أسباب وسيناريوهات التصعيد الخليجي القطري

أسباب وسيناريوهات التصعيد الخليجي القطريأسباب وسيناريوهات التصعيد الخليجي القطري

مركز أسبار – رؤية أسبار

تتوالى فصول الأزمة الخليجية القطرية، والتي وصلت إلى تبني الطرف الخليجي، ممثلاً بالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، مواقف غير مسبوقة تجاه إمارة قطر، فقد قطعت الدولتان علاقاتهما مع قطر، يضاف إليهما مملكة البحرين، ومن خارج مجلس التعاون الخليجي، تبنّت مصر موقف السعودية والإمارات، كما اتخذت دول أخرى مواقف تصعيدية تجاه الدوحة، مثل الأردن، وكل فصول هذه الأزمة تأتي مباشرة بعد قمة الرياض، والتي جاءت لتؤكد، من جديد، على الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض، وهي الشراكة التي كانت قد تعرّضت إلى ضربة قوية خلال الولاية الثانية للرئيس الأسبق باراك أوباما.

وتضمّن الموقف السعودي تجاه قطر العديد من الإجراءات التنفيذية، وفي مقدمتها إغلاق المنافذ البرية كافة أمام قطر، بالإضافة إلى الحدود البحرية والجوية، وهي خطوات من شأنها أن تكون مؤثرة بشكلٍ مباشر على الدوحة، التي لا تمتلك حدوداً برية مع أي دولة أخرى، كما نسّقت الرياض وأبو ظبي خطواتهما مع دول وشركات إقليمية ودولية، الهدف منها زيادة الحصار المفروض على قطر، خصوصا أن الإجراءات التي اتخذتها الرياض وأبو ظبي من شأنها أن تلحق الضرر بمصالح الشركات والأفراد العاملين في قطر، خصوصا التجارة البينية بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي.

وإذا كانت الشرارة الأولى لانطلاق الأزمة الخليجية مع قطر أتت مع تسريبات عن تصريحات للأمير تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني حول اعتبار “إيران دولة كبيرة في المنطقة لا يمكن الاستهانة بها” وأن “حزب الله” هو “فصيل مقاوم”، إلا أن الرياض وأبو ظبي لم تهتّما فعليا بالنفي القطري لتصريحات الأمير تميم، وبدا واضحا بأن العاصمتين عازمتان على عزل قطر، وإنهاء الدور الوظيفي الذي لعبته الإمارة خلال “الربيع العربي”، وتصفية ما ترتّب عن ذلك الدور من تحالفات ونتائج، وخصوصا فيما يتعلق بصعود تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها “الإخوان المسلمين”.

وكانت قطر قد أكّدت على التزامها بالتوجهات السياسية العامة لمجلس التعاون الخليجي، وتحديداً التوجهات السعودية، وهو الالتزام الذي تعهّدت به بعد أزمة سحب السعودية والإمارات والبحرين لسفرائهم من قطر في مطلع عام 2014 ، لكن العلاقات بقيت متوتّرة فعليا بعد انتهاء تلك الأزمة، خصوصا أن الإدارة الأمريكية السابقة لم تكن راضية عن التصعيد الخليجي آنذاك ضد قطر، كما أن السياسة العامة للدوحة بقيت محافظة على علاقاتها مع قوى الإسلام السياسي “السني”، بالإضافة إلى علاقات موازية مع “حزب الله”، وهو الأمر الذي بدا واضحا في اتفاق “المدن الأربع”، الذي رعته قطر، ووقع عليه “حزب الله”، و”هيئة تحرير الشام”، وهي الهيئة التي تضم “جبهة النصرة” المصنفة كتنظيم إرهابي بقرار من مجلس الأمن.

وإذا كان مفهوم التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض قد عاد إلى الواجهة بعد قمة الرياض، فإن الخطوات العملية لذلك التحالف تشتمل على مسألتين مهمتين، وهما الحدّ من النفوذ الإيراني، والحدّ من الإرهاب، وهما المسألتان اللتان برزتا بحدّة بعد “الربيع العربي”، وأسهمت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما فيهما إلى حدّ كبير، فقد غضّت واشنطن النظر عن التمدد الإيراني في المنطقة مقابل توقيع إيران على اتفاق “الملف النووي”، كما سمحت واشنطن بصعود تيارات الإسلام السياسي في بلدان “الربيع العربي”، انطلاقا من رؤية مفادها أن الإخوان المسلمين هم الأقدر على إدارة تلك البلدان بعد سقوط الأنظمة العسكرية.

إن الرسالة الأوضح للأزمة الخليجية هي التحوّل الأمريكي في التعاطي مع المسألتين آنفتي الذكر، واللتين تشكلان تهديداً حقيقيا للوجود السياسي لدول الخليج، فاستمرار التمدّد الإيراني من شأنه أن يستنزف دول الخليج، وأن يدخلها في صراعات طويلة الأمد، وربما ينعكس لاحقا علىالبنى الداخلية لبلدان الخليج، كما أن استمرار صعود تيارات الإسلام السياسي، في ظل الصراع الخليجي الإيراني، من شأنه أن يمنح قوى الإسلام السياسي داخل البلدان الخليجية نفسها الفرصة
للصعود.

وتسعى الرياض إلى الاستفادة من التحوّل السياسي الأمريكي، والانخراط فيه، وأن تكون جزءاً منه، وبالتالي فإن تقليص الدور الوظيفي لقطر هو مجرد خطوة من خطوات المسعى السعودي العام، وإذا كانت هذه الخطوة لا تؤثّر بشكل مباشر على طهران، لكنها تضغط فعليا نحو محاصرة عموم قوى الإسلام السياسي، وتوجيه ضربة قاضية للإخوان المسلمين، )خصوصا بعد فقدانهم الحكم في مصر(، وحرمانهم من أي رعاية إقليمية، وهو ما سيتزامن مع تأهيل قوى إسلامية قريبة من الرياض، في ساحات الصرا مع إيران، ومنها سورية واليمن.

إن مسعى الرياض سيفرض على اللاعبين الآخرين سيناريوهات محددة، ومن بينها ذهاب قطر كلّيا نحو تحالف استراتيجي مع طهران، لمواجهة العزل الخليجي، كما من شأنه أن يدفع أنقرة للاصطفاف أكثر مع قطر، خصوصا أن مواقف واشنطن ما زالت متباعدة مع مواقف أنقرة ومصالحها، ويضاف إلى ذلك أن إسرائيل التي حاولت أن تبقى بعيدة عن اتخاذ مواقف معلنة تجاه أزمات المنطقة يمكن أن تضطّ ر إلى اتخاذ مثل تلك المواقف.

وبجانب المواقف الإقليمية، فإن انعكاس مفاعيل الأزمة على الداخل القطري لا يمكن استبعادها، خصوصا إذا ما ارتأت المملكة ضرورة دعم تحوّل سياسي داخل الإمارة، ومساعدة توجه سياسي آخر لقيادة دفة الحكم في الدوحة، ومهما كانت حظوظ نجاح مثل هذه الفرضية ضئيلة إلا أنه لا يمكن استبعادها كلّيا من قائمة السيناريوهات، خصوصا أن قطر، تمثل من وجهة نظر الرياض، اختراقا لسياساتها ضمن مجلس التعاون الخليجي.

إن الأزمة الراهنة ستزيد من وتيرة التصعيد الإيراني الخليجي المتبادل، وهو تصعيد قد يمتد خارج ساحات الصرا المألوفة، وقد يطال الداخل الإيراني والسعودي على حدّ سواء، وهو أحد السيناريوهات المحتملة، من أجل خلط الأوراق، ودفع كل طرف للطرف الآخر ليعيد حساباته، وهو السيناريو الذي سيدفع المنطقة لتشهد المزيد من الحرائق، وإلى المزيد من الاعتماد على قوى تعمل بالوكالة، وإذا ما تحقّق مثل هذا السيناريو فهذا يعني أن فرص الحلول السياسية في المنطقة ستتبخّر، وأننا أمام مرحلة مواجهة مفتوحة لا أحد يعلم بنهايتها، وما سينجم عنها من تحوّلات.

قد يعجبك ايضا