أمريكا تتغير.. شاؤوا أم أبوا

جميل-مطرأمريكا تتغير.. شاؤوا أم أبوا

  • الخليج – جميل مطر

اقترب يوم الانتخابات الأمريكية، واقترب موعد اعلان اسم الشخص الذي سوف يتولى الحكم في أهم دولة في العالم. هذه النتيجة، كيفما تكون، لن تغير من واقع التوقعات السائدة، وهو أن أمريكا لن تعود، في ظل أي رئيس قادم، الدولة التي عرفناها.




أقول هذا، وفي ذهني أربع مجموعات من التطورات، رسمت كل مجموعة منها صورة لتغيير جوهري في موقع ما من مواقع الحياة الأمريكية.

أولاً: تغير الكثير من عناصر التوازنات والتحالفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي هيمنت على عمليات صنع السياسة في أمريكا خلال ثلاثة أرباع القرن الماضي. وكتب Chollet، أحد المحللين المحترمين، عن انفراط ما كان يعرف بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، صانع السياسات ومقررها ومنفذها في أمريكا، لمصلحة ما صار يعرف بالمجمع الصناعي الإعلامي السياسي.

يريد المحلل أن يبلغنا أن العسكريين كقوة عظيمة التأثير في صنع السياسة الأمريكية، تنازلوا لتحالف جديد، أو طبقة سياسية من الإعلاميين والسياسيين حلت محلهم في قيادة العمل السياسي الأمريكي. أستطيع أن اقترح توضيح المقصود بطبقة السياسيين الجدد بأنهم الجماعة الأكاديمية – السياسية التي تهيمن الآن على صناعة الفكر السياسي الأمريكي، وتتدخل بصفة مؤسسية وإعلامية وشخصية في كثير من علاقات الدولة الخارجية، وكذلك في بنيتها الداخلية.

أستطيع أيضاً أن اقترح إضافة الطبقة المالية – المصرفية ليحمل اسم «المجمع السياسي الإعلامي – المالي» بديلاً للمجمع الأشهر والمنتهية فيما يبدو صلاحيته، وأقصد «المجمع الصناعي- العسكري».

ثانياً: كان يعجبني في بعض التحليلات التي تناقش انتقال الحكم في أمريكا تعبير يقارب في الشبه بين عملية الانتقال من رئيس إلى رئيس من جهة، وسباقات التتابع في الركض أو السباحة، حين يسعى المتسابق إلى أن يسبق غيره من المتسابقين بهدف أوحد وهو تسليم المهمة التي كلف بها إلى شخص آخر، ليستمر هذا الآخر في تنفيذها بالدقة والسرعة الواجبتين. بحثت في حقيبة الرئيس باراك أوباما التي سوف يسلمها للمتسابق الذي يليه عن مواقف وسياسات يمكن أن يعتبرها أوباما وحزبه «مستدامة» الطابع والمحتوى، بمعنى أنها تفرض على الرئيس القادم تبنيها والتزامها.

تذكرت، وأنا أبحث في الحقيبة، أن رؤساء ما بعد الحرب العالمية الثانية حرصوا على أن يكون في حقائبهم سياسات تضمن استمرار الحصار المفروض على الاتحاد السوفييتي، واستمرار تدفق المعونات على غرب أوروبا بهدف إنعاشها في وجه الزحف الشيوعي، واستمرار دعم «إسرائيل». كل من هذه المجموعات من السياسات لم يقصر رئيس من رؤساء النصف الثاني من القرن العشرين في الالتزام بها واحترامها، أياً كان الحزب المنتمي إليه.

أعود إلى حقيبة أوباما استكمل البحث فيها كما بحثت في حقائب أسلافه في عصر الحرب الباردة، لأجد ما يلي: جيوش أمريكية في خارج البلاد أقل عدة وعدداً من أي وقت سابق، ولأجد أيضاً أمريكا وقد حققت لأول مرة في تاريخها أقرب شيء ممكن إلى وضع الاستقلال في مجال الطاقة، وجدت فيها أيضاً حزمة سياسات تعكس شفافية غير مألوفة في استخدامات أسلحة القتل المباشر والدقيق، مثل اغتيالات قادة الإرهاب، كما حدث مع ابن لادن وغيره، ومثل غارات طائرات الدرون، أي الطائرات من دون طيار.

ثالثاً: لم يحدث على هذا النحو، أو بهذه القوة أن ترشح مواطن أمريكي لمنصب الرئاسة وهو في الأصل غير منتم فعلياً، أو بالولاء لحزب من الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي، ثم يدخل هذا المواطن حلبة الصراع على المنصب مدفوعاً بقوة تمرد عاتية على منظومة السياسة الأمريكية، أو برغبة عارمة لتمرير برنامج أو مشروع تغيير إصلاحي، يشمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة.

واقع الأمر هو أن المرشحين المتمردين، وهما ساندز وترامب، يدركان أنهما يتمردان، ليس على قادة سياسيين حزبيين، ولكنهما في الوقت نفسه يتمردان على الآباء المؤسسين أنفسهم، هؤلاء الآباء هم الذين صاغوا المبادئ والأسس التي بنى عليها من جاء بعدهم من السياسيين قواعد العمل الحزبي وأسس الترشيح. بمعنى آخر وضعوا الشروط الواجب توافرها في من يترشح ومن يحكم. لقد وضع الآباء المؤسسون النظام الذي يكفل عدم وصول «غوغائيين» إلى مشارف الحكم، وعدم الاعتماد على «أهواء الشعب»، بل العمل بكل جد واجتهاد لتقليل فرص أن يكون للشعب دور «مهم» في صنع السياسة، وأن يخضع اختيار الحكام للطبقة السياسية نفسها، وليس لعامة الشعب.

أخلص من سرد هذه التطورات إلى إعلان اقتناعي بأن السباق الجاري حالياً في الولايات المتحدة هو أقرب إلى أن يكون صراعاً بين قوى التغيير وقوى الاستدامة والاستقرار. هو صراع بين طبقة سياسية من جهة، لا لون لها في الأغلب، تتمسك بامتيازاتها وبحقها التاريخي في «تحريك» القادة السياسيين والمسؤولين في دوائر الحكم، سواء من المشرعين أو التنفيذيين المنتخبين، أو الحكام المحليين، وبين قطاعات واسعة متمردة على هذا الوضع، وعلى احتكار السلطة والنفوذ من جانب عدد محدود من الأشخاص، أو العائلات، أو جماعات الضغط.

سمعت من يقول، وهو ليس بما يقول بعيداً تماماً عن الحقيقة، إن فوز ترامب سوف يعجل بسقوط الطبقة السياسية التي تتحكم في النظام الحاكم، وما يمكن أن يتسبب به هذا السقوط من تداعيات هائلة. أما إذا فازت كلينتون فسوف يفسر نجاحها بقوة صمود الطبقة السياسية، وبما يعني امتداداً آخر في عمرها. الأمر لن يكون بهذه البساطة، فالتعقيدات تحيط بهذا التفسير من جوانب عدة، أهمها من وجهة نظري، حقيقة أن فوز هيلاري سوف يظل مشروطاً بالاعتراف بأن الاستقرار الذي تعد به لن يتحقق إلا بالاستجابة لمطالب السيناتور برني ساندرز الاجتماعية والاقتصادية. هذه المطالب هي في الوقت نفسه مطالب قطاعات واسعة من الشباب والفئات المحرومة وفئات مثقفة، ومطالب قوى «ثورية» لا تزال خجولة، ولكن تظل حريصة على ضرورة التغيير.

قد يعجبك ايضا