أزمة المحروقات في سوريا .. عقوبات أميركية وضغط روسي

الاتحاد برس _ مياس حداد

 

* تبريرات السلطة
* الوقود متوفر في السوق السوداء
* غياب “الحلفاء” والضغوط السياسية
* انتشار الحقول وطاقتها الإنتاجية

مناطق سيطرة القوات النظامية لحكومة دمشق تشهد أشد أزمة اقتصادية منذ عام 2011 على جميع المستويات، ويعد أحدثها أزمة مادة البنزين، عقب تخفيض وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة السلطة مخصصات البنزين للسيارات الخاصة مع كل تعبئة.

تواجه السلطة السورية مجموعة عوامل تضعفها يومًا بعد يوم، وتكشف انهيارها على الرغم من بقاءها بقوة الفاعل الدولي، فالعقوبات الاقتصادية، والديون التي  يجب دفعها، والدول “الحليفة” لها كإيران وروسيا، أصبحت عاجزة عن تقديم الدعم المالي وخاصة أمام تفاقم الأزمة الاقتصادية في داخلها، بعد جائحة كورونا والعقوبات الأميركية الأوربية التي طبقت عليها أيضًا، وتوقف سوق النفط لفترة طويلة.

مع غياب الدعم وتجاوز البلاد كل الخطوط الحمراء في مقاييس الأمن المالي و الغذائي، الدوائي، الصحي، النفسي والمجتمعي، هذه الانزلاقات الخطرة تترافق مع ضعف بالدعم الحكومي من طرف البنك المركزي المفلس وتتسبب بغياب سلع مهمة واستراتيجية كالمحروقات التي بدأت اشتدت أزمتها في الداخل السوري.

طوابير السيارات والمركبات أمام مراكز تعبئة المحروقات، عادت للتشكل منذ أسبوع تقريبًا، صفحات التواصل الاجتماعي امتلأت بصور الطوابير و”الكازيات” الفارغة المتوقفة عن العمل، مع تبريرات حكومية غير مقنعة بالنسبة للسكان الذين وصلوا مرحلة الانفجار .

 

تبريرات السلطة

 

غياب مادتي البنزين والمازوت، شكل مخاوف كبيرة لدى السوريين وخاصة مع اقتراب فصل الشتاء، بالإضافة إلى أن غيابهما ينذر بدخول فصل أشد عنفًا من فصول الانهيار الاقتصادي.

السلطة السورية لم تبرر أسباب النقص إلا بعد زيادة الضغط الشعبي على السوشيال ميديا والأسئلة المتزايدة عن الأسباب، مما شكل لدى السلطة مخاوف من وقوع انفجار شعبي جديد وهو ما قد تعول عليه روسيا بنظر السلطة، ليأتي التبرير على لسان وزير النفط والثروة المعدنية في سوريا، بسام طعمة، أن “أزمة المحروقات سببها أعمال الصيانة (العمرة) في مصفاة بانياس (العمرة)، والعقوبات الأمريكية على السلطة السورية، وسيطرة واشنطن على حقول النفط السورية في شمال شرقي سوريا”.

وقال “طعمة” إن الحكومة لن ترفع أسعار المحروقات أو الدعم عنها، حسبما نقلته وكالة الأنباء الرسمية “سانا“، ليكون التبرير هو ذاته عند غياب أي مواد أخرى سابقًا من أغذية وكهرباء وانترنت .

لكن شائعات عديدة انتشرت عن طريق بعض الصفحات والمواقع المولية للسلطة، أن هناك تخفيضا إضافيا لكمية “المازوت” التي تحق لكل عائلة سنويًا من 400 إلى 200 لتر على دفعتين 100 ليتر كل دفعة، مما ينذر بأن يطبق القرار على “البنزين” أيضًا .

مصادر أكدت لـ”الاتحاد برس” أن القرار اتخذ فعلًا من قبل جهات عليا شفهيا وتوجيه المدراء التنفيذيين للعمل به وهو خارج عن سلطة إدارة المحروقات ووزير النفط ورئيس حكومته، الذي يعين أساسًا من قبل رأس السلطة السورية، في محاولة للتدخل بشكل غير علني بالملف، ولكن القرار لم ولن يصدر بشكل رسمي أو بكتاب موقع أصولًا كونه خارج صلاحية إدارة المحروقات، وخوفًا من ازدياد الاحتقان الشعبي والاعتراف المباشر بالانهيار الذي تعانيه السلطة اقتصاديًا.

وتابعت المصادر أن ” إدارة المحروقات في سوريا، أعطت تعلميات لفرع محروقات دمشق بتخفيض كمية الدفعة الأولى إلى 100 ليتر، وتم التعميم بشكل شفوي على بقية المدراء والمعنيين”، مما يحصر صدور القرار من أروقة القصر الجمهوري دون توريط أنفسهم بالمسؤولية.

الوقود متوفر في السوق السوداء

 

تزود مصفاة بانياس ثلثي حاجة مناطق سيطرة دمشق بالبنزين، لكنها تخضع لأعمال الصيانة المسماة بـ”العمرة، تزامنًا مع أشد أزمة محروقات تشهدها البلاد.

أعمال الصيانة ستستغرق 20 يومًا، وستنتهي بعد عشرة أيام، على أن يعود الإنتاج بزيادة 25% في مادة البنزين، لأن العمرة تشكل انطلاقة جديدة للمصفاة، حسب بسام طعمة، مشيرًا إلى أنها لم تنفذ منذ سبع سنوات.

خفضت وزارة النفط التوزيع من مخزونها الاحتياطي 10% “في مرحلة ما”، واضطرت لتخفيضه بين 30 و35% لفترة مؤقتة، لأن العقوبات الأميركية منعت وصول التوريدات، حسب طعمة، الذي لم يبين الجهة الموردة.

البنزين شبه مختفي من محطات الوقود لكنه متواجد وبكثرة في السوق السوداء، وبسعر يصل إلى أكثر من 2000 ليرة سورية، بينما يبلغ سعره المدعوم في محطات الوقود 250 ليرة سورية لليتر الواحد من “نوع أوكتان 90” و575 ليرة من “نوع أوكتان 95″، ويحصر البيع بالسعر المدعوم بـ”البطاقة الذكية” فقط.

عمليات إخراج الوقود من محطات التعبئة إلى السوق السوداء، يشفر عليها رجالات السلطة ومسؤولين حكوميين بشكل غير مباشر، مستثمرين أزمة الشارع بشكل واضح، وعلى مرأى الأفرع الأمنية والمحافظين والشرطة ووزارة التجارة الداخلية، دون أي إجراءات لإيقاف البيع أو الملاحقة، لتتحول لتجارة شرعية بالسنبة لهم .

وبحسب بياناتٍ موقع “بريتش بتروليوم” للنفط، فإن إنتاج النفط في سوريا، بلغ 406 آلاف برميل في عام 2008، وانخفض إلى 24 ألف برميل في عام 2018.

غياب “الحلفاء” والضغوط السياسية

 

ظهور أزمة الوقود في هذا التوقيت، تطرح عددًا من التساؤلات المنطقية، فالبلاد تشهد مخاضًا عسيرًا ضمن اللجنة الدستورية، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وتحركات دولية وإقليمية متسارعة في عدة ملفات كمناطق شمال وشرق سوريا، وزيارة الوفد الروسي رفيع المستوى لدمشق، واللقاءات الدولية المكثفة مع أطراف النزاع السوري، كلها تشير إلى وجود “جو” إيجابي يسعى فيه الطرف الروسي إلى حلحلة الملف سياسيا في المرحلة القادمة قبل الانتخابات أو على الأقل يجري العمل على تجهيزه بأسرع وقت، ولكن ثمنه ضغط روسي أميركي اقتصاديا لضرب أي قاعدة شعبية باقية للأسد لضمان خسارته في الانتخابات القادمة.

محللون يجدون أن التحركات السياسية الأخيرة التي يشهدها الملف السوري، لا تزال بحاجة لضمانة حقيقية بغية عدم التلاعب والرفض، وهذا ما يمكن مشاهدته بوضوح في الأزمة الأخيرة للمحروقات السورية، فتزامن الأزمة واشتدادها في هذا الوقت لا يبدو أنه “مصادفة” بل بفعل فاعل ولغايات بعيدة واستراتيجية.

السلطة في دمشق تعيش صراعًا حقيقيًا، بين الولاء لروسيا والضابطة لعدة ملفات في جنوب غرب البلاد وفي شمال وشمال شرق سوريا ومع اللاعب التركي، وبين إيران التي وقعت معها اتفاقية عسكرية شاملة، تحكمت عبرها بأكثر الملفات الميدانية حساسية بالنسبة للسلطة .

لكن التغييرات السياسية القادمة، قد تجبر السلطة على تعزيز “ولائها” لطرف أكثر من طرف، لضمان البقاء واستمرار الدعم، وهذا ما أوضحته روسيا وإيران مؤخرًا بعد رمي السلطة بمفردها لمواجهة أزمة “بسيطة” (المحروقات) بالنسبة للأزمات الأكبر التي قد تواجهها في حال تخليها عنها، في ظل عقوبات اقتصادية شديدة فرضت عليها من قبل أميركا.

روسيا التي تسيطر الآن على الساحل السوري، تستطيع إدخال النفط والمحروقات بكميات كبيرة جدًا تكفي مناطق سيطرة دمشق لأشهر عديدة، لكن عدم اتخاذها لهذا الإجراء، يعزز من فرضية “الابتزاز” السياسي والاقتصادي للسلطة المتهالكة فعليًا .

أما إيران التي أرسلت عددًا من البوارج النفطية إلى فنزويلا مؤخرًا، بالرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، فغابت تمامًا عن مشهد الأزمة الحالية بدمشق، في رسالة واضحة المعالم أن الدعم و”التحالف” مهدد في حال عدم اتباع دمشق لقراراتها أو تفكيرها بالتخلي عنه بينما.

أما تجار النفط المدعومين حكوميًا، كالقاطرجي مثلًا، فهم مغيبون عن الساحة حاليًا أما بفعل روسي وإيراني، أو بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أميركا عليهم وعلى أي جهة تتعامل معهم اقتصاديًا، لتغيب شاحنات النفط من مناطق شمال وشرق أيضًا .

من الممكن أن تدفع الضغوط الاقتصادية على السلطة السورية، التي تحمل رايتها روسيا اليوم أكثر من أميركا، إلى تسريع عجلة الحل سياسي وموافقات ضمنية على تسوية معينة مع بقية الأطراف، قبل أن تحتدم الأزمة وتصل إلى مؤسسات السلطة كالمدارس والمشافي والدوائر الخدمية مع اقتراب فصل الشتاء، وهو ما سيترافق بإعلان واضح عن الانهيار وفقدانها السيطرة.

انتشار الحقول وطاقتها الإنتاجية

 

تتوزع حقول النفط السورية على محافظتَي الحسكة بواقع 6 حقول، ودير الزور بواقع 4، ومنطقة تدمر التابعة لمحافظة حمص (وسط البلاد) بواقع حقلين.

أول حقول الحسكة هو السويدية، وهو أغزر حقول البلاد إنتاجًا، إذ كان ينتج 110 آلاف برميل يوميًا قبل 2011، فيما ينتج حالياً 50 ألفًا.

والرميلان، وهو من أقدم الحقول النفطية على الإطلاق، بالإضافة إلى حقول الشدادي والجبسة والهول، وهي حقول صغيرة نسبياً، واليوسفية وهو أصغرها على الإطلاق.

أما حقول دير الزور، فأكبرها حقل العمر وكان ينتج 80 ألف برميل يوميًا، وينتج حاليًا 25 ألفًا، ويليه حقل التنك، فيما يعد حقلا التيم والورد متوسطين.

من جهتها، تضم منطقة تدمر السورية شرقي محافظة حمص حقلين نفطيين صغيرين، هما جزل وحيان، لا يتجاوز إنتاج كل منهما ألفَي برميل يوميًا.

تخضع جميع حقول النفط والغاز في محافظة الحسكة، لسيطرة الإدارة الذاتية، بعدما انسحبت قوات السلطة عام 2011 من مناطق تلك الحقول.

أما حقول دير الزور فهي قسمان، الأول وهو الأكبر يخضع لسيطرة  الإدارة الذاتية أيضًا، وذلك منذ 2017 و2018 بعد معارك مع تنظيم داعش، ويضم حقول النفط الكبرى والواقعة شرقي نهر الفرات، فيما يخضع لدمشث حقل وحيد غربي النهر وهو حقل الورد.

أما حقول تدمر من الغاز والنفط، فجميعها تخضع سيطرة دمشق وبوصاية روسية عليها، ويضاف إليها حقول الغاز شمالي دمشق.

قد يعجبك ايضا