الرئيسية / مقالات / المنطقة الآمنة شمال سوريا بين الطموحات التركية وحدود التوافقات المحلية والدولية

المنطقة الآمنة شمال سوريا بين الطموحات التركية وحدود التوافقات المحلية والدولية

كمال شاهينالمنطقة الآمنة شمال سوريا بين الطموحات التركية وحدود التوافقات المحلية والدولية

كمال شاهين

مقدمة:

شهد الملف السوري مؤخراً تحركات ومواقف متشابكة غيّرت من مساراته المحلية والإقليمية، فمع إعلان “ديمتري بيسكوف”، متحدث الرئاسة الروسية، أنه “تبقى خطوة واحدة لاستكمال تشكيل اللجنة الدستورية”، شهدت مناطق شمال سوريا بدء تحليق طائرات تركية مسيّرة، تنفيذاً عملياً للاتفاق الموقع بين أنقرة وواشنطن في 7 أغسطس/ آب الماضي، المتضمن “تنسيق وإدارة المنطقة اﻷمنة” التي تطالب بها تركيا منذ عام 2013، ووافقت واشنطن على تنفيذها، مع موافقة ضمنية روسية حتى اﻵن.

ومع بدء تحضيرات عقد قمة روسية ـ تركية ـ إيرانية في أستانا قريباً، بدأ الجانبان التركي واﻷمريكي أعمال تركيب البنية التحتية لمركز عمليات مشتركة بينهما يقام جنوب ولاية “شانلي أورفة” التركية، محاذياً لمدينة عين العرب / كوباني، ومن جانبها، رفضت الخارجية السورية في بيان لها، هذه التفاهمات واعتبرتها “انتهاكاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، معربة عن استنكارها “لاستمرار التدخل الأمريكي الذي يرمي إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيدها”، مشيرةً إلى تحميل “بعض اﻷطراف السورية من المواطنين الأكراد” (متجاهلة وجود عناصر عربية) المسؤولية التاريخية لهذا الوضع الناشئ وأنه آن اﻵوان “كي تراجع حساباتها وتعود إلى الحاضنة الوطنية” وفق بيان الخارجية السورية بتاريخ 8 أغسطس/ آب الماضي.

بالتزامن أيضاً، شهدت منطقة الباب (شمال حلب) اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وفصائل درع الفرات، التي تشتبك معه في الوقت نفسه، في ريف حماة وجنوب إدلب، بعد وصول كميات سلاح معتبرة من تركيا إلى “درع الفرات”، وفقاً لمصادر محلية من إدلب، من دون مشاركة تركيا أو روسيا في المعارك، فهل كان الهجوم السوري، المؤجّل منذ شهور، رسالة للحلفاء قبل اﻷعداء أنه ما يزال لديها أوراق قادرة على رميها على الطاولة وقلبها؟ أم أن موسكو دخلت مرحلة “ابتزاز” نظام دمشق (التفاوض مع الحليف؟) في محاولة منها لتليين موقفه تجاه الحل السياسي القادم على طاولة التوافقات الدولية اﻷخيرة؟

دمشق التي زارها سراً وفد من “قوات سوريا الديمقراطية” من دون أن ترشح تفاصيل عما جرى في لقائه الوحيد مع شخصية استخباراتية عالية المستوى، بدا موقفها ترقباً حذراً لتحولات الحليف الروسي ـ غير المفاجئة كثيراً، في ظل رغبة اﻷخير بإعادة موضعة موقفه كوسيط في اﻷزمة السورية، في الوقت الذي تنتظر دمشق تحولاً استراتيجياً لصالحها بعد وصول قواتها إلى خان شيخون لأول مرة منذ بدء النزاع السوري، خصوصاً في ظل موقف “قسد” الذي يحاول منع تدهور اﻷوضاع في منطقة تقع تحت سيطرته، بوجود الحليف اﻷمريكي.

الموقف الأمريكي وتشابك الملفّات

جاءت الموافقة اﻷمريكية على إقامة مركز العمليات المشتركة كنواة للمنطقة اﻷمنة المحتملة، على وقع عدة قضايا خلافية مع أنقرة، مساهِمةً في التخفيف مؤقتاً من الاحتقان بينهما، في أعقاب استلام أنقرة منظومة صواريخ S-400 الروسية (التي نشرت في قاعدة “مرتد” ـ قرب أنقرة ـ وهي تحت إشراف القوات اﻷمريكية)، وإعلان واشنطن عن “التوقف عن قبول مزيد من الطيارين اﻷتراك لتدريبهم على التحليق بطائرات F-35 بما فيهم طواقم الصيانة”، وتوقيف إنتاج أجزاء من الطائرة محلياً، إضافة إلى خلافات أخرى حادة.

من جهة ثانية، فإن واشنطن حتى اﻵن، تأخذ بشكل جدّي المخاوف الكردية من غزو تركي محتمل شرق الفرات، كما فعلت في “غصن الزيتون”، التي تسببت بخسائر كبيرة ﻷهالي المنطقة، وخروج عفرين عن سيطرتها، وإذ هدد الرئيس ترامب بـ “تدمير” اقتصاد تركيا في حال تعرّض الأكراد السوريون للهجوم” التركي، فإن الاتفاق الأمني الأخير يبدو مقدمة لمنطقة مشتركة اﻹدارة كحال مدينة منبج التي تسيّر فيها دوريات مشتركة، مع استبعاد إطلاق اليد التركية في المنطقة بشكل كامل.

تنتظر واشنطن أن تحصل من أنقرة على تنازلات، تتجاوز منطقة شمال شرق سوريا، إلى الملف الإيراني، ورسائل الموافقة على “تنسيق وإدارة المنطقة اﻵمنة” هي مقدمة أولى للموافقة التدريجية على إنشاء المنطقة اﻷمنة بعد تنفيذ شروط أخرى مضافة تتعلق بطهران كما بالأكراد السوريين، ظهر منها، حتى اﻵن، استجابة أنقرة للتوقف عن استيراد النفط ألإيراني (12% نفط، و15% غاز، ورفضت واشنطن تجديد إعفاء تركيا من تنفيذ عقوباتها على طهران)، وهي استجابة مهمة ستأخذها واشنطن بكثير من التقدير، لكونها ستساعدها في إحكام الطوق على طهران.

الموقف الروسي:

ليس جديداً التوافق الروسي ـ اﻷمريكي الداعم لإنشاء المنطقة اﻵمنة على اﻷرض السورية، الذي هو تنفيذ عملي لمذكرة 4 مايو/ أيار 2017 الموقعة بين موسكو وطهران وأنقرة، الداعمة للاقتراح الروسي بإنشاء هذه المناطق في الأراضي التي تسيطر عليها اﻹدارة الذاتية شرق الفرات، ومناطق شمال غرب سوريا (إدلب)، وهو ما رحبت به واشنطن رغم وجود “مخاوف” لديها بشأن تطبيقها العملي.

الموقف الروسي يمكن رؤيته على أنه رسالة ضغط مزدوجة للإدارة الذاتية ولدمشق في الوقت نفسه، مع اختلاف اﻷسباب، فالذهاب الكردي في العلاقة مع واشنطن حدود التنسيق التام وتجاهل النفوذ الروسي، جعل التنسيق بين موسكو وطهران مع أنقرة في حدوده العليا بمهمات عديدة، اتضحت نتائجها في التوقف التركي الملحوظ عن استخدام اللهجة العدائية الحادة تجاه دمشق، مع ارتفاع نسبة حضور الأصوات المؤيدة للحوار بين الأسد وأردوغان (خاصة بعد انتصار المعارضة في انتخابات إسطنبول)، إضافة إلى المهمة الروسية الجديدة ﻷنقرة في فصل التنظيمات المسلحة بين معتدل ومتطرف في منطقة إدلب، تمهيداً لتذويبها في كيان جديد، بحيث يكون هناك “جسم معارض” قوي في أية مفاوضات قادمة في الشأن السياسي السوري.

تتضح الغاية الكبرى لكلا الجانبين الروسي واﻷمريكي في إبعاد إيران عن سوريا، واستخدام جميع التوافقات الممكنة لجعل اﻷمر واقعياً في وقت قريب، تنفيذاً مزدوجاً للرغبة اﻹسرائيلية، رغم التنسيق الكبير لموسكو مع طهران في الشأن السوري، وهو ما تعيه اﻷخيرة جيداً، أقله في مستويات تشابك وجودها في سوريا مع الوجود الروسي، بالمقابل.

المفهوم التركي للمنطقة اﻵمنة:

تأتي الخطوة التركية بعد عام تقريباً من المناقشات التركية اﻷمريكية، واﻷمريكية الكردية، للاتفاق على إنشاء المنطقة الآمنة، التي طرحت فكرتها أنقرة لأول مرة أثناء زيارة أردوغان إلى واشنطن في مايو/ أيار 2013، ثم كررت طرحها بعد ذلك عدة مرات، ليس آخرها بعد إعلان الرئيس ترامب سحب قواته من سوريا، محذرةً، على لسان وزيري خارجيتها ودفاعها، أنها ستقيم المنطقة بشكل أحادي إذا لم تساعدها واشنطن (وهذا ممكن ولكنه محفوف بالمخاطر)، ومهددة أنها حشدت 16 ألف جندي تركي و10 آلاف من مقاتلي “درع الفرات” على مقربة من مناطق “قسد”.

وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، كان أكثر وضوحاً في مقابلة تلفزيونية في 12 أغسطس/ آب الماضي، حيث صرّح بأن بلاده “ستتقدم وفقاً لروح التحالف والشراكة مع حلفائنا الأمريكيين، بعد إقامة مركز العمليات المشتركة”، وإذا لم يحصل ذلك “سيكون لدينا أنشطة وعمليات سنقوم بها بأنفسنا”، موضحاً أنه “جرى التوصّل إلى اتفاق وتفاهم على نقاط محددة في قضايا إخراج القوات الكردية من المنطقة الآمنة، وسحب الأسلحة الثقيلة منهم، ومراقبة المجال الجوي، والتنسيق والتبادل الاستخباري”. ولفت أن “المباحثات تناولت عودة السوريين المقيمين في تركيا إلى المناطق التي سيجري تطهيرها من الإرهاب”، وهذه هي بالتحديد العناصر التركية المطلوب تنفيذها في المنطقة اﻵمنة.

إذا أقيمت المنطقة وفق تصورات أنقرة، أي بعمق 32 كم وطول 460 كم من إجمالي طول الحدود السورية ـ التركية الكلي (822 كم)، حيث ستضم شمال كل من (حلب والرقة والحسكة)، وبإضافة السيطرة التركية على إدلب (6100 كم2)، التي تتواجد فيها نقاط مراقبة تابعة لها، يتضح الشكل التقريبي للمنطقة اﻵمنة بسيطرة تركيا على 32404 كم2 من اﻷراضي السورية (ما نسبته 17.5%).

حجة تركيا الدائمة في التدخل في الشأن السوري “حماية أمنها القومي والاستراتيجي” من التهديدات التي تمثلها “القوى الكردية على طول حدودها، وحماية السوريين من تهديدات النظام السوري” (وهي من فتح أبواب حدودها لتدفق الجهاديين إلى سوريا طيلة سنوات) والمساهمة في إعادة جزء من اللاجئين لديها، وهو ما قامت به في أعقاب عملية “غصن الزيتون”، حيث قامت بتوطين 311 ألف من “أشقائنا السوريين” (بتعبير أردوغان) في مناطق عفرين وجرابلس وإدلب، من دون نسيان عمليات التتريك الواسعة في المنطقة منذ سنوات، فبطاقات التعريف الشخصية (الهوية) الصادرة عن إدارات المجالس المحلية (المعينة من قبل تركيا) لا تحمل اسم “سوريا”، وتطبع باللغتين العربية والتركية فقط.

ومع انطلاق موجات ترحيل اللاجئين السوريين داخل تركيا إلى مدنهم التي منحوا تصاريح إقامة فيها، والتضييق الكبير عليهم، وسحب “الكملك” (بطاقة الحماية المؤقتة للاجئين في تركيا) بكثافة منهم دفعاً لهم للرحيل الطوعي إلى مناطق الشمال السوري، فإن تنفيذ المنطقة اﻵمنة من شأنه استخدام أراضيها (الواسعة) في إعادة توطين 3.5 مليون لاجئ سوري، مع ملاحظة أن السوريين المرحّلين من تركيا حتى اﻵن تم توجيههم إلى مناطق إدلب لا الشمال، مع تدفق كميات كبيرة من السلاح شمالاً لصالح قوات “درع الفرات”.

ستحقق تركيا عبر المنطقة اﻵمنة عدداً من النقاط الغالية الثمن في الملف السوري، اﻷولى، دفع “قسد” خارج منطقة الحدود، ونزع سلاحها الثقيل (وهو أحد شروط أنقرة الرئيسية في عدم تنفيذ عملية عسكرية شرق الفرات)، وإقامة إدارة بديلة للإدارة الذاتية في تلك المناطق (كما فعلت في عفرين وغيرها)، أو في أحسن اﻷحوال، وهو ضعيف الاحتمال، تطعيم تلك اﻹدارات المحلية بعناصر تابعة لها تسهم في نزع طابع اﻹدارة الذاتية عنها، في خطوة سيلحقها تفكيك هذه المجالس، وهو ما سيعني تلقائياً حدوث تغيير ديمغرافي في المنطقة، وتتطابق هذه الأفكار مع الطرح التركي أن إقامة المنطقة اﻵمنة هي بغرض “دحر ميليشيا قسد ولا يمكن لتركيا أن تشعر ب مالم يتم القضاء على منظمات PYDو PKK التي تنمو كالخلايا السرطانية على حدودنا الجنوبية عبر اﻷسلحة الخفيفة والثقيلة المقدمة إليها من قبل حلفائنا” وفق تصريحات الرئيس أردوغان.

ووفق نفس التصورات التركية، تبعاً لوكالة اﻷناضول، فإن أبرز المناطق المشمولة في المنطقة الآمنة، هي الواقعة شمال الخط الواصل بين قريتي صرّين (حلب)، وعين عيسى (الرقة)، كما تضم مدينة القامشلي، وبلدات رأس العين، وتل تمر، والدرباسية، وعامودا، ووردية، وتل حميس، والقحطانية، واليعربية، والمالكية/ديريك (الحسكة)، وعين العرب/كوباني (حلب)، وتل أبيض (الرقة)، وهي غالبية المناطق التي تديرها اﻹدارة الذاتية، وبذلك، فإن احتمال بقاء تجربة اﻹدارة الذاتية في إدارة شؤون تلك المناطق هو موضع شك كبير، نظراً للموقف التركي الحاد من مسألة التواجد الكردي على مقربة من حدودها، وإصرار أنقرة على التعامل معه على أنه خطر وجودي، لا يختلف في ذلك موقف العدالة والتنمية منه عن مواقف اﻷحزاب القومية اﻷخرى.

أما العامل الثاني، فهو أن المنطقة اﻷمنة سوف تمنح أنقرة نفوذاً مضافاً ﻻ شك ستستخدمه للضغط على دمشق في أية تسوية مستقبلية، لتحقيق بعض من مطالب الجماعات المرتبطة بها،

من جانب ثالث، فإن عمق المنطقة وفق التصور التركي أي 32 كم، وشروطها إبعاد السلاح الثقيل من مدفعية وصواريخ عن تلك المنطقة بعمق 20 كم، يسمح للمدفعية التركية بتنفيذ قصف ناري من دون الحاجة لسلاح الطيران، وهو ما يتفق مع الطرح التركي بعدم “السماح للطيران بالتحليق فوق تلك المنطقة لغايات إنسانية”، وفي حال تمت الموافقة على المقترح التركي، فإن القوات الأخرى المتواجدة في المنطقة ستكون هدفاً سهلاً للقوات التركية، أو لقوات “درع الفرات” الموالية لها.

الموقف الكردي من المنطقة الآمنة:

خلافاً لموقفها السابق غداة عملية “غصن الزيتون” الذي دعت فيه إلى مقاومة الغزو التركي وحمّلت فيه الحكومة السورية مسؤوليتها عن تلك الانتهاكات، فإن موقف “قسد” الجديد، رغم تبايناته من مسألة المنطقة اﻷمنة، يبدو أقل حدة وأكثر قبولاً، وتبعاً لمواقف مسؤولين في “قسد” فإنها تصر على ألا يتجاوز عمق المنطقة اﻵمنة عشرة كيلومترات كحد أقصى (وهو ما تدعمه واشنطن)، وألا تشمل عين العرب / كوباني، وتل أبيض، وعين عيسى والقامشلي، في صورة مشابهة للوضع الحالي في منبج، كما ترفض “قسد” حتى اﻵن أن تكون جميع اﻷسلحة الثقيلة على بعد 20 كم من حدود المنطقة، بما يعني موافقة مبدئية على الفكرة،، وهو ما أزعج دمشق التي تصر على استعادة سيطرتها على بقية مناطق البلاد، بما يعني استعدادها لتقويض الفكرة عبر التشجيع على شن هجمات داخل المنطقة من قبل حلفائها الكرد أو العرب هناك، وهم مجموعات تنتظر الفرصة المناسبة.

الجانب الواضح في عملية التغيير الديمغرافي بأنها ستطال المكون الكردي ، من خلال إعادة توطين مئات آلاف السوريين اللاجئين في تركيا في أرض سورية، ليست موئلاً أصلياً لهم، ورغم أنه من المفترض ألا تضم المنطقة القامشلي (وهو ما لم تستبعده وكالة اﻷناضول في تقاريرها) الخاضعة جزئياً لسيطرة الجيش السوري، وتضم غالبية كردية وقوميات سريانية وعربية، ولا عين العرب / كوباني التي تضم كذلك غالبية كردية، ومن المرجح بقائهما تحت سيطرة “قسد”، إلا أن تقدير الموقف في حال الغزو أو في حال إنشاء المنطقة اﻵمنة بإدارة تركية كاملة، بالقياس إلى واقع المنطقة أثناء عملية “غصن الزيتون”، يشير إلى تفضيل سكان المنطقة الحاليين الوضع الراهن، وفي الخيار الثاني تفضيل دخول الجيش السوري، في حال تفكيك تجربة اﻹدارة الذاتية، وفي ثالثها، لن تشهد تلك المناطق مقاومة “عربية” في حال الغزو التركي لوجود خلافات عربية ـ كردية تحت السطح التوافقي الظاهر، مردّها إلى تراكمات ارتبطت أساساً بطريقة إدارة تلك المناطق ومواردها.

فوائد المناطق اﻵمنة؟

من المرجح بشكل طفيف، أن توفر المنطقة اﻵمنة القليل من اﻷمن والاستقرار لمئات آلاف المدنيين في الشمال السوري، إذا لم تبدأ تركيا بترحيل السوريين إليها، لخلق واقع ديموغرافي جديد يتناسب مع خططها المستقبلية الممكنة في فدرلة سوريا، أو في ضم المنطقة إليها فيما تعتبره تصحيحاً تاريخياً لحدودها مع سوريا.

نشأت المناطق اﻵمنة حول العالم، كمحاولة يائسة لحماية المدنيين من أخطار الصراعات وفتح ممرات لوصول المساعدات الإنسانية، واﻷهم، المساعدة في تحريك النزاع نحو حل سياسي، ولكن هذه المحاولات غالباً ما انتهت بتحولها إلى مناطق حرب، ومن البوسنة، وجنوب السودان ورواندا، إلى العراق، وسوريا، لم تكن النتائج مختلفة كثيراً، ولعل تجربة البوسنة والهرسك عام 1993 التي أقامت فيها اﻷمم المتحدة ست مناطق آمنة إبان انهيار يوغسلافيا الكارثي، هي اﻷقرب للحالة السورية، التي مثلتها تجربة المناطق اﻵمنة في غوطة دمشق قبل عدة سنوات، وانتهت بالفشل الذريع.

اتساع المنطقة اﻵمنة المزمع إنشاؤها في الشمال السوري لا يمنع وصول المنطقة إلى ما وصلت إليه سربرنيتسا في يوليو/ تموز 1995، حين فشل 400 من الجنود الهولنديين المدججين بالسلاح بموجب تفويض الأمم المتحدة في وقف مقتل 8000 رجل وصبي بوسني، ثم اغتصاب النساء والفتيات، تشبه هذه الحالة حالة مدينة عفرين التي شهدت ترحيلاً جماعياً لسكانها بنفس الحجة وبعدد ضحايا أقل ونسبة تهجير أعلى.

من السهولة بمكان، لكل أطراف النزاع السوري أن تتحول مخيمات اللاجئين ـ القديمة والجديدة منها ـ إلى أهداف حربية ﻷي سبب، وتركيز وجود الناس في مناطق مثل هذه من شأنه تحويلهم إلى أهداف، وهو ما حدث في سنوات الحرب السورية التي لم توفر المدنيين من جرائمها ولكل اﻷطراف المشاركة في النزاع.

قانونية وشكل المناطق الآمنة:

ليست المناطق الآمنة في الواقع مصطلحاً رسمياً موجوداً في مواد القانون الدولي، لكن يسمح القانون اﻹنساني الدولي بعدد من المناطق، مثل المناطق المحايدة لغير المقاتلين والمقاتلين الجرحى، ومناطق نزع السلاح داخل مناطق النزاع ومناطق الحماية الذاتية أو المحايدة، ويتم إنشاؤها بالاتفاق أو الاعتراف بها من قبل أطراف النزاع، بعض من هذه المنطقة تم إنشاؤه بموجب قرارات مجلس اﻷمن، وهذه المناطق محمية بموجب القانون الإنساني الدولي فقط.

في الحالة السورية، فإن اتفاق اﻷطراف المعنية مستبعد في ظل اختلاف أجنداتها، ما يرفع احتمال تواجد مقاتلين (من مختلف اﻷطراف) وسط المدنيين، وبالتالي احتمال حدوث اشتباكات، مثلما حدث أثناء عملية “غصن الزيتون”، وكما يحدث حالياً في إدلب، من سقوط ضحايا مدنيين في غالبية الهجمات على المنطقة.

يفترض في مناطق خفض التصعيد والمناطق اﻵمنة إنشاء منطقة معزولة السلاح بين الطرفين (عمق 20 كم هو مدى المدفعية الثقيلة) ووجود نقاط تفتيش وحراسة تشاركية، أو على اﻷقل بعيدة قليلاً عن بعضها بعضاً، وتطبيق ذلك على شمال سوريا في ظل اتساعها الكبير وسهولة اختراقها من أطراف مختلفة، صعب جداً، كما أن تكاليف إدارة المنطقة، كما أشار بوتين في لقاء مع أردوغان عام 2017 ستكون “جماعية” وعلى اﻷرجح، في حال التنفيذ، أن الاتحاد اﻷوروبي سيكون الممول في ظل وعده تقديم 3.3 مليار يورو لتركيا، وصل منها 1.7 مليار تفادياً لمزيد من تدفق اللاجئين إليه.

إن المخاطر اﻷساسية لمشروع المنطقة اﻵمنة تكمن في صراع سوف ينشأ نتيجة إسكان أفراد جدد في المنطقة، مما قد يثير مشكلات، من السهولة بمكان تحوّلها إلى اشتباكات.

خلاصة

في سنوات الحرب لم تلتزم أطراف النزاع السوري بقواعد الاشتباك المسلح، واستخدمت مختلف أنواع اﻷسلحة، بما فيها المحرمة دولياً في مختلف المناطق ضد المدنيين، وبحضور شهود دوليين، من دون أن يخفف ذلك من معاناتهم، بالتالي، إن نجاعة فكرة المنطقة اﻵمنة موضع شك كبير، وإذا كانت هناك فرصة نجاح في إنشائها وإدارتها، فإن الحاجة ماسة لتفويض أممي قوي واضح لا لبس فيه، أوله، وأهمه فريق مراقبة جوية متوازن من كل أطراف النزاع، يمنع تحوّل المنطقة إلى معسكر اعتقال تركي كبير، وزيادة معاناة الناس أكثر مما هي عليه، إن خلاصة فكرة المنطقة اﻵمنة التي يتفق عليها العالم دافعها الحقيقي ليس حماية الناس، ولكن منعهم من التدفق إلى أوروبا.

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية