الأرقام القاتمة للاقتصاد التركي لن تثني أنقرة عن تحركاتها الجيوسياسية الخطرة

الاتحاد برس_ حنين جابر 

 

تتعمق الأزمة في الاقتصاد التركي بالتزامن مع ذروة أزمة كورونا والتوترات الجيوسياسية التي تثيرها مع جيرانها، لتنعكس آثارها في ارتفاع الأسعار وارتفاع معدلات التضخم وآخرها في ارتفاع معدلات البطالة.

تحاول تركيا عبر سياساتها الخارجية أن تعيد دورها الجيوسياسي أيام الأمبراطورية العثمانية، وأن يكون لها كلمة الفصل في مجالها الحيوي، وأبعد من ذلك، إلى إفريقيا القريبة من أوروبا، إذ تشكل أداة ابتزاز جديدة تضاف إلى الأدوات الأخرى كمشكلة تدفق اللاجئين، ولنا مثال حي حين استطاعت تركيا استخدامها مسبقًا.

لم يعد من أولويات تركيا الانضمام لأوروبا التي لم تقبلها، في حين تحولت إلى تحقيق حلمها القديم  في إعادة أمجاد الأمبراطورية العثمانية، الأمر الذي يكلفها فاتورة غالية تنعكس على اقتصادها.

تقارير كثيرة توقعت الأسوأ لتركيا في اقتصادها جرّاء السياسات الخارجية العدائية للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، وما يرافقها من تمويل لأذرعه في الدول التي يتدخل فيها، إضافة إلى الإغلاق العام الناجم عن تفشي فيروس كورونا.

توفير المصاريف على إمدات الطاقة لصرفها في تحقيق استراتيجية طورانية توسعية جديدة، كان بإعادة تركيا تجديد مساعهيا في عمليات التنقيب في المتوسط والبحر الأسود حيث حصدت اكتشاف في البحر الأسود لم يلب توقعات كما نشرت وكالة متخصصة على عكس ما صرّح الرئيس أردوغان. رفد الاقتصاد التركي المتراجع من خلال مكتشفات التنقيب أمر جوهري للشعب التركي ولكنه يبلغ أقصاه بالنسبة للطورانيين الجدد لاستمرارهم في بسط نفوذهم بالقوة والانفاق على التسليح، في لبيبا وسوريا واليمن ولاسيما بعد ما خلفته أزمة كورونا، التي عصفت أصلًا بمختلف اقتصاديات العالم، ضمنها تركيا.

ينكر النظام التركي  أنّ الاقتصاد على حافة الانهيار، مدعيًا تعافي الاقتصاد، وهو ماجاء على لسان الرئيس التركي في 7 سبتمبر الحالي بأنّ المؤشرات الاقتصادية تظهر أن تركيا ستنهي العام على نموٍ إيجابي. فيما يبدو انفصال عن الواقع أو محاولة لتكذيب التقارير الصادرة ذات الصلة.

تصريحات وردية وأرقام قاتمة 

 

رغم التصريحات الوردية، كانت الأرقام قاتمة، خفّضت موديز قبل أيام، التصنيف الائتماني لتركيا من B1 إلى “B2” ، قائلة إن نقاط الضعف الخارجية للبلاد ستتسبب على الأرجح في أزمة في ميزان المدفوعات وإن مصداتها المالية آخذة في التناقص.

قالت وكالة التصنيف الائتماني في بيان الجمعة “مع تزايد المخاطر التي تهدد الوضع الائتماني لتركيا، يبدو أن مؤسسات البلاد لا تنوي أو لا تقدر على التعامل بشكل فعال مع هذه التحديات”، وأبقت موديز على النظرة المستقبلية للبلاد عند سلبية.

قفز العجز التجاري التركي وفق وزارة التجارة من 170 بالمئة إلى 6.31 مليار دولار في أغسطس، إذ جعلت انخفاضات غير مسبوقة في قيمة الليرة المواطنين يهرعون إلى شراء الذهب وعلى خلفية مخاوف حيال نضوب عملات الاحتياطيات الأجنبية.

 

في حين، تتجه احتياطيات تركيا نحو النزول منذ سنوات، لكنها الآن عند مستوى هو الأقل في عقود كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي بسبب محاولات البنك المركزي غير الناجحة الحفاظ على تماسك الليرة منذ بداية 2020.

شهدت السوق التركية زيادات كبيرة في أعداد العاطلين عن العمل حتى نهاية يونيو، وسط نزوح استثمارات إلى الخارج، وعدم قدرة القطاعين العام والخاص على توفير وظائف جديدة، في مؤشر على ضعف الاقتصاد.

لقد كشفت هيئة الإحصاء التركية، اليوم الخميس، أنّ عدد العاطلين عن العمل في السوق التركية بلغ حتى نهاية يونيو الماضي 4.1 ملايين فرد، بنسبة بطالة بلغت 13.4% بزيادة 0.4% على أساس سنوي، بينما ارتفع معدل البطالة غير الزراعية 15.9%.

كما انخفض عدد المشتغلين بمقدار مليون و981 ألفًا إلى 26 مليونًا و531 ألف عامل حتى نهاية يونيو 2020، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق؛ إذ بلغ معدل التوظيف 42.4 % بانخفاض 4.0 نقطة مئوية.

فيما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11% في الفترة من أبريل حتي يونيو من هذا العام مقارنة بالربع الأول من العام،  وفق الإحصائيات التي نشرها معهد الإحصاء التركي

سنويًا، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 9.9%. وبهذا الصدد قالت الحكومة التركية إنها تتوقع تراجعًا عامًا كاملًا بنسبة 1 إلى 2% هذا العام. ولكن يتوقع العديد من الخبراء الاقتصاديين الدوليين أن تكون النسبة أعمق بكثير، وكانت القطاعات الأكثر تضررًا هي التصنيع، حيث تقلص النشاط بأكثر من 18% عن الربع الأول، والخدمات تقلصت بنسبة 25%. كما تعرضت الصادرات لضربة شديدة، حيث انخفضت بنسبة 35% في هذه الفترة.

تحركات جيوسياسية خطرة

 

أرجعت معظم التقارير التي تتوقع انهيارًا قريبًا في الاقتصاد التركي الأسباب إلى زيادة مستويات المخاطر الجيوسياسية التي قد تسرع وتيرة أي أزمة، مثل علاقتها بالولايات والاتحاد الأوروبي وتوتر في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى الإغلاق بسبب تفشي كورونا.

رغم ذلك لم تتراجع تركيا عن سياساتها، واستمرت بتوتير الأجواء في المتوسط، وتوريد السلاح رغم حظره دوليًا والمرتزقة إلى ليبيا، واستمرت بدعمها للفصائل في المناطق التي تحتلها شمال سوريا.

أعلنت السلطات التركية عن بدء سفينة “يافوز” للمسح الزلزالي أعمالها التنقيبية شرق المتوسط بداية من اليوم وحتى 12 أكتوبر. رغم انخفاض التوتر مؤقتًا بعد أن عادت سفينة “أوروتش رئيس” إلى ميناء أنطاليا مغادرة المنطقة التي كانت تنقب فيها، حيث أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، حينها، أن السفينة لم تنسحب من شرق المتوسط بل عادت من أجل إجراءات الصيانة.

مقابل الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق الليبية، تم توقيع  مذكرة تفاهم بين الجانبين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، إضافة لتوقيع الاتفاق ، الذي يهدف إلى حل المشكلات بين الشركات التركية وأرباب العمل الليبيين، في 13 أغسطس، وأكد الطرفان على أهمية مواصلة تنفيذ المشاريع التنموية في ليبيا ، مع مراعاة استقرار البلاد وإرساء أسس شراكة ثنائية حقيقية.

الشهر الماضي اعترفت وزيرة التجارة التركية “روحار بكجان” إن بعض مشاريع المقاولات التي تنفذها شركات تركية في ليبيا توقفت مؤخرًا، كما قام مسؤولون أتراك بعدة رحلات إلى ليبيا في الأشهر الأخيرة لمناقشة  التعاون في مجال الطاقة والاستثمارات ، فضلاً عن القضايا الأمنية.

لن تتراجع تركيا عن تحركاتها الجيوسياسية في المنطقة، رغم الأرقام القاتمة التي تحملها التقارير عن اقتصادها.  ستستعيد فاتورة الحرب التي دفعتها إلى جانب حكومة الوفاق في ليبيا، وها هي قد بدأت فعلًا، وستستمر بالتنقيب غير المشروع في المنطقة المتنازع عليها مع اليونان شرق المتوسط،لتتحصل على مكاسب وتسويه ترضيها، كما أنها عملية ابتزاز لأوروبا. وهي تأمل باكتشاف جديد في المتوسط كما فعلت في البحر الأسود.

 

قد يعجبك ايضا