آرثر شوبنهاور: الفيلسوف الذي رأى الحب مقززاً

الاتحاد برس

 

يدعونا الفيلسوف الألماني “آرثر شوبنهاور” في كتابه “العالم إرادة وتمثلاً” إلى أن نتأمل النظرات الملتهبة للعشاق، أو النظرات الغامضة التي يلقيها اثنان لبعضهما على الطريق، ويتساءل لم يفعل العشاق كلّ هذا في الخفاء، ثم يجيب نفسه قائلاً أن هذا يحدث لأنهما يعرفان لا شعورياً أنهما خائنان.

يرى شوبنهاور أن ما ندعوه حباً لا يكون موجوداً إلا في الأماكن المغلقة والأزقة الخلفية، ويُرجع ذلك إلى أنه لا يمكن لأي كائن أن يشعر بالفخر من هذا الشيء المقزز والمسمى حباً.

 

“الحب خدعة الطبيعة”

ليس فقط فيما يتعلق بالحب فقط، لكن شوبنهاور كان منذ بداياته تشاؤمياً، ولما قام برحلة مع والديه إلى جميع عواصم أوروبا لم يُسحر بالكاتردائيات أو المقاهي أو المسارح بل أسس لعقيدة راسخة مفادها أن وجود كائنات تتألم طوال الوقت يعني أن العالم عبثي، وليس شيئاً حسناً. رأى شوبنهاور أن السعادة الحقيقية والوحيدة تتلخص بألا يخلق الإنسان أصلاً، وشنّ حرباً حقيقية على الجنس البشري بأكمله.

وفيما يتعلق بالحبّ، قال شوبنهاور أن الأخير مهما بدا شاعرياً فإن جذوره تتأصل في الغريزة الجنسية، وأن أسوأ ما في الحب هو أنه لا يهدف إلا للحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، وأن كلّ المحبين والعشاق لا يفعلون شيئاً سوى الخضوع لرغبة القطيع.

وكان شوبنهاور مهتماً على وجه الخصوص بمظهر غريب من مظاهر الحب البشري، وهي فكرة التركيز على كائن بعينه، وتصوره طريقاً للسعادة الأبدية، والتعامل مع غيابه على أنه معاناة لا يمكن وصفها، وهي ظاهرة غير معروفة عند الكائنات الأدنى من الحيوانات.

تثير الحاجة المجنونة لكائن فريد دهشة شوبنهاور، تلك الحاجة التي تستطيع إفراغ العالم بأسره من ساكنيه، لكنه يعترف على الجهة الأخرى أنها تظهر الجانب المؤثر والسامي لقصص الحب جميعها.

يصل شوبنهاور إلى أن “صاعقة الحب” هذه التي تحل بالبشر ما هي إلا اهتمام سامٍ بالجنس النوعي، إنها بمثابة البحث عن أفضل الخيارات الممكنة ليستمر الجنس البشري، فقال إن الرجال قصار القامة على سبيل المثال يبحثن عن النساء ذوات القامة الفارعة وما هذا إلا إعادة توازن تلقائي تحدث في لا وعي الإنسان.

وقال أيضاً أن ولع الرجال بفساتين النساء ذات الفتح الدائرية التي تبرز الصدر، لأن تلك الاستدارة ترتبط بوظيفة الإنجاب والإرضاع عند المرأة، وتعني أن الغذاء سيكون متواجداً بوفرة لطفل المستقبل.

ويخلص شوبنهاور نهاية إلى أن البشر يعتقدون أنفسهم مسؤولين عن خياراتهم العاطفية ومستقلون، ومع ذلك فهم لا يعملون سوى على إحلال حسابات نفعية ومادية تتعلق بجنسهم البشري وقدرته على البقاء.

 

كيف تخدع النساء رجالهن؟

قال شوبنهاور مرّة لأحد أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي أن على الإنسان أن يتعامل مع الحب كرفاهية وتمرير للوقت دون أن يعجب به كثيراً.

كان شوبنهاور يلعن الأخلاقيين أصحاب الشهوة الجنسية الوحشية، ويلعن الشعراء الذي يتحدثون عن الأرواح المكرسة للحب مسبقاً، بينما صنف البشر على أنهم البطل والوسيلة والضحية في لعبة الطبيعة هذه، قائلاً أن الرجال والنساء ينتجون خليطاً “مقززاً” من الأجيال خشية فناء الجنس.

اشتهر شوبنهاور بكرهه للنساء كرهاً جماً، واعتبارهن كائنات تافهة ومنافقة، لأنهن في رأيه يخدعن الرجال لينجبن أطفالهن، ومن ثم يتكفل الرجل المسكين برعاية هؤلاء الأطفال. كان يقول أن النساء هن الجنس الثاني على شتى الأصعدة، وأنهن خلقن لينبذن، ودعا إلى إنشاء نظام لتعدد الزوجات بهدف تخليص المجتمع من السيدات وتحويلهن إلى ربات منزل لا يخرجن، ولتخليصه أيضاً من العاهرات.
وقد ردّ البعض كره شوبنهاور الشديد للنساء إلى حياته مع أمه التي كانت سيدة متحجرة القلب، تهتم بفساتينها وعشاقها أكثر من اهتمامها بطفلها آرثر، وكانت تقيم السهرات بينما يكون ابنها غارقاً في وحدته.

لم يتزوج شوبنهاور نهائياً، كما وظلّ يواجه فكرة الأبوة بالغثيان، إلا أنه مع ذلك مرّ في العديد من العلاقات العاطفية القصيرة مع طالباته الجامعيات الجميلات ومع الخادمات ومع العاهرات، وظلّ يلعن طوال حياته تلك المستنقعات الكريهة التي أخذته شهوته الجنسية إليها.

وصل شوبنهاور نهاية حياته إلى أن العفة الاختيارية هي أولى خطوات طريق الزهد والتصدي للمشاهد القاتمة للجنس النوعي والمسماة بالحب، مشيراً إلى أن التحرر الكامل من الحب ليس بمتناول البشر العاديين بل الشجعان منهم فقط، وأن هذا التحرر يتمثل في اهتداء النظرة والانعتاق من كلّ رغبة.

 

قد يعجبك ايضا