الرئيسية / مقالات / الصين في الصراع الإيراني _ الأمريكي: إشكالات التوازن في لعبة الاستراتيجيا

الصين في الصراع الإيراني _ الأمريكي: إشكالات التوازن في لعبة الاستراتيجيا

كمال شاهينالصين في الصراع الإيراني _ الأمريكي: إشكالات التوازن في لعبة الاستراتيجيا

كمال شاهين

تبدو أبواب الجحيم مفتوحة هذه الأوقات في الشرق الأوسط، حيث تقرع طبول الحرب بالقرب من مضيق هرمز، وللمرة الثالثة في غضون بضعة أشهر، ويؤكد احتجاز إيران ناقلتي نفط بريطانيتين ﻷسباب “بيئية” وأخرى “تقنية” في شهر يوليو/تموز الماضي، كردّ سريع على احتجاز سفينتها في مضيق جبل طارق، الاستعداد الإيراني الكبير للذهاب في التصعيد إلى أقصاه.

في يونيو/ حزيران الماضي، رفض آية الله خامنئي تسلّم رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي حملها شينزو آبي، رئيس الوزراء اليابان، بشأن التفاوض حول موضوع الصواريخ البالستية التي تمتلكها إيران، وفي الوقت نفسه، ظهرت العديد من ا لإشارات والتصريحات حول مسؤولية طهران عن حوادث الناقلات في جوار الإمارات العربية المتحدة، وأسقطت إيران طائرة أمريكية مسيّة، باستخدام تكنولوجيا صينية، وفعلت واشنطن نفس اﻷمر باستخدام منظومة MRZR الإسرائيلية، ووسط هذا كله، ينقسم الموقف داخل ا لإدارة الأمريكية تجاه حرب يراها البعض مجرد استجابة لرغبات خليجية بالدرجة اﻷولى، ولا علاقة للأمن القومي الأمريكي بها، فيؤكد قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية الجنرال جون هايتن أنه “سيرفض أي قرار غير قانوني يصدر عن الرئيس”.

هذا الكلام القوي الواضح دفع الإدارة الأمريكية من جديد لإعلان استعداد واشنطن للحوار مع طهران، من دون شروط مسبقة عبر تصريحات لوزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، بحسب وكالة رويترز في 20 يوليو/ تموز الماضي فيما وافق البنتاغون على إرسال 500 جندي إلى المملكة العربية السعودية استجابة لطلبها.

الموقف الصيني من الصراع في الخليج
هناك ترقب صيني وروسي من الدرجة ا ﻷولى لتطور الأحداث في الخليج، ففي قمة شانغهاي ا ﻷخيرة، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ لحسن روحاني “نحن نقف إلى جانبكم”. لا شك أن هذا الموقف الداعم، هو ما كنت تنتظره إيران، أقله باحتمال وجود مصادر سلاح في حال نشبت الحرب بينها وبين واشنطن، وهو على الأقل أيضاً، ما يوفر لها دعماً دولياً، يشابه ذاك الذي نالته الحكومة السورية في اﻷمم المتحدة عبر سنوات أزمتها ا ﻷخيرة.

هناك محاولات سعودية وإماراتية مكثفة لإبعاد الصين وروسيا عن التدخل في الصراع، وزيارات مكوكية، مثل زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الصين ومناطق آسيوية أخرى في فبراير/ شباط الماضي، بغاية إغلاق اﻷبواب الخلفية لإيران، مقدّماً فيها سلةً من الحوافز، بغاية فك (أو التقليل) من التشاركية الصينية مع طهران، لكن الموقف الصيني أكمل مستمراً في ثوابته، فقبل ساعات من زيارة ولي العهد السعودي، قال الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لرئيس البرلمان ا لإيراني “إن رغبة الصين في إقامة علاقات وثيقة مع إيران لم تتغير بغض النظر عن الموقف الدولي”، مضيفًا: “مهما تغير الموقف الدولي وا لإقليمي فإن عزم الصين على تنمية شراكة استراتيجية شاملة مع إيران لن يتغير”، حسبما نقلت وزارة الخارجية الصينية.

يأتي الموقف الصيني من الاصطدام الأمريكي مع طهران غداة حرب تجارية تخوضها هي ا ﻷخرى مع واشنطن، وتدرك بكين أنها ليست بعيدة عما يجري في الخليج العربي، وأن جزءاً من العين الأمريكية عليها، خاصةً أن الترسانة العسكرية الإيرانية مصدرها صيني بشكل أساسي، فالسلاح الإيراني الذي أسقط الطائرة الأميركية المسيّة في الخليج، وهي من النوع المتفوق تكنولوجيا (الجيل الخامس)، تمّ باستخدام تكنولوجيا صينية، ولذلك، فإن الموقف الصيني يتعدى إطار التصريحات ا لإعلامية والدعم اللوجستي والتقني المقدّم إلى طهران منذ عقود، إلى وجود شراكة “مخاوف” متبادلة مع السياسة الأمريكية في المنطقة المزدحمة بحاملات الطائرات والنفط والمشاريع السياسية.

الصين هي الشريك التجاري ا ﻷول لطهران على مدى العقدين الماضيين، ولكنها، في الوقت نفسه، لديها علاقات تجارية ونفطية كبيرة مع دول الخليج العربي، بكونها مصدر للنفط والغاز، ومستورد رئيسي للمنتجات الكيميائية الناتجة عن النفط المكرر في الصين كالسولار، ويحتل “جبل علي” في الإمارات الموقع الرئيسي لعبور المنتجات الصينية إلى الشرق اﻷوسط وإفريقيا، بحجم تجاري بلغ عدة تريليونات من الدولارات سنوياً، وهو اﻷمر الذي لا يمكن للصين تجاهله في موقفها من ا ﻷزمة الإيرانية.

مصالح طهران ونظرتها إلى الصين تحاول طهران أن تصبح قوة إقليمية نافذة في حيّزها الجيوسياسي القريب، لكن هذه المهمة تصطدم بالأهمية الاستراتيجية القصوى التي تعطيها واشنطن لمنطقة الخليج العربي، رغم تضاؤل حجم استيراد واشنطن منها، إلا أن شركاتها ما تزال الحاكم الفعلي لتصدير الغاز والنفط، وهذا أمر تسيّ من أجله البوارج على الفور، وتفتقر إيران إلى حليف إقليمي مجاور لها جغرافياً يساندها في محاولاتها بما في ذلك عدوتها التاريخية الاستعمارية (روسيا)، لذلك تنظر إيران إلى بكين بوصفها صديقاً شبه مؤكد في صراعها مع واشنطن، ليس على الخليج العربي فقط، بل وعلى بحر إيران الجنوبي وشرقها، حيث يقع أول مرفأ صيني خارج البلاد، وتأمل طهران مع تحول الصين الاقتصادي والعسكري الهادئ في الاستناد إلى حليف قوي، في حال اشتدّ النزاع بينها وبين واشنطن في المنطقة، وهو ما تحكمه حقيقةً شروط صعبة لبكين، التي تتنازعها رغبة وواقع التجارة مع الولايات المتحدة التي وصلت أرقاماً مرعبة.

المسؤولون الإيرانيون لا يترددون بالتأكيد على استراتيجية علاقتهم مع بكين، وفي أكثر من مناسبة، بدا أن الطرف اﻷضعف (طهران) هو من يخطب ود التنين، في قمة التعاون ال 19 التي انعقدت في العاصمة القرغيزية في 14 يونيو/ حزيران الماضي، صرّح الرئيس الإيراني أن شراكة بلاده مع الصين “استراتيجية” وأن “إيران تعلق أهمية كبيرة على التنمية الشاملة للعلاقات الثنائية وتلتزم بها”، مبدياً استعداد بلاده للمشاركة في مبادرة “الحزام والطريق”، والاستفادة من إمكانات التعاون في مختلف المجالات”.

اختبار الصواريخ الصينية
بدلاً من بيع بكين طهران أسلحةً صغيرة مثل البنادق الآلية، فإن العقدين ا ﻷولين من القرن الحالي شهدا اتجاهاً صينياً نحو الاستجابة لطلبات طهران بالتأسيس لصناعة عسكرية، حيث أنه وفق خبراء غربيين فإن نماذج الصواريخ الإيرانية، مثل “عقاب” و”شهاب” (صاروخين طويلي المدى)، هما تطوير طفيف لنماذج صينية، وأوضح التطابقات هي في صاروخ “النصر” الذي يطابق إلى حد كبير الصاروخ الصيني 704- وبالمثل فإن الصواريخ المضادة للسفن وا ﻷلغام البحرية التي زرعتها طهران في جهتها من الخليج العربي تفادياً لهجوم أميركي كانت صينية المنشأ.

لم تلتزم الصين بالعقوبات الأمريكية على طهران التي تجاوزت عامها ا ﻷربعين (المطبقة أيضاً على الصين وكوريا وروسيا وسوريا)، وأسهمت بتسليم ونقل تكنولوجيا الصواريخ بشكل أساسي، وهذه تشكّل أساسَ عقيدة إيران العسكرية في مواجهتها المحتملة مع واشنطن، والتي ستكون صاروخية (وبحرية) لا تتدخل فيها القوات البرية إلا في حالات قصوى، وفي ظل التفوق الأمريكي عسكرياً (قاعدة العيديد في قطر تبعد أقل من 500 كم عن الطرف الإيراني، ومثلها قاعدة إنجرليك)، لا يمكنها مواجهة احتمال غزوها بغير هذه الطريقة التي عملت عليها لعقود وبصمت، عرقلة إبحار السفن في الخليج هي واحدة من نقاط القوة التي تمتلكها طهران في هذه المسألة.

مساعدة في تجاوز العقوبات الأمريكية
في الأشهر الخمسة ا ﻷولى من العام الحالي 2019 ، وقبل بدء تنفيذ العقوبات الأمريكية على الشركات الدولية، اشترت الصين نحو نصف صادرات إيران من النفط الخام، ومنذ انتهاء سريان ا لإعفاءات الأمريكية لم يدخل مستوردو النفط الرئيسيين (شركة الصين للبتروكيماويات، وشركة الصين الوطنية للبترول)، في أي عمليات شراء، ومع ملاحظة أن عمليات الشراء الكبيرة هذه طالت عدة دول وليس الصين فقط لدعم مخزونها الاحتياطي، وهي تركيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان التي تحولت إلى استيراد النفط السعودي ذي السعر المخفض، استجابة لرغبات واشنطن، حيث تضخّ الرياض في السوق الدولية تقريباً كامل حصة إيران، من دون أن تجدي تهديدات نائب الرئيس الإيراني شيئاً بشأنها.

توقف بكين المفاجئ عن استيراد النفط الإيراني سيشكل ضغطاً كبيراً على السياسة الإيرانية وواقعها المستقبلي، وستفقد طهران سنداً رئيسياً في معركتها الاقتصادية التي لم تستطع (أو لم تقرر فيها) الابتعاد عن النظام المالي الأمريكي، على الرغم من عدة اقتراحات سابقة قدّمها اقتصاديون إيرانيون.

لقد خضعت طهران منذ بدء مشكلات الملف النووي إلى أربع جولات من العقوبات الدولية، إضافة إلى العقوبات أحادية اﻷحادية الجانب من واشنطن، وكان لتلك العقوبات أثر كبير جداً، فاق المتوقع، وفق تقارير دولية وخبراء.

بالطبع، ترغب بكين في استمرار استيراد النفط الإيراني الرخيص والقليل التكلفة والمناسب لمصافيها، لكن استفحال مشكلاتها الاقتصادية مع واشنطن والحرب التجارية بينهما دفعتها إلى محاولة تخفيف حدّة التوتر بينهما، فلجأت إلى استيراد النفط السعودي (% 41 منها) واﻷوسترالي، لكن هذا لا يلغي ا ﻷهمية الاستراتيجية التي تعلّقها الصين على الهضبة الفارسية في مبادرة “الحزام والطريق”، ومبادرات أخرى، تربط الصين بالعالم (طريق الحرير الجديد)، حيث ستمرّ الطرق والقطارات وخطوط الأنابيب النفطية البنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق من الأراضي الصينية عبر آسيا الوسطى إلى إيران، ثم إلى غرب آسيا وتركيا إلى أوروبا.

ولا ينبغي التقليل من أهمية إيران في هذا المشروع الأكبر من نوعه في العالم، والذي يمثل الشريان الحيوي الجديد للإمبراطورية الصينية الصاعدة.

تمثل مبادرة الحزام والطريق الرؤية الصينية العملانية للمنطقة ا ﻷسيوية المحيطة بها، وتهدف إلى تعزيز قدرتها الاقتصادية، في منطقة تعتبر حيوية جداً لمصالحها واستقرارها، وتعتبر أن دولاً مثل إيران (ومصر والإمارات والسعودية والجزائر) بمثابة حلفاء استراتيجيين، من هنا ندرك حجم الصعوبة التي تقف فيها بكين في النزاع الخليجي ا لإيراني، قبل وقت قريب نشرت وسائل إعلام أميركية عن وجود مشروع صيني لتطوير منظومات الصواريخ السعودية، وهو ما يعرف بمشروع صقر .

العقوبات الأمريكية والدور الصيني
بلغت إيرادات تصدير النفط الإيراني 50 مليار دولار أميركي للسنة المالية 2019 – 2018 (المنتهية في 20 مارس/ آذار الماضي)، حيث أسهم قطاع النفط بنسبة % 70 من صادرات إيران، وهذا الدخل ضروري لدفع رواتب نحو خمسة ملايين موظف، وتصل النفقات السنوية للحكومة إلى نحو 24 مليار دولار، فيما أعلن نائب الرئيس الإيراني سحب الحكومة مليار دولار من النقد الاحتياطي المسمى “صندوق التنمية الوطني” لخلق وظائف جديدة، لكن العقوبات الأمريكية قلّلت حجم الصادرات النفطية إلى درجة الصفر تقريباً، وشلّت التمويلات الحكومية. ومع توقف المبيعات ستواجه إيران وقتاً عصيباً للغاية، يهدد تماسك اقتصادها، وحسب أسعار صرف العملات الموازي فإن سعر الدولار اليوم يفوق 45 ألف تومان (عملة إيران).

هل يمكن للصين أن تلعب دوراً في إيقاف هذا التردي الاقتصادي الذي سينسحب، من دون شك، إلى الشارع في ظل وجود توتر فائق في الشارع الإيراني بين الشعب والنظام؟ من غير المفاجئ أن تكون التظاهرات الخضراء في بعض مناسباتها قد رفعت شعار “الموت للصين” التي تزود النظام الإيراني بالأسلحة المستخدمة ضد المتظاهرين، إلا أن دور الصين ا ﻷكبر الذي يتذكره الإيرانيون جيداً هو عملها في إنشاء مترو طهران، الذي حل مشكلة النقل الشائكة في العاصمة المزدحمة بالسكان، وهو أطول خط مترو في الشرق ا ﻷوسط إضافة إلى عشرات المشاريع ا ﻷخرى الحاضرة في الذاكرة الإيرانية.

إن اﻷذى اﻷكبر الذي ألحقته واشنطن بالاقتصاد الإيراني كان التشريع المقر عام 2011 ، بمنع التعامل مع البنك المركزي الإيراني، لأي شركة، حيث يلعب البنك دوراً رئيسياً (حكومياً) في مبيعات النفط الإيراني، وهو ما أدى إلى انخفاض كبير في قيمة التومان في وقت قياسي، ولكن بكين حاولت تجاوز القانون عبر الاعتماد على الشراء عبر اليوان، وهو ما ساعد طهران في السنوات القليلة الماضية على التهرّب قليلاً من العقوبات، والمساعدة ا ﻷكبر التي قدمتها بكين كانت نقل طهران، عبر تقديم التكنولوجيا النفطية للتكرير، من بلد مستورد للمشتقات إلى بلد مكتفٍ ذاتياً.

بكين طهران بغداد دمشق
تلعب الجغرافيا مرة أخرى دوراً رئيسياً في إمكانية التقليل من تأثير العقوبات الأمريكية على طهران عبر محورين رئيسين، اﻷول باتجاه آسيا الوسطى (حيث أفغانستان، وباكستان المحكومتين بالنفوذ الأمريكي الكبير)، والثاني العراق وهو المنفذ ا ﻷكثر احتمالاً، حيث نقل عن محمد الحكيم، وزير الخارجية العراقي، قوله إن الحكومة العراقية لا تعتقد أن الحصار الاقتصادي جيد للمنطقة، مضيفاً: “نحن ندعم إيران في موقفها”، وفي وقت سابق من شهر مايو/ أيار الماضي، قال وزير النفط العراقي، ثامر الغضبان، إن بلاده ستواصل شراء الغاز الطبيعي ا لإيراني، وهو أمر ضروري لشبكة الكهرباء العراقية، على الرغم من مغريات قَدّمتها واشنطن، عبر صفقة بقيمة 14 مليار دولار مع شركات أمريكية وهو مفتاح آخر لفهم التوجهات الأمريكية الجديدة في ظل تحولها إلى مصدر نفطي وغازي، وعلى ا ﻷرجح، أن العراق لن يكون قادراً على اتخاذ موقف العداء لجارته ﻷسباب داخلية، وكذلك، لن يمنع النفط ا لإيراني من الوصول إلى دمشق، وهو مفتاح تخلصها هي ا ﻷخرى من عقوبات واشنطن وأوروبا.

العلاقات الصينية الإيرانية أمام واشنطن
تطورت العلاقات بين بكين وطهران من التوازن إلى الاعتماد الإيراني بشكل شبه كامل على بكين، وهو أمر سببه الحسابات الإيرانية والصينية لاحقاً في محاولة الوقوف بوجه سياسات واشنطن العدوانية تجاه كل البلدين، وهي محاولات لا تتوقف ولن تتوقف في إطار الصراع الجيوسياسي والاستراتيجي على النفوذ العالمي المبني على سياسات القوة، المفهوم البراغماتي الأمريكي الحقيقي الذي يركز على استحصال أكبر قدر من الفوائد الاقتصادية باستخدام مختلف ا ﻷدوات، وهذه الثيمة تعرفها الصين تماماً، محاولةً الاستفادة منها في علاقتها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه، اللعب في الوقت الضائع، بغاية تأخير الاشتباك مع واشنطن.

بالمقابل، فإن الخطاب الصيني بشأن واشنطن آخذٌ هو الآخر في التغيّ، باتجاه الحدّية أكثر فأكثر، فالعقوبات اﻷخيرة التي اتهمت فيها شركة “هوواي” بالتجسس، وهي حقيقة مبالغ فيها، لأن برمجياتها أمريكية بالكامل، سمحت للصين بالوقوف بشكل جدي أمام تلك السياسات، ما جعل واشنطن تتراجع مرة إثر أخرى، وهذا الموقف يعطي طهران بعض الأمل في معركتها مع واشنطن، بالنسبة للمتابعين فإن احتمال المواجهة العسكرية مع طهران ضعيف، ولكن التعويل الغربي هو على الانهيار من الداخل، وهي السياسة التي تعتمدها واشنطن مع طهران، في ظل صعوبة التدمير العسكري للبلاد، وهو اﻷمر الذي لا ترغبه بكين.

خلاصة
من مصلحة الصين الاستراتيجية في وجود أجواء إقليمية متوازنة في منطقة الخليج العربي، تسمح لها بتمرير مشروعها لهذا القرن (مبادرة الحزام والطريق)، وفي الوقت نفسه، فإنها لا تستطيع تجاهل الضغوطات الأمريكية، المرتبطة بالحرب التجارية مع واشنطن، والتي تبدو اليوم أكثر راهنية وحدّة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

من جهتها، تعوّل إيران على موقف صيني داعم لها، في مواجهة السياسات الأمريكية، انطلاقاً من اعتبارها أن الصين يمكن أن تستفيد من الموقف ا لإيراني، ومن أي موقف ينسجم مع إضعاف النفوذ الأمريكي، لكن طهران تصطدم بحدود قدرة الصين على مساعدتها في الهروب من الضغوط الأمريكية، وما يمكن أن يحصل من مقايضات بين بكين وواشنطن على حسابها.

حجم المصالح الصينية الكبير مع دول الخليج يكبّل حدود التدخل الصيني لمصلحة إيران بشكل مباشر، لكن الصين، مثل الولايات المتحدة، ستسعى لتحقيق أكبر فائدة ممكنة من الصراع الدائر.

المصدر: العدد العاشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *