إسرائيل وحزب الله .. هل من حرب وشيكة؟

إسرائيل وحزب الله .. هل من حرب وشيكة؟

في الآونة الأخيرة بدا شبح حرب وشيكة بين إسرائيل و “حزب الله” يخيم على تحليلات مراقبين وأوساط سياسية وإعلامية وبحثية. ويبدو أن الحديث الذي انطلق بداية في أوساط إسرائيلية يعكس في حقيقته قلقاً إسرائيلياً متنامياً حيال التطورات التي تجري في المنطقة.




بالرغم من محاوف إسرائيل حول تنامي قدرات “حزب الله” العسكرية، لا سيما الصاروخية منها، إلا أنه لا يمكن عزل احتمالات وقوع تلك الحرب عن الصراع الدائر بين إسرائيل وإيران بشأن برنامجها النووي، وقلق إسرائيلي من تنامي النفوذ الإيراني في سورية، وتواجدها قرب الحدود، ناهيك عن دورها السياسي المتعاظم الذي تقوم به في رسم المستقبل السوري.

منذ آذار 2011 التزمت إسرائيل سياسة إطالة أمد الحرب السورية، مستفيدة من سورية ضعيفة ومن استنزاف لإيران وذراعها العسكري والسياسي والأيديولوجي ممثلة بـ “حزب الله” اللبناني. وأكدت إسرائيل غير مرة تمسكها بخطوطها الحمراء، وعلى رأسها منع تمركز قوات ايرانية وقوات لحزب الله جنوب غرب سورية، والحيلولة دون استخدام الأراضي السورية لنقل أسلحة إلى الحزب.

التفاهمات العسكرية بين بنبيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سبتمبر/أ]لول 2015، كانت فرص لتكثيف غارات الطيران الإسرائيلي التي تستهدف قافلات تنقل أسلحة لـ “حزب الله” عبر الأراضي السورية، من دون أن تتكلف عناء إعلان المسؤولية عنها. ومع انطلاق محادثات أستانة والتفاهمات التي بدأت تتمخض عنها، بدا أن مرحلة رسم مستقبل سورية قد بدأت وشعرت إسرائيل بالحاجة لإعادة تقييم سياستها، ولا سيما وأن محادثات أستانة تمنح إيران مكانة رسمية واعترافاً بدورها في سورية، وتوفر لها غطاء لتكريس وجودها العسكير على الأراضي السورية. وهناك مخاوف جدية إسرائيلية من طموحات إيرانية لبناء قاعدة بحرية في اللاذقية على المتوسط، وهو الأمر الذي لم يلق معارضة روسية وبالإضافة إلى العلاقات التركية الإسرائيلية المتوترة، غابت الولايات المتحدة الأمريكية عن أستانة كشريك يضمن المصالح الإسرائيلية.

من جهة أخرى لا يمكن عزل أي تطور عسكري يطرأ على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية عن التطورات التي تطرأ على مواقف الإدارة الأمريكية حيال إيران، وفرص حدوث صدام عسكري في مضيف هرمز والخليج العربي. فمنذ توليه الرئاسة، أعلن دونالد ترامب أن إحدى أولوياته هي تقليص نفوذ إيران في المنطقة. ومع إحياء الإدارة الأمريكية الجديدة سياسة الخطوط الحمراء، التي تراجع عنها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وبعد قصف مطار “الشعيرات”، تم إبرام اتفاق مناطق تخفيف التصعيد” بمبادرة روسية استجابة لضغوط أمريكية بهذا الِان. لكن الخط الأحمر الحقيقي أميركيا كان التمدد الإيراني، فتسعى الإدارة الأمريكية إلى إنهاء النفوذ الإيراني في سورية، وفرض سيطرتها على الحدود السورية العراقية، عبر تأمين الدعم اللوجستي لبعض الفصائل المعارضة في البادية، لا سيما “جيش مغاوير الثورة”، الذي تسانده قوة أمريكية وبريطانية. وفي هذا السياق أيضا، تأتي الضربة الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية ضد قوات النظام السوري، وميليشيات إيرانية مساندة لها، على طريق دمشق بغداد، وقرب الحدود السورية القريبة من العراق والأردن.

في المقابل، فإن إيران، التي تسعى لتأمين الدعم العسكري اللازم لتدخلها العسكري عبر طريق بري آمن، قرأت الرسالة بتمعن وجدية، ومع استشعارها أن تغيرأً في قواعد اللعبة قد بدأ مع الإدارة الأمريكية الجديدة، كشف “حزب الله” لأول مرة منذ حرب تموز 2006 عن انتشاره العسكري جنوبي الليطاني، من خلال جولة نظمتها العلاقات الإعلامية في “حزب الله” للإعلاميين على طول حدود لبنان الجنوبية، شاهدوا فيها عند موقع “حانيت”، قرب بلدة “علما الشعب”، عدداً من مقاتلي الحزب، بأسلحتهم الكاملة، يتخذون مواقع قتالية مموهة في أحد الوديان، بالقرب من الحدود مع إسرائيل، ما يعني خرقاً للقرار 1701، في رسالة مفادها أن الحزب على استعدات لإسقاط القرار الأممي، إذا ما تم المضي في تغيير قواعد اللعبة في المنطقة أكثر من اللازم. لم يجد الجانب الإسرائيلي في هذا الخرق ذريعة كافية لشن حرب. ورغم أن مصلحة نتنياهو تبدو في استثمار نوايا ترامب، وتحويلها إلى فرصة مدروسة للانقضاض على الحزب، فمن المستبعد في المنظور القريب أن تشن إسرائيل حربا ضد “حزب الله”، إذ أن المصلحة الإسرائيلية الحالية، والأقل كلفة، هي المضي وراء سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة، ودعم مساعيها في تقليض النفوذ الإيراني، مع أن تترك لنفسها حرية المبادرة في التحليق في الأجواء السورية، وقد تعفي حرب قد تنشب في مضيف هرمز والخليج العربي إسرائيل من شن حربها منفردة. مؤخراً بحثت إيران عن طرق للإمداد في سورية، تجنبها أي احتكاك بالقوات الأمريكية، وبالرغم من تأكيد أمين عام “حزب الله” أن المواجهة المقبلة مع إسرائيل ستكون داخل أراضيها، إلا أنه هوّن من احتمال اندلاع صراع وشيك. يبدو أن قرار الحرب المقبلة لا يتوقف على الجانب الإيراني و “حزب الله”، ولا ممارستهما للغة التصعيد الخطابي، بقدر ما يرتبط بالتحولات في السياسة الأمريكية الجديدة، ومدى تمسك إسرائيل بسياسة خطوطها الحمراء. في المقابل فإن أي حرب مفتوحة، غير مضمونت النتائج، في منطقة تعاني حالة استعصاء حاد، وتتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، لا تعزز المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ولا يبدو أن واشنطن وتل أبيب ستبادران إلى شن الحرب إلا في أشد الظروف إلحاحاً. أم السيناريو الأكثر خطراً فيتمثل في اندلاع حرب جراء خطأ في الحسابات، وسوء تقدير للخطوط الحمراء إسرائيليا وأمريكياً، فتمضي إيران وحزب الله في استثمار الدور الروسي في سورية متجاوزة الخطوط الحمراء، الأمر الذي قد يشكل استفزازاً لإسرائيل ويدفعها إلى الرد بشكل غير متوقع كما حدث في حرب العام 1967. أو قد يتكرر سيناريو العام 1950، حين اندلعت الحرب بين الكوريتين، بسبب سوء تقدير كوري شمالي وسوفياتي للخطوط الحمراء الأمريكية.

من العدد الرابع لـ “رؤية أسبار”
مركز أسبار للدراسات والبحوث

قد يعجبك ايضا