أليس في بلاد العجائب المُستعمَلة

هزار مخايل- اللاذقية

 

عندما كنت صغيرةً سحرتني حكايات أليس في بلاد العجائب، ورحت أبحث في بساتين قريتي عن جحر صغير يدخلني إلى ذلك العالم السري الجميل، والمخيف، والقادر على إثارة الفضول.

في الليل أحلم أنني أقفز خلف أرنب مغمضةَ العينين، وفجأةً نختفي معًا في باطن الأرض، لتنفتح عيني على عالم ساحر، شخصياته غريبة، ومتفردة، أصواتها حلوة رنانة، ووجوهها مبتسمة ابتسامات واسعةً تمتد من الأذن إلى الأذن، أو عابسة كما لو أنها لم تعرف الضحك يوماً، عالم جديد بأحجام غير ثابتة، إذ يتغير حجمي بعد كل رشفة من قارورة غريبة، أو قضمة من كعكة عجيبة ليصير مناسبًا للمكان الذي أنا فيه، كنت أعيش كل مغامراتها وأنا نائمة، وكانت الغرابة والجدة هما عنوان الحكاية.

عندما كبرت بدأت أنسى أليس وحكاياتها ومغامراتها، ولكن زياراتي الأولى إلى بالة أوغاريت في اللاذقية أعادت لي تلك الدهشة.
بالة أوغاريت بالة عملاقة تمتد على مساحة واسعة، ترافقك رائحة النفتالين منذ أول خطوة لك في هذا المكان وتظل معك حتى خروجك منه، فلو كانت البالة تملك هويةً شخصيةً لكُتب في خانة العلامات المميزة: رائحة النفتالين. تدخلها من شارع، وتخرج منها إلى شارع آخر، هذا إذا لم تته في مداخلها المتعددة ومنعطفاتها، تدهشك أصوات الباعة، وحركتهم السريعة، والعبارات التي يستخدمونها لجلب الزبائن، مثل: بمية ع البسطة، أي قطعة بالمحل بميتين، قرب يا حباب، لحقي حالك يا حلوة….

دكاكينها متلاصقة، تبدو للوهلة الأولى صغيرة الحجم وضيقة، ولكن كما يحدث في حكايات أليس تُفاجأ بتغير حجمها بعد أن تدخلها، إذ إنّ منعطفًا ضيقًا داخل المحل يفتح أمامك غرفًا واسعةً مليئةً بالملابس والحقائب الأوروبية المستعملة، بعضها مغسول ومكوٍ ومعلّق بترتيب، وبعضها مجموع في سلال كبيرة، أو مكوم فوق بعضه على طبليات خشبية، وطبعاً يختلف سعر الثياب المعلقة عن تلك الموضوعة في السلة، أو على الطبلية، فحتى في البالة هنالك مخصصات لأبناء الطبقة الفقيرة، وأخرى لأبناء الطبقة المتوسطة، أما أبناء الطبقة الغنية فإن البالات التي يقصدونها من نوع آخر، إذ لا يليق بهم أن يُشاهدوا في بالات العامة!

قبل الحرب في سوريا، كان العديد من أبناء الطبقة الوسطى يدخلون إلى البالة كما يدخل اللصوص إلى المنازل، يحاولون التخفي قدر الإمكان، ويحرصون على ألا يراهم أحد من معارفهم، يرتدون القبعات أو النظارات الشمسية، وكما الأطفال الذين يؤمنون بالحكايات الخرافية وقصص قبعات الإخفاء يظنون أنهم فعلاً غير مرئيين، وإذا حدث والتقوا بأحد معارفهم يخترعون آلاف الحجج لوجودهم في هذا المكان (رغم أن من التقوا بهم كانوا في المكان نفسه).

لكن، ومع اشتعال الحرب في البلد تغيرت العديد من مفاهيمنا، وتوسعت رؤيتنا في مختلف المجالات، بالإضافة إلى أن الكثير من الأشياء التي كانت تشكل إحراجًا لنا في المجتمع اختفت، فالحرب تشطب بأقلامها الدامية ما تشتهي، وتكتب على أجسادنا وعقولنا مفاهيمها الجديدة وهي تسخر منا وتضحك بأسنانها الصفراء، ولأن ما خلفته هذه الحرب من دمار وموت وتردّ في الاقتصاد المحلي كان كفيلًا ليس فقط بتغيير المفاهيم والثوابت، بل بقلب شكل الحياة رأسًا على عقب، وكما الكثير من الأشياء التي تغيرت نظرة الناس إليها، بدأ الناس ينظرون نظرةً مختلفةً إلى بضاعة البالة…

وانطلاقاً من الشعور بالنقص أمام الغرب، واعتقادنا (غالباً) بتفوق الأوروبيين علينا، وفي الوقت نفسه عجزنا عن شراء الملابس من السوق بدأنا نتفاخر بشرائنا ألبسة أوروبية مستعملة، ونؤكد أنها مميزة وأقمشتها عالية الجودة، وبدأ يظهر نوع جديد من التصنيف بين الفتيات والنساء على الأخص، حيث يصنفن بين من تجيد البحث في البالة وانتقاء اللقطات من القطع وبأسعار قليلة، وبين من لا تملك تلك المهارة.

لكن مع ازدياد وتيرة العفن الاقتصادي الذي يحيط بنا لم تقف البالة على الحياد، فالبائع الذي كان يصيح: ع الطبلية بمية، أصبح يقول ع الطبلية ب3000، لأنه ببساطة يريد أن يعيش، ويؤمن قوت عائلته، وكما تأقلمنا مع كل الخراب من حولنا، ومع كوننا بحسب أحدث الدراسات والإحصائيات نحتل المرتبة الأولى من بين الدول التي ترزح تحت خط الفقر، تأقلمنا مع ذلك أيضاً.
ولكن، أن نتأقلم مع حاجتنا إلى البالة لنؤمن مكاناً لبيع ملابس موتانا وأغراضهم، لنسد بالمبلغ الذي نتقاضاه رمقنا، فإن ذلك يفضح عمق الحضيض الذي أوصلتنا إليه هذه الحرب، ويؤكد أن غريزة البقاء تبيح كل ما لا يُباح.

قد يعجبك ايضا