إقليم قره باغ.. من انتصر؟

 

قراءة في الاحداث

 

أحداث اليوم لا تختلف كثيراً عن أحداث الأمس ومن الواضح للعيان أن دور تركيا المعاصرة يكبر ويتقدم باتجاه ثلاث محاور تماماً كما كان الحال في أوج الإمبراطورية العثمانية مع فرق كبير في الإمكانيات والموارد والعقيدة، فلا يمكن على الإطلاق تشبيه أو مقارنة وضع تركيا اليوم مع وضعها أيام التفوق العثماني…

  • المحور الأول التقدم باتجاه الجغرافيا العثمانية السابقة بشكل مباشر.
  • المحور الثاني يكمن في تنمية الخط القومي التركي بشكل متسارع.
  • المحور الثالث السعي وراء تسيد العالم الإسلامي بشكل واضح.

ليس خفياً على أحد انها تسخر كل مواردها الاقتصادية والسياسية والإعلامية بهدف إبراز نفسها على أنها مستقلة القرار وأنها قائداً وحيداً لتلك المحاور.

مع الأخذ بعين الاعتبار، أنه منذ قرون وبريطانيا تضع كل دهاؤها وعزيمتها ونفوذها لدعم الخلاف و تشجيع الحروب العثمانية الروسية، وكانت المستفيد الأول من تلك الحروب التي أدت في النهاية إلى هزيمة وتفكيك الإمبراطورية العثمانية وانتصار الإمبراطورية الروسية.

فتركيا تتقدم نحو آسيا الوسطى و القوقاز أي نحو دول الاتحاد السوفيتي السابق ( أذربجيان، أوزبكستان، قرقيزيا، كازخستان، تركمانيا، جورجيا)، ومن الواضح أن هذا التقدم لا يتعارض مع المصالح الغربية، فالغرب يريد من تركيا أن تلعب دور المستفز ليس لروسيا وحدها وإنما للصين أيضاً، فكما هو معروف هناك في الصين مواطنين تعتبرهم تركيا وهم يعتبرون أنفسهم أنهم جزء من الشعوب التركية.

ما يعني أن روسيا والصين غير مطمئنّتان لهذه التحركات وخاصة أن الحكومة التركية تقدم نفسها على أنها من الممكن أن تتصرف بشكل عدواني ضد المصالح الصينية أيضاً.

استقلالية القرار التركي

وفي سياق استقلالية القرار التركي من عدمه لابد من الإشارة إلى وقائع لا يمكن نكرانها ولا ينتبه لها معظم المتابعين للشأن التركي.

  1. “ريتشرد مور” المتربع اليوم على رأس جهاز المخابرات البريطانية الخارجية M6 كان سفيراً لبريطانيا في تركيا و يتكلم اللغة التركية بطلاقة و كان قد قال عندما كان سفيراً وباللغة التركية (المطلوب لبريطانيا تركيا قوية).
    ومن المعلوم حسب الوقائع التاريخية فإن بريطانية ولعدة مرات قد قامت بدق آسافين الخلاف بين تركيا وروسيا لإستخدام هذا الخلاف مستقبلاً والقيام بإضعاف الطرفين في آن واحد.
  2. الشخصية التي أتت مع وزير الدفاع التركي آكار إلى اذربجيان أثناء حرب (قرة باغ ) كانت قائد القوات البرية ومن المعروف أن هذا القائد كان قد درس في المعهد الملكي للقوات البرية البريطانية، وبعدها كان قد عمل كملحق عسكري لتركيا في بريطانيا.
    وهناك كما يقول بعض المراقبين في أذربجيان شخصيات عسكرية تركية أذكر منهم “شيريف اونفاي” قائد الجيش التركي الثالث وأيضاً هذا الجيش يتبع للقوات البرية..

مصلحة تركيا ام مصلحة بريطانيا؟

كل ما سبق يقودنا لنفهم أن هذا التشابك بين الشخصيات التركية التي أتت إلى أذربجيان لدعم الجيش الأذري وللتساؤل هل أتت لفعل ذلك لمصلحة تركيا أم لمصلحة بريطانيا ؟؟

الجواب برأيي لمصلحة الطرفين ففي هذا الوقت بالذات التقت المصالح التركية مع المصلحة البريطانية.

وأيضاً علينا أن لا ننسى أن أحد نواب وزير الدفاع التركي آكار هو “البسلان اوغلو” وكان قد درس أيضاً في بريطانيا واليابان وهذا الاختيار لنائب وزير الدفاع يجب عدم إغفاله لأن ترابط اليابان وبريطانيا مع تركيا يخلق لنا حالة جديدة من المحاور الجديدة (في بداية تكوينها) وخصوصاً بعد ملاحظاتنا كيف تروج تركيا للتشابه بين المفردات اللغوية التركية واليابانية.

من الواضح أن تركيا ودون أدنى شك تبحث لنفسها عن دور أكبر على خارطة العالم وعلى تواجد أكبر وخصوصاً في هذا الوقت بالذات في منطقة القوقاز بداية من أذربجيان.

وكلنا لاحظنا كم كانت التصريحات الروسية والتركية و على لسان أرفع شخصيات البلدين من بوتين وأردوغان وصولاً إلى تصريحات النواب و المهتمين في الشؤون الروسية والتركية حادة و متضاربة وكم الإصرار التركي على إدخالها في اتفاق وقف اطلاق النار كطرف ضامن.

وأن يكون لها دور رسمي وتواجد لقوات تركية كقوات حفظ السلام الروسية، لم تعطها روسيا إلا اتفاق ترضية ثنائي ينص على قبول روسيا تواجد مراقبين أتراك في مركز مراقبة يكون على الأراضي الآذرية و لا يحق لهم الدخول إلى المناطق التي بقيت خارج سلطة أذربجيان بعد إعلان (موسكو) حول وقف إطلاق النار باتفاق ثلاثي يضم أرمينيا أذربجيان وروسيا و دخول قوات حفظ سلام روسية فقط إلى إقليم (قرة باغ ).

نتائج الحرب..

هل ربحت روسيا ام خسرت؟

السؤال هنا هل ربحت روسيا أم خسرت؟. برأيي الشخصي روسيا ربحت لأن تركيا كانت موجودة في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد هذا الاتفاق روسيا استعادت جزء من نفوذها الذي فقدته في تسعينيات القرن الماضي، أضف إلى ذلك أنها استطاعت تجميد منطقة ساخنة على حدودها ناهيك عن الخارطة العسكرية لتواجد القوات الروسية في منطقة القوقاز.

وبطبيعة الحال لا يمكن إغفال أن تركيا قد تستطيع عقد اتفاق مع حكومة إلهام علييف في آذربجيان ينص على تعاون عسكري مشترك، فهما دولتان ذات سيادة.

ولكن الأمر الأكيد أن روسيا لن تسمح بعد اليوم لأي طرف بالاعتداء على ما تبقى من إقليم قره باغ، فقد حصلت على الورقة القانونية التي تخولها الدفاع عن الإقليم على أقل تقدير لخمس سنوات قادمة قابلة للتمديد.

ما يعني أن الحرب قد تنفجر عندها من جديد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق دائم للسلام والذي لا يمكن لأي قوة على هذه الأرض سوى روسيا لأسباب عديدة أهمها موقعها الجغرافي و موقفها المحايد وامتلاكها للقوة العسكرية المطلوبة  لتلك المهمة.

خاتمة

استخدامي لمثال أزمة قره باغ لتوضيح الارتباط التاريخي في العلاقات والتدخلات التي أدت الى حروب دموية راح ضحيتها ملايين البشر، فكل الحروب العالمية الكبرى بدأت بعد استفزازات صغيرة وتحولت لحروب غيرت وجه العالم.

 

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس
قد يعجبك ايضا