الرئيسية / مقالات / المنطقة الآمنة وصراع الأجندات

المنطقة الآمنة وصراع الأجندات

صلاح الدين بلالالمنطقة الآمنة وصراع الأجندات

صلاح الدين بلال

لا يخرج السعي التركي إلى إقامة ما يسمى «منطقة آمنة» في شمال شرق سوريا عن الإطار العام للصراع على تحديد مكاسب القوى المنخرطة في الصراع السوري، فروسيا قد حقّقت جزءاً كبيراً من أجندتها، خصوصاً مع رسم حدود الصراع العسكري بعيداً عن العاصمة دمشق وجنوبها، وتأمين وجود استراتيجي كبير في البحر المتوسط، لكن نهاية اللعبة السورية لا زالت بحاجة إلى بضع نقلات أخرى على رقعة الشطرنج.

وعلى الرغم من الاتفاق الأمريكي التركي على إقامة المنطقة الآمنة، إلا أن التعامل الأمريكي مع هذا الاتفاق يأتي على شكل «الغموض البنّاء»، والذي يترك للولايات المتحدة هامشاً كبيراً في تحديد ملامحه، أي تحديد مدى المكاسب التركية منه، خصوصاً أن الموقف الأمريكي من تركيا يتجاوز الملف السوري إلى أبعاد إقليمية ودولية.

من الناحية الميدانية فإن استمرار الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا يجعلها قادرة على تحديد ملامح الترتيبات النهائية في تلك المنطقة، وفي تحديد ملامح الشكل السياسي للحل السوري، ولا تبدو في حقيقة الأمر مستعجلة لرسم خارطة الطريق النهائية، فقد أخذت وقتها سابقاً في ترتيب ملف صغير مثل ملف منبج، وهي الآن تترك مساحات فارغة في الاتفاق مع تركيا حول المنطقة الآمنة، وهو ما يزعج أنقرة، التي تلحّ على تحديد تفاصيل تلك المنطقة، بينما تتمسك الولايات المتحدة بفكرة العمل جنباً إلى جنب، وتنظيم تلك المنطقة عبر ترتيبات عسكرية مشتركة، مع الابتعاد عن أي طرح يتعلّق بالترتيبات المدنية اللاحقة، وشكلها الإداري، خصوصاً المجالس المحلية، كما حدث في عفرين.

ومع استلام أنقرة لصواريخ S400 من روسيا، تكون أنقرة قد استخدمت واحدة من أهم أوراقها، للضغط على واشنطن، التي سارعت إلى حرمان أنقرة من كل الامتيازات السابقة بما يخص برنامج إنتاج الطائرة F-35 ، مع معرفتها الكاملة بالعقبات الفنية الكبيرة أمام تشغيل أنقرة لمنظومة الصواريخ الروسية، والتي تتنافى مع البنية التحتية للتشغيل الصاروخي لحلف الأطلسي.

إن فكرة المنطقة الآمنة في سوريا هي فكرة مرفوضة أوروبياً وعربياً، لكونها ترسخ مبدأ التقسيم، واقتطاع أراضٍ سورية، إرضاءً لمجموعات من المعارضة تتبع تركيا أيديولوجياً، وتحويل المنطقة الى «كريدور» على طول الحدود السورية التركية، لتشمل مناطق درع الفرات (الباب والراعي) وغصن الزيتون (عفرين) ومناطق حكومة الإنقاذ (إدلب)، لترسيخ وتمدد سيطرة الفصائل الإسلامية والمتطرفة، والمجموعات المسلحة التابعة لتركيا، ويأتي الرفض الأوروبي والعربي لتلك المنطقة من باب أنه لن يتم إطلاق أية عملية إعادة إعمار في سوريا ما لم يشهد هذا البلد انتقالاً سياسياً شاملاً، بمعنى أنه لن تتم الموافقة على برامج جزئية لأماكن معينة من سوريا، تخدم فقط أجندات إقليمية معينة.

وعلى الرغم من تقلّص وتراجع الدورين العربي والأوروبي في الحدث السوري، إلا أن اللاعب الروسي، وهو الأهم، يضع الموقفين العربي والأوربي في حساباته، إذ لا يمكن طرح مرحلة جديدة في سوريا من دون برامج كبرى عربية وأوروبية لإعادة الإعمار.

يجد الروس في أي تقارب أمريكي مع تركيا خطوة ضد مصالحهم الاستراتيجية في سوريا والشرق الأوسط، ومن هذا المنطق فإنهم، من جهة، يعوّلون على حجم الخلافات الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن، ومن جهة أخرى على إعادة خلط الأوراق في شرق الفرات، خصوصاً مع سعي الحكومة السورية إلى إعادة مدّ الجسور مع مكونات عربية في الرقة ودير الزور.

وتدرك مختلف الأطراف أن واشنطن لديها الكثير من الأوراق التي يمكن اللجوء إليها، من أجل منع حدوث أي تفاهم نهائي بين موسكو وأنقرة، فمن جهة ثمة اقتراحات عسكرية لتوسيع القاعدة الأمريكية العسكرية في التنف، واقتراح سياسي يقوم على إشراك «قسد» في المفاوضات السياسية، إلى جانب النادي الرسمي للمعارضة السورية، والذي يمثّل المصالح التركية بشكل كبير.

اما فيما يتعلق بـ «قوات سوريا الديمقراطية»، وخصوصاً الأكراد، فإنهم يأخذون بالحسبان سيناريو عفرين، ويسعون إلى عدم تكراره، لذلك فإن فكرة المفاوضات مع أنقرة لا تبدو مرفوضة، لكنها تقوم على مبدأ الحذر بالدرجة الأولى، ومن الواضح بأن القيادات الكردية، بعد تصريحات سابقة للرئيس ترامب بالانسحاب من سوريا، فقدت الكثير من ثقتها بالحليف الأمريكي.

أما النظام السوري، وإيران، فيطمحان إلى استعادة كليّة لمناطق الشمال، معوّلين بدرجة كبيرة على نقص عدد القوات البرية الروسية في سوريا، وعلى حدوث تناقضات بين اللاعبين الآخرين، بما يسمح لهم بالتمدّد شرق الفرات، وهو ما قد يعني حدوث ترتيبات بين النظام السوري وأنقرة، يكون الهدف منها تقليص التأثير الأمريكي والروسي معاً.

ملفّا إدلب وشرق الفرات يسيران جنباً إلى جنب، ومن الواضح، قياساً لحجم التناقضات بين اللاعبين، بأن أي حديث عن شكل نهائي لهذين الملفين هو سابق لأوانه، فالعوائق لا ترتبط فقط بمصالح الدول الكبرة وصراعاتها، بل أيضاً لكون هذين الملفين يتضمنان عوائق محلية كبيرة، نظراً للكتلة السكانية الكبيرة في شرق الفرات، وفي إدلب، بالإضافة إلى تصاعد الصراع الإثني، والقوى المتطرفة والإسلامية في إدلب، ومصيرها، فيما لو توصلت الأطراف إلى شكل وآلية ترسم حدود المصالح.

المصدر: العدد الحادي عشر من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية