الرئيسية / مقالات / الأيديولوجيا المهزومة في سوريا

الأيديولوجيا المهزومة في سوريا

حسام ميروالأيديولوجيا المهزومة في سوريا

حسام ميرو

لم تخضع مسألة الأيديولوجيا خلال السنوات التي تلت الانتفاضة الشعبية في سوريا إلى أي مساءلة حقيقية، فقد انشغل الجميع في مسألة السلطة، فمع انعدام أي إمكانية سلمية لتغيير النظام، وتحوّل الحراك الشعبي إلى صراع مسلح، فرضته بنية النظام بالدرجة الأولى، وأصبح الهاجس الرئيس لدى أطراف الصراع هو تقويض الإمكانات العسكرية للآخر، في حربٍ أخذت تتموضع إحدى سماتها في الصراع على الجغرافيا.

كان المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ الأكثر انشغالاً من بين أبناء جيله بتفكيك الأيديولوجيا المهزومة، في سياق تفكيكه لهزيمة العرب في عام 1967، وقد اعتمد على مقولة “الفوات التاريخي” بشكل أساسي من أجل توصيف الأرضية التاريخية التي تأسست عليها الأيديولوجيا المهزومة، وفي اعتماده “الفوات التاريخي” ثمة محاولة للخروج عن التحليل الاقتصادوي/ الماركسي، الذي وجده الحافظ عاجزاً عن تحليل أسباب الهزيمة.

في مقالتنا هذه لا نحاول استعادة مقولة “الفوات التاريخي” في السياق الذي طرحه الحافظ، لكننا أيضاً لا نهملها، كما أن مسعانا هنا هو الوصول إلى تحديد الأيديولوجيات المهزومة في الحرب السورية، وصولاً لتحديد ملامح أولية للأيديولوجيا التي يمكن أن تحظى بفرصة تاريخية في إعادة بناء سوريا، وكتابة تاريخ جديد لها.

الإشكالية الأساسية التي تواجهنا، وتواجه أي باحث في شأن أيديولوجي، هي تعريف الأيديولوجيا بوصفها “وعياً زائفاً بالواقع”، وفي محاولة لوضع حدّ رئيس أمام هذه العقبة، فإننا سنعتمد على تعريفٍ تبسيطي، لكنه أولي ومبدأي فيما يتعلق بالأيديولوجيا، بوصفها “جملة التصورات والرؤى والأفكار”، في عودة للتعريف الأكثر شيوعاً في عصر الأنوار.

حاجتنا هنا لمقاربة الأيديولوجيا مزدوجة، فمن جهة لا نستطيع، من وجهة نظرنا، مقاربة السياسة كممارسة بعيداً عن الأيديولوجيا التي تستند إليها، كما أنه من غير الممكن التعويل على ولادة سياسية جديدة من دون التعويل على مقاربة أيديولوجية مختلفة للممارسة السياسية، وبناءً عليه، نحن محكومون، بدرجة كبيرة، بمسألة الأيديولوجيا، وبتوصيفٍ أدّق مساءلة الأيديولوجيا.

في السياق السوري لدينا ثلاث أشكال من الأيديولوجيا:

الأيديولوجيا القومية، وتيارها الرئيس هو التيار القومي/ العروبي، من بعث وناصريين، ولدينا في السياق ذاته أيديولوجيا قومية للإثنيات الأخرى، وخصوصاً الأكراد.

الأيديولوجيا الإسلامية: وعمادها التاريخي الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى التيار السلفي.

الأيديولوجيا الأممية: تمثّلت تاريخياً بالأحزاب الشيوعية المختلفة، وغاب دورها كلياً خلال السنوات الماضية.

إن طريقة تفاعل هذه التيارات الثلاثة مع الحرب، وخصوصاً في انزياحها وتقاطعها مع الهويّات الفرعية، فرض عليها تحّولات كبرى، فقد حدثت انتكاسة داخل كل هذه التيارات، وكشفت عن وصول البنى الأيديولوجية لهذه التيارات إلى مأزق تاريخي، يشير إلى استنفادها للأسباب الموجبة لوجودها.

بالطبع لا يمكن هنا مقاربة أزمة التيار القومي العربي بأزمة التيار القومي الكردي، لكن لا يمكن الفصل فيما بينهما بشكل تعسفي وآلي، فالأسباب الموجبة لصعود القومية في الشرق الأوسط قد تغيّرت كلياً، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الأيديولوجيا وحدها لبناء عصبية قومية.

لقد ارتبط صعود التيار القومي العربي بعدد من المعطيات، أهمها الحرب الباردة، وخروج الانتدابات من العالم العربي، وبداية تلمّس الهوية، والتنظير لها، والعمل على مشاريع سياسية انطلاقاً من الهوية ذاتها، في إطار الهوية/ الأيديولوجيا.

ما يتعلق هنا بالتيار القومي، من محددات تاريخية، ينطبق بدرجة كبيرة على التيار الإسلامي، على الرغم من اختلاف المسارات، والمواقع، والتحالفات، وهي الاختلافات التي قادته إلى مأزق كبير، تمثّل في صعود التيار السلفي الجهادي كبديل عن الإسلام السياسي.

إن الانكسار التاريخي للتيار القومي العربي، وفقدانه لشرعية الموجبات التاريخية، وعدم إحداثه تحوّلات في الفكر والأيديولوجيا والممارسة، كلّ ذلك قاده إلى نوع من الفاشية، في مواجهة الآخرين، وانكشاف مشروعه القومي على محدودية الأهداف، والتي تقلّصت إلى حدود امتلاك السلطة، مهما كلّف الأمر.

أما التيار القومي الكردي، والذي سمحت له معطيات السنوات الماضية بالصعود، وفي مقدمتها تراجع سلطة المركز في دمشق، فهو الآخر يعاني من أزمات كبرى، في مقدمتها عدم وجود معطيات دولية، تسمح بنهوض المشروع القومي في سوريا، بل أن أقصى ما يمكن أن تذهب إليه تلك المعطيات هو استثماره كمرحلة مؤقتة، في سياق الصراع بين الأطراف الخارجية، وليس في سياق صيرورة دولية، لإقرار الحقوق القومية.

الإسلام السياسي، ممثلاُ بجماعة “الإخوان المسلمين”، عوّل على المعطى الخارجي، في صراعه للوصول إلى السلطة، كما عوّلت السلطة في دمشق على الخارج للبقاء في السلطة، فقد حدّدت مسألة السلطة بوصلته، وليس التغيير السياسي، كما دخل في لعبة تمثيل الأكثرية السنية في سوريا، وكأنها كتلة متراصة، صمّاء، لا تمايزات فيما بينها.

أما التيار الأممي، وهو الأضعف فعلياًـ فقد عانت كلّ أقسامه من عملية الولاء والانطواء تحت راية التيار القومي، بفرعيه العربي والكردي، أو الإسلام السياسي، كما في حالة “حزب الشعب” (المكتب السياسي-الحزب الشيوعي) سابقاً.

لقد شكّلت السلطة هدفاً في الصراع القائم، ولئن كان من المتعذّر تغيير بنية النظام السياسي من دون تغيير السلطة السياسية، إلا أن ما تمّ التركيز عليه هو السلطة وليس بنية السلطة، وقد غذّت الحرب كل ممكنات العودة إلى البنى ما دون الوطنية (الطائفية، المناطقية، العشارية)، لاكتساب شرعية، وهو ما عكسته الممارسات الفعلية لكل التيارات السياسية الثلاثة السابقة.

في سوريا، هناك خياران لا ثالث لهما، الأول يتمثل في تثبيت البنى الأيديولوجية ما دون الوطنية، عبر حلّ سياسي على شاكلة “اتفاق الطائف” اللبناني، حتى لو لم يأخذ الصيغة الدينية والمذهبية المباشرة، وإما فشل هذه الصيغة، والذهاب نحو تيارات سياسية ليبرالية.

الخيار الأول تغذيه القوى الإقليمية والدولية، والتي أصبحت اللاعب الرئيس في المسرح السوري، لأنه يُبقي كل البنى السياسية السورية في حالة احتياج دائم لقوى الخارج، ويمنع نشوء قوى وطنية فاعلة، عابرة للطوائف، وتشير معظم المعطيات الراهنة إلى أن التوافقات الإقليمية والدولية تمضي في هذا الاتجاه.

إن حظوظ التيار الليبرالي في سوريا تبدو قوية من جهة، وضعيفة من جهة أخرى، ففي ظل انكشاف تبعية مختلف التيارات الأيديولوجية الثلاث للخارج، وعودتها إلى حواضن الهويات الفرعية، ثمة وعي جديد بضرورة تجاوز تلك الأيديولوجيات، وهو ما يمنح الفرصة لنشوء قوى سياسية ليبرالية عابرة للطوائف، لكن في الوقت ذاته، فإن معطيات الحرب، من شتات، وهيمنة الخارج، وتغوّل المال السياسي، كلها عوامل كبح أمام بلورة تيار ليبرالي قوي وفاعل.

لقد انهزمت الأيديولوجيات العابرة للوطنية في سنوات الحرب، وأخلت مكانها لتيارات شعبوية (ما دون وطنية)، في الوقت الذي يبقى فيه الليبراليون، وخصوصاً الليبراليون/ الديمقراطيون مجرد أفراد، أو قوى سياسية صغيرة، عاجزة عن إحداث أي فرق يذكر، ومع ذلك فإن المهمة الوطنية الرئيسة التي تفرض نفسها كممكن وواجب هو العمل على تنمية تيار ليبرالي/ ديمقراطي، وإلا فإن مصير سوريا، حتى لو توفّر حلّ سياسي، فإنه لن يكون بعيداً عن المحاصصة الطائفية المقنّعة.

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية