنهاء قانون الوصاية المفروضة على المرأة”، وخلال تلك الأعوام نما الحراك الليبرالي في السعودية بشكل ملحوظ، وكان موضوع الحريات المتعلق بالمرأة في صدارة هذا الحراك.

في شهر فبراير/ شباط من العام الجاري، أعلنت وزارة التعليم لشؤون الابتعاث عن أرقام المبتعثين السعوديين إلى الخارج، وقد بلغ عدد المبتعثين نحو 93 ألف مبتعث.

وقد توزّع المبتعثون على عدد من الدول الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى اليابان والصين، ونالت الدول الناطقة بالإنجليزية النصيب الأكبر من حصة المبتعثين السعوديين.

يعود تاريخ الابتعاث الخارجي للطلبة السعوديين للدراسة في الخارج إلى عام 1952 ، لكن النقلة النوعية كانت مع إطلاق برنامج الابتعاث الخارجي في عام 2005 ، والذي أتاح الفرصة أمام عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات للدراسة في الغرب، وعلى كافة المستويات الأكاديمية (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه)، وقد تمّ تجديد مدة البرنامج حتى عام 2020 ، مع توقّع كبير باستمراره.

يمتلك التيار الليبرالي في السعودية خصوصية مرتبطة أشدّ الارتباط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي السعودي، حيث لا تزال السعودية تبني ميزانياتها، بشكلٍ رئيس، على العوائد المالية من صادرات النفط، حيث تبلغ حصة إيرادات النفط في الميزانية الحكومية نسبة تصل إلى حوالي % 70 ، وقد بلغت في هذا العام % 68 مقابل % 32 للصادرات غير النفطية، ونظراً للدور التاريخي للريع النفطي في اقتصاد السعودية فإن نشوء طبقة برجوازية خارج إطار الريع هو أمر شبه مستحيل، وبالتالي فإن البرجوازية السعودية هي طبقة محافظة.

لكن تشكّل ما يمكن أن نسميه اصطلاحاً التيار الليبرالي تقف وراءه أسباب مرتبطة بعوامل عديدة، أبرزها ان المجتمع السعودي مجتمع شاب، ينمو في ظل انفتاح قوي على المنتجات العولمية، مع وفرة مالية جيدة، قياساً إلى باقي المجتمعات العربية، بالإضافة إلى عودة عشرات الآلاف من الخرجين والخريجات بعد دراستهم في دول غربية راسخة في ليبراليتها، مكتسبين، إلى جانب تحصيلهم العلمي، معارف ثقافية واجتماعية وإنسانية مرتبطة بروح الليبرالية، وهم يشغلون اليوم مناصب حكومية في مجالات عديدة.

هذه الفئة من الشباب والشابات لم تصطدم، على نطاق واسع، وبشكل مباشر، مع التيار الديني، لكنها عملياً تؤسس لأوضاع اجتماعية جديدة، وهي تستفيد من التحولات السياسية الجديدة، خصوصاً مع تراجع دور رجال الدين في الأعوام الأخيرة، واستبعاد الكثيرين منهم من المنابر الرسمية.

لقد صرّح ولي العهد السعودي، وفي غير مناسبة، أنه يعمل على “استعادة الإسلام الوسطي، بعد مرحلة التشدد التي سادت لعقود، وقد علّل ذلك، بأن نشوء التيار المتشدد جاء كردة فعل على الثورة الإسلامية في إيران”، ومن الواضح أن تعبير “الإسلام الوسطي” هو بديل عن مصطلح الليبرالية، الذي قد يستخدم كذريعة من قبل التيار الديني المتشدد، لاتهام النظام السعودي بأنه يبتعد عن المرجعية الدينية للمجتمع السعودي.

خلاصة:

من الواضح أن التحولات في السعودية تتخذ في معظم صيغها نمط “التغيير من الأعلى”، حيث تلعب القرارات الحكومية الدور الرئيس في إحداث اختراق للبنى التقليدية المحافظة، وتحدّ من الدور التقليدي لرجال الدين، وهو أمر يخدم في المحصلة نشوء طبقة جديدة، يمكن القول إنها طبقة أقرب إلى الليبرالية من حيث نمط الحياة اليومي، وأكثر تقبلاً للانفتاح على ما هو جديد فكرياً وثقافياً.

ما تمّ إحرازه من خطوات في اتجاه لبرلة المجتمع السعودي سيأخذ مفاعيله في الواقع الاجتماعي، فالقرارات الحكومية الجديدة تفتح المجال أمام ممارسات جديدة في الحياة الاجتماعية، كما أن إعطاء المرأة هامشاً أوسع في التواجد الاجتماعي سيكون له تأثير مباشر على الحراك السعودي.

تشكل الفئة الليبرالية الصاعدة، من وجهة نظر الحكم الجديد في السعودية، فئة مساندة لمشروع التغيير، إذ أن هذا المشروع، والذي يشكّل تحدياً لسلطة التيارات الدينية، يحتاج إلى فئة اجتماعية يعتمد عليها، في إطار بناء عقد اجتماعي جديد، بعيداً عن المرجعية الدينية.

لكن هذا الاتجاه نحو الليبرالية لا يخلو من مخاطر عديدة، بعضها بنيوي، يتعلق بالمدى الذي يمكن أن يذهب إليه هذا المشروع، وبعضها متعلق بطبيعة المواجهة الاجتماعية بين تيار ديني، بات يخسر مكانته ومصالحه، وبين تيار ليبرالي يحقق مكاسب متصاعدة.

إن الذهاب نحو دولة طبيعية، ذات توجه ليبرالي، له استحقاقات كثيرة، خصوصاً لجهة تأطير القوى الاجتماعية الجديدة، للتعبير عن رؤاها ومصالحها، وهو ما سيتطلب مع الوقت خطوة إضافية لتأسيس جمعيات واتحادات مستقلة تعبر عن مصالح منتسبيها، لكن هذا الأمر يبدو اليوم بعيداً، لكنه سيكون في لحظة أخرى استحقاقاً مهماً.

المراجع:

  1. الموقع الرسمي للهيئة العامة للترفيه في السعودية، الرابط: /https://www.gea.gov.sa
  2. إحصاءات، الموقع الرسمي لوزارة التعليم في السعودية، الرابط: / https://www.moe.gov.sa/ar/about/StatisticsPages/R15Rep.aspx
  3. Ensaf Haidar, Saudi Arabia’s Chance to Create a Liberal Kingdom, The New York Times, June,3 .5, 2018

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *