آيات شيطانية .. الرواية التي كادت تقتل صاحبها

الاتحاد برس

إعداد: حسّان الشيخ

تخيَّل أنّك روائيّ انتهى لتوّهِ من المخطوطة النهائية لعملهِ الأدبي، وأخذتها، بكلّ ما يمكن أن تحمله من مشاعر طازجة ومتضاربة تنتاب المرء حينَ يرى مشروعه وليداً بين يديهِ، إلى دار النشر المعتمدة من قبلكَ، وبعد أيّام اتصل بكَ صاحب دار النشر مهنّئاً إيّاك على عملك وموافقاً على نشرهِ.

ثمّ فجأة، وبعد صدور روايتكَ بأيّام، تجتاح العالم موجةً من الآراء المتضاربة حول هذه الصفحات التي كتبتها تصلّ حدّ إفتاء أحد أكبر المراجع الدينية بإهدار دمك مشجّعاً كلّ الذين لم يجدوا في روايتكَ ما هو مستحسنٌ أن يهاجموكَ فوراً بهدفِ قتلكَ. إذا نجحتَ في التخيُّل فهذه هي قصّة سلمان رشدي بعدَ نشره لروايتهِ الأكثر إثارة للجدل: آيات شيطانية.

الرواية القاتلة!

ومن المحتمل أنّ سلمان رشدي قد فهم أنّه سيتسبَّب في جدلٍ عندما نشر رواية بعنوان آيات شيطانية، فلقد احتوت الرواية على مقاطعٍ تسخر من النبي محمَّد أو على الأقلّ احتوت على إشارات ساخرة تطال النبي محمَّد وجوانب أخرى من الإسلام، بالإضافة إلى شخصية تستند بوضوح إلى المرشد الأعلى لإيران.

سلمان رشدي ممسكاً رواية آيات شيطانية

ففي 14 فبراير 1989، أصدر ذلك المرشد الأعلى، آية الله روح الله الخميني، أقوى ردّ ممكنٍ على عملٍ أدبي أو إبداعي قد تسمعهُ طيلة حياتك، داعياً بذلك “جميع المسلمين الشجعان” لقتل الروائي البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي إضافةً إلى ناشري الرواية.

وعلى الرغم من أنّ العديد من الأشياء المثيرة للجدل التي قيلت عن الإسلام ومحمَّد في الكتاب تأتي من أفواه شخصيات هزلية سيئة السمعة، إلا أنّها كانت انتقادية ومهينة بلا شكّ؛ فيشير العنوان إلى مقاطع قيل أنّها أزيلت أو حُذفت من القرآن الكريم تحدَّث فيها النبي بكلمات الشيطان بدلاً من الله، وكان الكثيرون غاضبين بشكل خاصّ من تصوير بيت للدعارة حيث تحملُ المومسات أسماء زوجات النبي محمَّد.

كان الخميني، الذي نجحَ فجأةً في عزل شاهٍ إيرانيٍ مدعومٍ من الولايات المتحدة قبل عقدٍ من الزمن، زعيماً لمجموعة من رجال الدين حوّلوا إيران إلى دولة دينية. وعلى هذا النحو، ربّما كان أبرز سلطة شيعية في العالم، وكان المسلمون في جميع أنحاء العالم قد أدانوا بالفعل رواية آيات شيطانية – فقد أحرقت علناً في بولتون بالمملكة المتحدة، وأثارت أعمال شغب مميتة في باكستان وتمّ حظرها بالكامل في العديد من البلدان الإسلامية – لكن فتوى الخميني رفعت الجدل إلى آفاق جديدة.

الخوف من الحرّية!

رفض بائعو الكتب في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العديد من متاجر نوبل وبارنيس Barnes & Noble في الولايات المتحدة، بيع رواية آيات شيطانية خوفاً من “العقاب” المرتقَب للناشرين؛ فقد تمّ مهاجمة ومقاطعة العديد من الجهات التي باعته أو روَّجت لها.

مشهد لاحراق الرواية في بريطانيا

ومن جهتهم دافعوا دعاة حرّية التعبير والشخصيات المناهضة للدين بصوت عالٍ عن رشدي، لكن العديد من القادة المسلمين وحتّى الشخصيات الثقافية الإسلامية المعتدلة أدانوه صراحةً أو ذكروا على الأقلّ أن رشدي قد ذهب بعيداً جدّاً.

اضطر رشدي نهايةً إلى تقديم اعتذر صريح لكلّ من آية الله والمسلمين في جميع أنحاء العالم في عامي 1989 و 1990، لكنّ الاحتجاجات والعنف استمرّا؛ حيث ضُرِبَ مترجم الرواية الياباني حتّى الموت في عام 1991، بينما أصيب مترجمها الإيطالي بجروح خطيرة على يدّ أحد المهاجمين.

وقال رشدي لاحقاً إنه نادم على الاعتذار.

مظاهرة إيرانية ترفع لافتة تقول: “سنقتل سلمان رشدي”

ولاحقاً أعلنت الحكومة الإيرانية أنّها لن تُلغي “دعم وتشجيع” اغتيال رشدي، والجماعات الخاصّة داخل إيران وغيرها تواصل جمع الأموال لوضعها في سبيل المكافأة على رأسه، ذلك على الرغم من اضطرار رشدي لتوظيف فرق أمنية وتلقّي تهديدات لا حصر لها منذ نشر الرواية، فلم يقترب أي قاتل حتّى الآن من قتله.

وقال المؤلّف، الحائز على لقب فارس بريطانيا في عام 2007 على يدّ الملكة إليزابيث، في ذلك العام أنّه رأى الفتوى على أنّها “قطعة بلاغية وليست تهديداً حقيقياً”.

وبينما لم يصب رشدي بأذى، فإنّ ردّ الفعل العنيف على روايته مسؤول عن عشرات القتلى والجرحى في جميع أنحاء العالم، وهي واحدة من أكثر حالات الصراع دموية – وربّما الأكثر انتشاراً – للصراع بين الأصوليين الدينيين ونشطاء حرّية التعبير في القرن العشرين.

 

 

قد يعجبك ايضا