الرئيسية / مقالات / أولويات ايران وايديولوجيات ميليشياتها في المنطقة

أولويات ايران وايديولوجيات ميليشياتها في المنطقة

مقالاتأولويات ايران وايديولوجيات ميليشياتها في المنطقة
قراءة سياسية لتحليل مدى تأثير ايديولوجيات الميليشيات التابعة لإيران على أولوياتها في المنطقة

الاتحاد برس:

إن وقائع الأحداث الأخيرة المتمثلة باتجاهات واشنطن إلى عقد جلسات حوار مع الحوثيين يضاف لها الرسائل التي وزعتها الحركة المتمردة شرقاً وغرباً بأنها مستعدة للحوار مع دول التحالف العربي، تشير إلى أن ايران ربما قد خففت من قبضتها على اليمن بسبب حدة العقوبات الأمريكية المركزة على طهران اضافة إلى رغبة ايرانية مرحلية بحصر اهتمامها بنشاطات ميليشياتها في العمق السوري لاسيما الجنوب منه، طبعاً يضاف لكل ما تقدم تضاؤل مستوى الحافز الذي قد يدفع إيران -التي تعاني بالفعل من ضيق مالي- إلى مواصلة استثماراتها في اليمن.

ما يدفع الحوثيين إلى مغازلة دول الخليج العربي هو ادراكهم أن هذه الدول، وليس إيران، هم من سيمول الجزء الأكبر من جهود إعادة إعمار اليمن بعد انتهاء الصراع، وبالتالي ستتمتع هذه الدول بوسيلة ضغط سياسية تتجاوز قدرات إيران. وبالمثل، لا تميل إيران إلى الحفاظ على نفس المستوى من الدعم للحوثيين بعد انتهاء الحرب، بالنظر إلى أن اهتمام طهران بصنعاء يختلف عن اهتمامها ببيروت أو دمشق حيث تتمتع إيران بمصالح حرجة طويلة الأمد.

أيضاً يدرك الحوثيون أن اليمن ليس ببساطة على رأس قائمة أولويات إيران، وأن دعم طهران المتواضع نسبياً للحوثيين يستمر فقط ما دامت الحركة تقف كشوكة في خصر خصم إيران الإقليمي، السعودية، يضاف إلى ما تقدم صعوبة الاعتراف بإمكانية خروج الحوثيين من هذا الصراع كأحد أبرز القوى السياسية في شمال اليمن وهم الذين ارتكبوا فظائع لا حصر لها وانتهاكات لحقوق الإنسان، وتبدو لهجة خطابهم تآمرية ومعادية “للسامية بشكل صارخ”.

يرى الحوثي في فكرة الجلوس على طاولة واحدة مع واشنطن على غرار التجربة الأمريكية مع حركة طالبان في الدوحة، أنها تكسبه تحولاً سياسياً كبيراً تخرجه من الدور الذي قوقعته به ايران كمجرد ميليشيا تنفذ سياسات طهران، وهذا ما يجعل ايران تفكر ملياً بالتنصل من الحوثيين على عكس علاقتها تماماً مع حزب الله الذي يتميز عن الحوثي بطبيعة ايديولوجية وعقائدية فريدة تمنح ايران هيمنة مطلقة، فجماعة الحوثي هي أقل الجماعات الشيعية اعتناقاً لفكرة محاربة “الشيطان الأكبر”، اضافة إلى أنها وفي كل أدبياتها السياسية لم تتعرض كثيراً لإسرائيل على خلاف حزب الله، ناهيك عن أن هذه المجموعة وعلى الرغم من أنها منظمة تتسم بالدهاء السياسي وتتخذ قرارات مدروسة بشأن الرسائل العامة والعلاقات الدبلوماسية، اضافة إلى تشكيلها لحكومة مقرها صنعاء تضاهي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إلا أنها لم ترتقي إلى مستوى الوكيل الإيراني في المنطقة كما الحالة مع حزب الله اللبناني، يضاف إلى ذلك أن الحوثيين هم تواقون لكسب الشرعية السياسية من جيرانهم والجهات الفاعلة الإقليمية، وهم على استعداد لتقديم تضحيات لتحقيق ذلك، حتى لو كلف الأمر إنهاء النزاع العسكري وتبني نهج آخر عبر إنشاء تحالفات جديدة والتعاون مع الأعداء السابقين، وهذا يتعارض تماماً مع العقيدة التي يتبناها حزب الله اللبناني والتي تعتبر أيضاً استراتيجية راسخة بينه وبين نظام ولاية الفقيه في ايران، كما أن حزب الله اللبناني يحتل موقعًا مهمًا في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، فهو رأس الحربة الإيرانية على الرغم من اتساع نطاق الجبهات التي تتواجد فيها الميليشيات الموالية لإيران، وهذا بدا جليًا في التطورات الأخيرة التي طرأت على الساحات العراقية والسورية واللبنانية.

أيضاً من السمات التي تميز حزب الله عن الحوثيين هو أنه أكثر الميليشيات المحسوبة على ايران تهديداً لإسرائيل لكونه خاض مواجهة عسكرية مباشرة مع تل أبيب عام 2006 نتج عنها لاحقاً اتفاقاً بين اسرائيل ولبنان، كما أنه اكتسب خبرات عسكرية في ظل مشاركته في الحرب السورية التي فرضت عليه في المقابل ضغوطًا مالية وبشرية لا تبدو هينة، كما أن تلك الخبرات قد تشكل قيدًا على الخيارات المتاحة أمام الحزب في المواجهة مع إسرائيل أكثر من كونها توفر فرصة، بناءً على مؤشرات عديدة، منها أن الحزب خسر، حسب بعض التقديرات، ما يقرب من 2000 مقاتل في الحرب السورية بالإضافة إلى نحو 8000 مصاب، وهو ما فرض أعباءً عسكرية واقتصادية عليه، فضلاً عن أن موقفه من الحرب لا ينفصل عن حسابات إيران ورؤيتها للمسارات المحتملة للتصعيد الحالي مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

لكن أيضاً وبالرغم من كل ذلك فإن المواجهة بين إسرائيل وايران عبر حزب الله لا تزال محكومة بمتغيرات عديدة منها حدود معادلة الاشتباك الجديدة التي يفرضها الطرفان، وتأثير مسار التفاوض الجديد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في ضوء جهود الوساطة التي تقودها فرنسا وتتضمن أفكارًا حول فتح خطوط ائتمان لإيران تقدر بنحو 15 مليار دولار مقابل عودتها إلى الالتزام بالاتفاق النووي بشكل كامل، لكنها ما زالت في انتظار موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وربما تتعثر على ضوء التهديدات المستمرة من جانب إيران بمواصلة تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي.

يمكن القول في نهاية هذه الورقة إلى أنه وبالرغم من الاختلافات والتباينات بين كلاً من جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان، إلا أنه لا يجب التقليل من دهاء شوكة محسوبة على ايران مزروعة في الخاصرة الخليجية تحاول اليوم التودد لكسب بعض من الشرعية، وربما يندرج هذا المسعى ضمن التكتيكات الإيرانية في احلال نوع من التوازن داخل جبهاتها.

***

أضف تعليقاً