إخوان الصفا .. وفلسفة الحب

الاتحاد برس

 

“إخوان الصفا” هم جماعة من الفرق الإسلامية التي ظهرت في مدينة البصرة في القرن العاشر للميلاد، عبر الإخوان عن فلسفتهم من خلال رسائل وآثروا التكتم حول كلّ ما يكتبون، بلغ عدد رسائلهم إحدى وخمسين رسالة، مقسمة على أربعة أجزاء يبحث كل جزء منها في صنف من أصناف من العلوم الطبيعية والجغرافيا والظواهر الميتافيزيقية.

 

النفس الفارغة إلا من معشوقها!

وضع إخوان الصفا رسالة تحت عنوان “ماهية العشق” وكتبوا في مطلعها: “نريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفاً مما قاله الحكماء والفلاسفة في ماهية العشق، وكيفية نشوئه ومبدئه”.

قالت ثلة من القدماء أن العشق فضيلة إلهية، لأهله محاسن لا تعد ولا تحصى، بينما قال آخرون أنه جنون إلهي أو مرض عقلي يصيب الأنفس الفارغة، وقد فند إخوان الصفا هذه المزاعم جميعها وكتبوا فلسفة جديدة في العشق.

يقول الإخوان أن العشق إذا ترك النفس فارغة من كلّ هم إلا معشوقها، فهذا لا يعني أنه أمر باطل، وكل من قال أن العشق جنون إلهي قاله لعجزه عن مداواة المصاب به، وهو شخص لا خبرة له بالأمور الخفية وأسرار المشاعر وتجليات الحواس.

وردّ إخوان الصفا العشق إلى أسباب وأشكال عدة، وعرفوه على إنه إفراط في المحبة وميل شديد إلى نوع من الموجودات دون سائر الأنواع، وإلى ذكر أو أنثى دون غيرهم من بني آدم، وقالوا أنه في أشده شوق للاتحاد مستشهدين بهذه الأبيات لشاعر مجهول الهوية:

أعانقها والنفس بعدها مشوقة                            إليها، وهل بعد العناق تداني؟

وألثم فاهاً كي تزول صبابتي                              فيزداد ما ألقي من الهيمان

كأن فؤادي ليس بشفى غليله                           سوى أن يرى الروحين يمتزجان

 

يختلط ريقهما .. ويصل القلب فيصبح الاثنان واحداً

ظنّ إخوان الصفا بتأثير النجوم على العشاق، وقسموا النفس إلى ثلاث، وأضافوا أن لا أحد من الناس يخلو من هذه الثلاث ولو أنها أشد في واحدهم دوناً عن الآخر، فمن كان أصل مولده القمر أو الزهرة أو زحل تغلب على طبيعته النفس الشهوانية نحو الطعام والشراب وجمع المال، وإن كان أصل مولده المريخ أو الزهرة تغلب على طبيعته شهوة الجماع والعشق،  وإذا كان الشمس فالغالب سيكون شهوة نفسه إلى القهر والسلطة.

ولأن كاتب الرسالة لا يقدر على تفسير تغير أحوال العشاق بعلّة ثابتة راجعة إلى يوم ميلاده، فيقول أن تغير أشكال العشق هو تغير حركة الفلك ومراكز النجوم.

تحكي رسالة إخوان الصفا عن الحب الأفلاطوني، أي حب الأستاذ لتلميذه على أنه نتاج أوضاع حضارية ولا يقوم في غير الحضارة، أما حب الرجال للنساء فهو أمر مركوز بأضعف الحيوانات وغايته بقاء النسل، بينما حبّ الغلمان هو محاولة لبلوغ الغايات المقصودة بهم.

عدّ إخوان الصفا حبّ الرجال للنساء أثر من أثر النجوم في منازلها ومساراتها، فإما أن تتفق الأرواح ولا يجد العاشق بداً من أن يحبّ معشوقته، وإما أن تكون لأحدهما منفعة في الآخر وتكون هي السبب في الصداقة والمحبة، وإما لحزن أو فرح فيفرحان لسبب واحد أو يحزنان لسبب واحد، فيُخلق الودّ بينهما.

وقد جعل الإخوان في الرسالة ريق المعشوق أثناء القبل يختلط بريق المعشوقة، ويتحول في معدتهما إلى جزء من البدن يؤثر في سائره ويصل إلى القلب حتى يصبح الاثنين واحداً.

ويعد إخوان الصفا ممن أضافوا الكثير إلى مكتبة العرب فيما يتعلق بنظرية الحبّ، النظرية التي بقيت عربية في صميمها ولم تقتبس من هنا أو هنالك، كما أنها وُضعت على يدّ فقهاء وصلوا ما وصلوا إليه بعد تأملهم تجارباً بشرية كانت بمثابة قاسم مشترك بين العديد من الناس.

 

 

المراجع:

– حسين السيد حسين، تاريخ الحضارة العام، 2019

– محمد حسن عبدالله، الحب في التراث العربي، 1980

قد يعجبك ايضا