الرئيسية / مقالات / العلاقة الأمريكية – الإيرانية … تصعيد أم تفاوض

العلاقة الأمريكية – الإيرانية … تصعيد أم تفاوض

مقالاتالعلاقة الأمريكية – الإيرانية … تصعيد أم تفاوض
قراءة سياسية في التطورات الإقليمية الأخيرة

الاتحاد برس:

التطورات الأخيرة في الخليج العربي

إن هجوم السبت الماضي على موقع بقيق، وهو أحد أهم منشآت معالجة النفط في المملكة العربية السعودية، يهدد بتصعيد التوترات بشكل كبير في الخليج العربي، واذا كان صحيحاً ضلوع ايران في هذا الهجوم، فهذا يعني أن طهران تواصل ردها على حملة “الضغوط القصوى” للإدارة الأمريكية بنسختها الخاصة من الضغوط الاقتصادية، فقد أعلن الإيرانيون منذ فترة طويلة أنهم إذا لم يتمكنوا من تصدير نفطهم، فلن يتمكن الآخرون من ذلك، وما التطورات الأخيرة إلا ترجمة للتصريحات الإيرانية تلك، ففي شهر مايو، وبعد أسابيع فقط من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكثيف العقوبات على ايران بهدف خفض صادرات طهران من النفط إلى الصفر، بدأ الإيرانيون هجومهم على إمدادات النفط خارج المنطقة، حيث هاجموا ناقلات النفط مرتين واستخدموا الوكلاء في اليمن والعراق لمهاجمة منشآت نفطية سعودية، حيث يعد استخدام الوكلاء ونفي المسؤولية عن مثل هذه الهجمات طريقة ايرانية للحد من مخاطر هذه التحركات.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يرى بأنه من الممكن إدارة مخاطر ما تقوم به قوة القدس التابعة للحرس الثوري من خلال ايلاء تنفيذ المهام للوكلاء، ولكن وبالرغم من كل ذلك فقد نكون على حافة أول أزمة على صعيد السياسة الخارجية في عهد إدارة ترامب، حيث يواجه الرئيس الأمريكي معضلة حقيقية: فهو لا يرغب في ارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى أنه لا يرغب في الانخراط في حرب مع إيران، وبالتالي هنالك عدة خطوات يجب عليه اتباعها:

أولاً : من الجيد أن ترامب مستعد لفتح الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ولكن يجب أن يكون الإصدار كبيراً، على الأقل 100 مليون برميل – ليس فقط لخفض أسعار النفط – ولكن لإخبار الإيرانيين بأن الولايات المتحدة تستطيع منعهم على الفور من الضغط على المجتمع الدولي بشأن إمدادات النفط.

ثانياً : يجب على وزير الخارجية الأمريكي العمل فوراً لحمل الأوروبيين على إعلان أنه ليس لديهم خيار سوى إعادة فرض العقوبات على إيران في حالة وقوع المزيد من هذه الهجمات، فحتى الآن، منع الخوف الأوروبيين من التصعيد مع ايران تحميلها مسؤولية الهجمات السابقة على الناقلات، ومع ذلك، يقف بومبيو هذه المرة في وضع يمكّنه من القول بمصداقية إن عدم تصرف أوروبا بمسؤولية سيجعل الصراع لا مفر منه.

ثالثاً: يجب على ترامب الاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والطلب منه نقل رسالة إلى خامنئي مفادها: إذا لم تتوقف الهجمات، فسنتخذ خطوات عسكرية لإيقافها، فبوتين يريد أن يُنظر إليه على أنه الحكّم على الأحداث في المنطقة – وهذه فرصته – كما لا يريد أن تبدو القوة الأمريكية حاسمة مرة أخرى، إضافة إلى ذلك أن المرشد الأعلى لن يتجاهل الرسالة التي سينقلها بوتين.

رابعاً: قد تشعر المملكة العربية السعودية بأنها بحاجة للتحرك لحماية أراضيها وإظهار أن إيران لا تستطيع أن تصمم مثل هذه الهجمات دون عقاب، فبالتالي يجب على الإدارة الأمريكية الآن أن تقدم آليات إضافية لتكون قادرة على ردع هذه الهجمات ومكافحتها، وبالإضافة إلى ذلك، إذا كانت لا تريد واشنطن أن يرد السعوديون عسكرياً، فيتعين عليها إثبات أنها قادرة على التأثير في سلوك إيران.

سياسة أمريكية ناجعة لحماية المنطقة وعزل المتشددين الإيرانيين
لا شك أن مكالمة ترامب مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم السبت الماضي كانت مصممة لتوفير الطمأنينة، ولكن ما يزال على ترامب إثبات أنه يمكنه إيقاف الهجمات الإيرانية أو على الأقل توفير حماية أفضل من هجمات الطائرات المُسيرة، فمن الضروري جداً أن يخشى الإيرانيون عواقب أفعالهم الآن وأن يدركوا أنهم لا يستطيعون إنكار مسؤوليتهم عنها، مع الإشارة إلى أن المشكلة تكمن في أن سياسة الضغوط القصوى تضع ايران في مأزق اقتصادي وليس في مأزق سياسي أو عسكري، الأمر الذي يدفع المرشد إلى الاعتقاد أن ليس لديه ما يخسره وهو الأمر الذي يجعله أكثر عدوانية.

إن تحقيق التوازن بين التهديدات وتزويد الإيرانيين بمخرج هو التحدي الذي يواجه الإدارة الأمريكية حالياً، حيث من الممكن أن تقترح واشنطن قيام الفرنسيين باستضافة اجتماع للأطراف الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني بهدف منناقشة برنامج طهران النووي والمخاطر الإقليمية الراهنة، فصحيح أنه من الممكن أن تعود واشنطن تحت ضغوط معينة إلى الاتفاق النووي أو تضطر لاسقاط العقوبات، لكن على الإيرانيين ووكلائهم أن يعلموا أنه قد يكون هنالك تصعيداً خطيراً في حال فشلت جهود التهدئة، ففي هذه اللحظات الخطيرة يملك ترامب عدد قليل من الخيارات والحلفاء اضافة إلى فريق أمن قومي منضب ومندفع وغير مخضرم فيما يخص إدارة الأزمات الاقليمية والعالمية.

تشير التكهنات أن الهدف الرئيس من وراء التصعيد الأخير هو رغبة المتشددين في ايران بنسف أي احتمال لعقد اجتماع بين ترامب وروحاني، وبالتالي أياً كان الدافع، فإن الهجوم على مصدر رئيسي للطاقة العالمية كان أخطر تطور منذ أن انسحب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015، حيث أن هذا الهجوم كان تحدٍ موجهاً لترامب الذي كان مفتوناً بإمكانية مقابلة روحاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة – ففي هذا النوع من اللقاءات المباشرة يستمتع ترامب تماماً كما حدث مع خصم مماثل مثل كيم جونغ أون من كوريا الشمالية إضافةً إلى أن ذلك يولد اهتماماً كبيراً من قبل وسائل الإعلام الدولية وهو الشيء الذي يستهوي ترامب أيضاً – .

المشكلة أن الرئيس الأمريكي يترك لنفسه عدداً قليلاً من المصادر الأخرى التي يمكنها تزويده بالمشورة الموثوق بها، فهو يرفض بانتظام تقارير وتوصيات وكالات الاستخبارات؛ كما أنه أقال مستشاره الثالث للأمن القومي، جون بولتون الذي يتميز باستراتيجياته الإبداعية ضد طهران، أيضاً يقوم بالضغط وبقوة على حلفائه الأوروبيين بوقت هو بأمس الحاجة لهم إضافةً إلى استنفاذ كل الخيارات المتعلقة بممارسة المزيد من الضغوط المالية على إيران، وبالتالي فإنه ينبغي على ترامب العمل على ايجاد حل دبلوماسي يدفع ايران للموافقة على اتقاق جديد مقرون بعقوبات أكثر نجاعة وقوة تجعل الإيرانيين يفكرون للألف قبل انتهاك بنوده، كما حان الوقت لأن يتشاور الرئيس الأمريكي مع الكونغرس، ومع الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد على نفط الشرق الأوسط ومع المحللين العسكريين والاستخباراتيين خارج دائرته المباشرة للوصل إلى أفضل الاستراتيجيات حيال طهران بشكل يلجمها ويجنب المنطقة الإنجرار إلى تصعيد غير محسوب النتائج، فالمطلوب استراتيجية موجهة لطهران التي عملت خلال الفترة الأخيرة على توجيه رسائل إلى القوى الاقليمية والدولية المعنية بأزمات المنطقة توحي من خلالها أن نفوذها الاقليمي في المنطقة مستمر ومتصاعد رغم كل الضغوط التي تتعرض لها على خلفية العقوبات التي تفرضها واشنطن ضدها.

رسائل ايرانية
إن سعي طهران في تسليط الضوء على بعض التطورات الأخيرة كزيارة الصدر إلى ايران ومشاركته في مراسم عزاء ليلة الحادي عشر من محرم التي حضرها خامنئي في 10 سبتمبر الجاري كان هدفه توجيه رسائل تفيد أن مجمل التكهنات التي تشير إلى وجود خلافات واسعة بين الصدر وطهران هي غير دقيقة وأن الطرفين يقفان في خندق واحد في زمن المخاطر التي تحيق بهما، كما أن الصدر حريص على تأسيس علاقات قوية مع النظام في طهران، باعتبار أن نفوذه في العراق وموقع تياره على خريطة القوى السياسية سوف يرتبط، في قسم منه، باتجاهات علاقاته مع طهران، إلا أنه في المقابل يسعى إلى الاحتفاظ بمسافة في علاقاته مع إيران، على عكس القوى السياسية والميليشيات الشيعية العراقية الأخرى.

وهنا، لا يمكن إغفال أن تلك الزيارة جاءت في وقت يتعرض فيه النفوذ الإيراني في العراق لضغوط قوية على خلفية الضربات العسكرية – التي تنسب في مجملها لإسرائيل- التي تستهدف مواقع تابعة للميليشيات الشيعية الموالية لطهران، ولا سيما ميليشيا “الحشد الشعبي”. كما أنها تأتي في الوقت الذي تبدي فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامًا بمتابعة هذا النفوذ بالتوازي مع توجيهها تحذيرات من العواقب التي يمكن أن تترتب على استهداف مصالحها في العراق سواء من قبل إيران بشكل مباشر أو عبر وكلائها من الميليشيات الشيعية.

أيضاً استثمرت ايران في الرسائل التي وجهتها إقالة بولتون، حيث لم تكتف طهران بإبداء ترحيبها بالقرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 10 سبتمبر الحالي، بإقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون من منصبه، بل إنها سعت إلى ترويج مزاعم بأن أحد الأسباب التي دفعت في هذا الاتجاه هو عدم قدرة الإجراءات التي اتخذتها واشنطن على احتواء دورها في المنطقة، بالتوازي مع التصعيد في الاتفاق النووي.

وبناءً على ما تقدم، فيبدو أن ايران سوف تتجه خلال المرحلة القادمة إلى إبراز دورها بشكل كبير في الملفات الإقليمية المختلفة، لا سيما أنها ترى، حسب رؤية اتجاهات عديدة، أن خيار الحرب مع واشنطن بات بعيدًا بعد إقالة بولتون، الذي كان يدفع في هذا الاتجاه، حسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين وفي مقدمتهم وزير الخارجية ظريف.

على صعيد المواجهة مع اسرائيل

حاولت إيران الرد على الضربات العسكرية التي نسبت إلى إسرائيل واستهدفت مواقع تابعة للميليشيات الحليفة لها في العراق وسوريا ولبنان خلال الفترة الأخيرة، بتأكيد أن أية مواجهة محتملة ومباشرة معها سوف تدفع طهران إلى الإيعاز لتلك الميليشيات بالانخراط فيها على نحو سوف يساهم في توسيع نطاق المواجهة بشكل قد لا يتوافق مع الحسابات الأمنية لتل أبيب.

يمكن القول في ختام هذه الورقة أن إيران سوف تسعى خلال المرحلة القادمة إلى مواصلة الترويج لدورها في المنطقة بالتوازي مع استمرار التصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية، استعدادًا للخيار الذي تفضله، رغم رفضها العلني له، وهو التفاوض مع واشنطن، الخيار الذي لم تستبعده كليةً خاصة في ظل التداعيات القوية التي تفرضها العقوبات الأمريكية عليها، والتي أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تواجهها إيران في الوقت الحالي دون أن تنجح السياسات التي اتخذتها الحكومة في تقليص حدتها.

***

أضف تعليقاً