آلان دو بوتون: البشر كاذبون فيما يتعلق بالجنس

الاتحاد برس

 

“يسبب الجنس لنا دائماً الصداع، إنه ليس شيئاً يمكننا أن نشعر بالراحة تجاهه”

آلان دو بوتون

 

لا أحد يستطيع إنكار حقيقة أن للجنس سحر خاص يفوح من رائحة الأجساد والعرق، إنه في أروع لحظاته قادر على استلالنا من الخواء الذي قد تفرضه علينا الحياة في أبشع أوقاتها قتامة، لكن هذه اللحظات الجنسية النادرة بالنسبة للفيلسوف البريطاني “آلان دو بوتون” هي الاستثناء وليست القاعدة.

فكيف يرى “دو بوتون” أحد أبرز وجوه الفلسفة والفكر المعاصر إلى قضية الجنس؟ وما هي أبرز المشاكل التي يعانيها المجتمع المعاصر فيما يخص القضايا الجنسية؟

 

 

جنس مغرر به

 

“نشعر بالغرابة المؤلمة بشأن الجنس الذي نتوق إليه أو نكافح من أجل تجنبه”

 

يوضح دو بوتون في كتابه دورة الحبّ أن كلّ الصعوبات المواجهة في الحياة تنبع من تعدد الأشياء التي نرغبها، أو من تراكم الاستياء اليومي، أو حتّى من غرابة الدافع الجنسي نفسه.

ويشير إلى أنّنا دائماً ما نكذب بشأن رغباتنا الجنسية الحقيقية، وأننا كبشر نحس شعوراً غريباً اتجاه الجنس وعدم عادية رغباتنا، ومع أن الجنس هو أكثر الأنشطة البشرية خصوصية، إلا أنّه من وجهة نظر دو بوتون محاط بمجموعة من القوالب الاجتماعية المعتمدة والمتعلقة بكيفية شعورنا تجاهه وكيفية التصرف معه.

آلان دو بوتون

تكمن المفارقة بأن قلة قليلة هم “الطبيعيون جنسياً” بحسب المعايير والقوالب المجتمعية، لأن باقي الناس هم “منحرفين” تتملكهم الأعصبة والرغبات التخريبية مع أنهم يعمدون في حياتهم العادية إلى عدم مشاركة شركائهم الجنسيين ما يرغبون به حقاً، وذلك بسبب تخوفات من شعور الشريك بالاشمئزاز أو النفور.

هذا ما يحدث دائماً في العلاقات الجنسية مع أن كل ما هو مثير للاشمئزاز قابل لأن يكون محل ترحيب في إطار العلاقة، ابتداءً من وجود لسانين يستكشفان تجويف الفم الداكن الرطب الذي لا يعرفه عادة إلا طبيب الأسنان، وانتهاء بجميع الأفعال الجنسية، إن ما يميز الاتحاد الجنسي بين شخصين هو مجموعة الأفعال التي لا يمكن قبولها إذ هي أتت من لدن شخص آخر.

ومع أن هذه الحقيقة ليست بحاجة إلى التصديق، إلا أن دو بوتون يقول إن الحديث عن رغبات الجسد في هذا العصر المتحرر أكثر صعوبة عن ما كان قبله، فالبشر على خلاف ما يُعتقد لا ينظرون إلى الجنس بصفته أمراً مباشراً وحرّاً في تجلياته وهذا ما يعني بالضرورة أن رواية التنوير لم تجعلنا متحررين من الجنس.

لا يزال الجنس حتّى اليوم قوة معطلة وكاسحة تتعارض مع حقيقة رغباتنا وطموحاتنا، وعلى الرغم من أننا نحاول ترويضه فإنه يميل إلى إحداث الفوضى في حياتنا، ويقودنا إلى تدمير علاقاتنا، ويهدد إنتاجيتنا، ويجعلنا نتحدث ساعات طويلة في النوادي الليلية على سبيل المثال لأشخاص لا نحبهم بغرض الوصول إلى تسوية جنسية مناسبة.

 

 

تعريف جديد للعجز الجنسي 

بحسب المنطق فإن الزواج أو العلاقات طويلة الأمد المستقرة يجب أن تضمن للأفراد حدّاً مقبولاً من الاكتفاء الجنسي والعاطفي، لكن الحكاية لا تسير دائماً وفق هذه السردية، ذلك أن عدم رغبة أحد الشريكين في ممارسة الجنس يُنظر لها دائماً على أنها انتهاك خطير، كما وتكون معاناة الرفض شديدة ومذلّة في بعض الأحيان بالنسبة للطرف الآخر.

يعتبر دو بوتون العجز الجنسي إنجازاً، مع أنه على مستوى العلاقة يجيء بمثابة ضربة تلحق العار بتقدير الذات لدى كلّ الشريكين، لكن بوتون يقترح تعريفاً جديداً للعجز الجنسي:

“إنّه ثمرة مزعجة وهي وليدة للعقل واللطف الجنسي اللذان يغطيان على التدفق الحرّ لعواطفنا الجنسية الحيوانية، هو أيضاً ثمرة تفكيرنا برغبات الشريك والتماهي معها على حساب رغباتنا التي لا ترضيه دائماً.”.

إن العجز الجنسي هو محصلة الخوف من عدم إرضاء الشريك إذا نحن فرضنا رغباتنا، أو إذا لم نكن قادرين على تلبية رغباته، إنه قلق حضاري من أننا سنخيب الآمال، كما ويعرفه دو بوتون أيضاً على أنه “دليل على إنجاز الخيال الأخلاقي”.

أما إذا انتقلنا إلى الانخفاض التدريجي في شدة وتكرار ممارسة الجنس بين الزوجين، فيشير دو بوتون إلى أن هذه حقيقة لا مفرّ منها في الحياة البيولوجية، لكنه على الجانب الآخر يُوجد لها أسباباً وحلولاً مخالفة لكلّ ما طرحه الخبراء الجنسيون من قبله.

يرى دو بوتون أن انخفاض رغباتنا الجنسية بعد الزواج غير متعلق بإفرازات هرمونية بقدر تعلقه بالنظام الاجتماعي، فالصفات المطلوبة لممارسة جنس ممتع مختلفة كلياً عن تلك التي نوظفها في إدارة غالبية أنشطتنا اليومية من إدارة للأسرة والمنزل إلى تربية للأطفال، وهذا ما يجعلنا نتجنب الجنس لأن ملذاته ستقوّض من قدرتنا اللاحقة على تحمل المطالب الشاقّة التي تفرضها الترتيبات المنزلية.

ويظن دو بوتون أن الحلّ يتمثل في السماح للجنس بمقاطعة هذا الروتين، ويشير أيضاً إلى أنّ “المسرحة” الجنسية، والتي تقتضي أن يلعب أحد الشركاء دور الضعيف مثلاً، كفيلة بأن تعيد للجنس لياقته وبريقه الأول، منوهاً إلى أن الفرد سيحتاج لتطبيق هذا الحلّ إلى الجرأة وعدم الخوف ساعة طلبه أشياء غير اعتيادية من شريكه الجنسي.

 

ماذا عن العلاقات خارج إطار الزواج؟

يقول دو بوتون أن عدم وجود أي رغبة لدى الزوجين في الضلال وفي خوض مغامرات جنسية هو أمر غير عقلاني ومضاد للطبيعة، وتجاهل غير واقعي للتكوين البيولوجي لأجسادنا، وإنكار للرغبات التي يمارسها لا وعينا علينا.

إن المشكلة تكمن في روح الزواج الحديث الذي يصر بطموحاته المجنونة على فكرة أن كلّ احتياجاتنا يمكن حلّها بمساعدة شخص أحد، لكن الحقيقة هي أنه ما من أحد يستطيع أن يكون كل شيء لشخص آخر.

يطلب دو بوتون من الفرد ألا ينظر للزواج على أنّه الحلّ الأمثل في الحب والجنس والأسرة لأن هذا الاعتقاد ساذج ومضلل، لكنّه يشدد على أن ممارسة علاقات جنسية أخرى ليس ترياقاً لخيبات الأمل المتتالية في الزواج، ويشدد على أنه من المستحيل أن ندخل في علاقة مع شخص خارج إطار الزواج بلا أن نفسد الأشياء التي نهتم بها داخله.

ويصل دو بوتون إلى أنه ما من حلّ لتوترات الزواج، ولا سبيل لإنجاح العلاقة إلا بأن نكون زائفين لبعض الوقت فيما يتعلق برغباتنا في خنق شركائنا أو إنهاء الزواج أو الدخول في علاقات أخرى، لأن درجة معينة من القمع ضرورية لكلّ من الصحة العقلية ولأداء وإنتاجية مؤسسة الزواج.

من الصحيح أن حياتنا الجنسية عبارة عن إفرازات كيميائية فوضوية، لكن علينا فهم حقيقة أن ظروفنا الخارجية ستأتي غالباً بما لا يتوافق مع ما نشعر به، وهذا برأي دو بوتون إشارة إلى أننا نسير على الطريق الصحيح.

قد يعجبك ايضا