التعزيزات العسكرية لن تغير الاستقرار النسبي في إدلب على المدى المنظور

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

رغم الخروقات المتكررة من قبل أطراف الصراع، لا تزال جبهة إدلب هادئة نسبيًا على وقع التوافقات الروسية التركية التي حدثت منذ آذار الماضي.

تدفع الأطراف المتصارعة بالمزيد من التعزيزات إلى مواقعها في المنطقة، بينما يتطاير في الأجواء حديث عن عملية عسكرية مرتقبة للقوات الحكومية لقضم مزيد من الأراضي.

آخر التعزيزات العسكرية وصلت وصلت أمس الأحد من قبل القوات الحكومية والمسلحين الموالين لها، إلى مناطق ريفي خان شيخون ومعرة النعمان في إدلب الجنوبي. تعزيزات قوامها عتاد عسكري وعربات “زيل” محملة بالجنود والمدافع الثقيلة، إضافة إلى حافلات عسكرية توزعت في معسكرات القوات الحكومية في قرب مناطق الفصل.

تحركات دمشق سبقها تعزيزات تركية متتالية إلى مواقعها في منطقة “خفض التصعيد” في إدلب، آخرها كان 9 سبتمبر الحالي، عندما دخل رتل عسكري تركي من معبر “كفرلوسين” شمال إدلب، نحو منطقة “خفض التصعيد” مؤلف من 15 آلية بينها ناقلات جند ومصفحات وشاحنات، اتجه نحو النقاط التركية في منطقة إدلب.

لقد أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان عدد عدد الآليات التركية التي دخلت الأراضي السورية منذ بدء وقف إطلاق النار الجديد وبلغت 6315 آلية، بالإضافة لآلاف الجنود، كما ارتفع عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت منطقة “خفض التصعيد” خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر فبراير/شباط 2020 وحتى 9 سبتمبر، إلى أكثر من 9650 شاحنة وآلية عسكرية تركية دخلت الأراضي السورية.

تصاعد القتال في إدلب تزامنًا مع استقدام تركيا أرتالًا عسكرية جديدة
تصاعد القتال في إدلب تزامنًا مع استقدام تركيا أرتالًا عسكرية جديدة

قد لا يعدو الدفع بالتعزيزات أكثر من عمليات استعراض عضلات، أو تثبيت نطاق سيطرة وتثبيت فضاءات المجال الحيوي القريبة، في ظل التوافقات الأخيرة التي حدثت بين موسكو وتركيا إثر زيارة الوفد التركي إلى موسكو  31 آب/أغسطس وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب.

ولا تخرج زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى جانب وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق لأول مرة منذ 2012 عن إطار تثبيت الاتفاقات ولاسيما مع اعتراف وليد المعلم صراحة باللجنة الدستورية أنها تمثل السلطة من خلال قبوله بما يخرج عنها مع المعارضة في مشروع كتابة الدستور. هذه الخطوة الروسية كانت محط أنظار العالم ونتج عنها وفق التصريحات، إشادة لافروف بالاتفاقات الروسية – التركية في إدلب، وقال إنها “تسير نحو التطبيق، على الرغم من أنّ ذلك يجري ببطء”.

لكنّ انزلاق الأمور لمواجهة عسكرية يبقى أمرًا واردًا بسبب “عدم قدرة” تركيا على ضبط الجماعات الرديكالية وتأمين طريق m4  الاستراتيجي، ورقة جاهزة دائما للعب على طاولة المفاوضات، لذا تبقى الجبهة جاهزة للتحريك الخفيف وهو ما يحصل عند استهداف الدوريات المشتركة بين موسكو وتركيا بشكل متكرر، وعلى المقلب الآخر تتعرض النقاط العسكرية التركية لهجوم متكرر من قبل الجماعات الراديكالية “رفضًا” لاتفاق وقف إطلاق النار الروسي التركي.

في نهاية آب تعرضت للهجوم  إحدى النقاط العسكريّة التركية في منطقة “مرج زهور” جنوبي مدينة جسر الشغور، على طريق m4 وتبنت جماعة مسلّحة مجهولة تطلق على نفسها اسم “أنصار أبي بكر الصديق”.

العمليّة جرت عبر استهداف تم بسيّارة مفخخة فتبدو الأوراق مختلطة والعمليات خلف خطوط العدو تمثل جهدا استخباراتيا من كلا الطرفين التركي ونظام الحكم في دمشق، فيما تواصل القوّات التركيّة استنفار قوّاتها على الطريق الدولي حلب – اللاذقيّة.

في 6 أيلول/ سبتمبر  شن مسلحون هجومًا على تجمع للقوات التركية في قرية “معرترمة” بريف إدلب الجنوبي. أسفر عن مقتل جندي تركي وإصابة آخرين بجروج.

يتهم ناشطون “هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة” سابقًا بالوقوف وراء تشكيل مجموعات ك ” أنصار أبي بكر الصديق”، لمهاجمة النقاط التركيّة والدوريّات العسكريّة المشتركة بين روسيا وتركيا، ولا سيما أن مجموعات من الهيئة الرافضة للاتفاق التركي الروسي  كانت قد هدّدت في وقت سابق القوّات التركيّة والروسيّة التي تحاول الاقتراب من مناطق شمال غربي سوريا.

قضى الاتفاق “تركي – روسي” منذ شهر آذار/ مارس الماضي بوقف إطلاق النار وتسيير دوريات مشتركة على طريق “M4” بإدلب، ومؤخراً تصاعدت الخروقات الروسية للاتفاق من خلال قصف الأحياء السكنية بريف المحافظة جواً وبراً، واستقدام تعزيزات إلى نقاط التماس مع الفصائل.

الخروقات المتكررة لاتفاقيات التهدئة في شمال غرب سوريا ليست بالثقل الذي يغير التفاهمات والواقع المثبت على الأرض في اتفاق خفض التصعيد، على الرغم من سيناريوهات المناوشات والردود من قبل القوات الحكومية وقصفها البري على قرى وبلدات ريف إدلب. لقد استهدفت أمس الأحد بالمدفعية الثقيلة قريتي فليفل والفطيرة، كما قصفت قرية سرجة ومواقع أخرى في جبل الزاوية بريف إدلب، دون ورود معلومات عن خسائر بشرية حتى الآن في حسابات قبول ورد ضمن الهوامش المسموحة للطرفين بما لا يزعزع الاتفاقات.  نرى هذه الردود مؤخرا بقصف قوات دمشق مئات القذائف المدفعية والصاروخية قرى وبلدات الفطيرة وكفرعويد وسفوهن وكنصفرة والبارة وشنان وفليفل وبينين في ريف إدلب، ومناطق أخرى في سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي، بينما قصفت “هيئة تحرير الشام” النصرة سابقًا، مواقع للقوات الحكومية على محور حزارين بريف إدلب الجنوبي، دون معلومات عن خسائر بشرية. يرى مراقبون أنها عمليات جراحية دقيقة بموافقة روسية تركية لتصفية الجهاديين المتشديين.

تركيا تعتبر إدلب خزانًا بشريًا ولا تهتم للمهجّرين

 

تركيا التي احتلت إدلب لم تفِ بوعودها، عندما قالت أن اقتحامها لشمال غربي سوريا هو بهدف حماية المدنيين من هجمات النظام السوري، وإلى الآن لازال قسم كبير من أهالي إدلب يعيشيون في الخيام خارج بيوتهم التي تهجروا منها في مخيمات على الحدود التركية.

في الآونة الأخيرة، ضاق الأهالي ذرعًا بالوعود الكاذبة، وتظاهر العشرات في 11 سبتمبر أمام النقطة التركية الواقعة في بلدة المسطومة جنوبًا للمطالبة بالإيفاء بوعودها بطرد القوات الحكومية من المناطق التي سيطرت عليها في الآونة الأخيرة لعودة المهجرين إلى قُراهم وبلداتهم.

 

بالتزامن مع ذلك، خرجت تظاهرة في ساحة الساعة بمدينة إدلب، تحت شعار “الثورة ما ماتت”، تأكيدًا على استمرارية “الثورة السورية” حتى تحقيق أهدافها من إسقاط  نظام البعث الحاكم  إلى إطلاق سراح المعتقلين بالإضافة لتأكيد المتظاهرين على حقوق عودة المهجرين إلى ديارهم في كافة الأراضي السورية، تزامنا مع تظاهرة مدينة إدلب، خرجت تظاهرة مماثلة لها في مدينة سرمدا قرب الحدود السورية مع لواء اسكندرون شمالي إدلب.

لا تهتم تركيا لأمر المدنيين أصلًا إن عادوا إلى بيوتهم أم لا، لأنها تعتبر إدلب خزانًا بشريًا لرفد عملياتها العسكرية وأطماعها في مختلف مناطق العالم، كان آخرها  أنباء مسربة عن قيام تركيا بالإعداد والتحضير لإرسال عناصر من “الجيش الوطني” للمشاركة في عملياتها المحتملة ضد جارتها اليونان بعد أن زاد التوتر بينهما على خلفية محاولات التنقيب عن النفط قبالة الشواطئ اليونانية. سبقها إرسال تركيا المزيد من المرتزقة السورين إلى ليبيا واليمن وغيرها.

الوضع في إدلب سيبقى مستقرًا على المدى المنظور رغم التعزيزات من أطراف النزاع، ومشكلة “المتطرفين” تسعى تركيا لحلها مع روسيا عبر نقلهم إلى جبهات قتال أخرى كليبيا واليمن واليونان.

قد يعجبك ايضا