الأسد كان نهاية لكل “سيناريوهات” الحل السوري .. انتخابات “مُشرعنة” وحكم مستمر

الاتحاد برس

 

لماذا فشلت كل سيناريوهات إسقاط الأسد؟، سؤالٌ يطرحه السوريون بشكل عام وسكان مناطق سيطرة دمشق بشكل خاص الذين لا يزالون على تماس مباشر مع أجهزته الأمنية وسياسته الاقتصادية، فالنزاع الذي تجاوز العشر سنوات من عمره طرح كل السيناريوهات الممكنة للحل، ومنها اغتيال رأس السلطة السورية بشار الأسد، وفق ما صرح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في إحدى المقابلات، لكن الأسد ما زال على قيد الحياة ويتحضر بشراهة “لولاية رئاسية دستورية” رابعة بدأت الأولى منها بتوريثه الحكم عام 2000.

على ما يبدو أن كل السيناريوهات التي طرحت بعد عام 2015، مع التدخل الروسي في سوريا عسكريًا بشكل مباشر، كانت جميعها فرصًا لإطالة عمر النزاع و”نضوجه” لتحقيق سياسيات دولية في البلاد التي تجاور إسرائيل وتلعب إيران في مضمارها بحرية كاملة (ميدانيًا وسياسيًا).

اللجنة الدستورية التي عقدت على مدار 5 جولات أصبحت بعداد الموتى، كما اجتماعات “أستانة” في سوتشي الروسية، كذلك كان حال سيناريو المجلس العسكري الذي قتلت فكرته أيضًا مع اقتراب موعد “الانتخابات الرئاسية” في الـ 26 من أيار الجاري، دون أن يترجم على أرض الواقع كحل وبقي ضمن إطار الملفات والأوراق.

عقوبات “قيصر” الأميركية التي برزت نتائجها نهاية عام 2020، والتصريحات الأوروبية عن رفض التطبيع مع الأسد والتقارير التي أعدتها بخصوص استخدامه للسلاح الكيميائي بعدة مناطق، ذهبت كلها أدراج الريح، مع وصول الطائرة الروسية إلى الخليج والعراق وتركيا وحملت وزير الخارجية الروسية الشهر الماضي مع مجموعة نتائج وخلاصات حدثت خلال الأعوام الماضية، استطاعت موسكو من خلالها شق الطريق أمام سلطة الأسد للبقاء في الحكم دون أن تصرح عن التنازلات والشروط التي سيخضع لها.

لكن “الجو السياسي العام”  الذي ظهر من خلال بعض التقارير  التي سربت لوسائل إعلامية على دفعات خلال الـ 15 يومًا الماضيين، طرح خبرين هامين تناقلتهما وسائل إعلامية بارزة  يجب الوقوف عندهما، كونهما قد يحملان الشكل الحقيقي للمرحة القادمة التي ستعيشها سوريا.

الخبر الأول هو وصول طائرة إسرائيلية إلى مطار “حميميم” الروسي، الأمر الذي سربته وسائل إعلام إسرائيلية، ولم تنفه دمشق على خلاف عادتها، مما يعني أن هناك تحضيرًا يجري لفرصة تقارب بين دمشق وإسرائيل برعاية روسية، بالرغم من أن وسائل الإعلام لم تبين أبدًا الغرض من وصول الطائرة إلى القاعدة الروسية ومن حملت ضمنها، لتكتفي بخبر الوصول فقط، وكأنها تقول أن هناك علاقات قريبة ستحدث.

أما الخبر الثاني، المتعلق باللقاء السعودي السوري في دمشق، فكان أكثر وضوحًا من ناحية الغاية والأشخاص، إذ تحدثت وسائل إعلامية عربية وعالمية عن زيارة رئيس الاستخبارات العامة السعودي، خالد الحميدان لدمشق ولقائه بنظيره السوري “علي مملوك”، وتبعها تصريحات سورية من قبل السفير السوري في لبنان رحب فيها بالزيارة وعودة “العلاقات”، وكأنه تأكيد غير مباشر من دمشق لحدوث لزيارة. في وقت اكتفت فيه الرياض بوصف تلك التقارير بـ”غير الدقيقة” دون أن توضح عين الدقة فيها.

الزيارة السعودية لدمشق، جاءت بعد تصريحات من قبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال فيها أنه “متأكد من عودة دمشق للجامعة العربية”، ليأتي التصريح بمثابة إعلان عن انتقال “نظام الأسد” من حضن طهران إلى الحضن العري وبالأخص الخليج العربي في المستقبل القريب.

 

 

إذا لماذا فشلت كل سيناريوهات إقصاء الأسد، ونجح السيناريو الوحيد “المكروه” بالنسبة للشعب السوري مع بقاء الأسد؟

بالخوض في غمار ما جرى في سوريا والوقوف أمام تحولات وتغيرات عدة طرأت على المشهد خلال سنوات، يتضح أن “الأسد” كان خيارًا مناسبًا لكل الدول والقوى الإقليمية والعالمية حتى المتصارعة فيما بينها.

مشروع “المعارضة” بكل أطيافها تقريبًا وخصوصًا “الائتلاف السوري” لم يقدموا خطةً سياسية ترتقي لتصبح “نموذج حكم” في البلاد، كما أنها لم تشكل وزنًا سياسيًا وشعبيًا ذو أهمية ولم تستطع أن تقنع المجتمع الدولي بأنها بديل مناسب وخاصة بعد “الوصاية” التركية عليها، بالرغم من كل ممارسات أنقرة بالداخل السوري وعمليات القصف والقتل والتشريد التي مارستها بحق الأقليات وسكان مناطق شمال وشرق سوريا.

كما لم تجد القوى العالمية بأصحاب تلك المشاريع “الثقة” والارتياح اللازمين لبناء علاقات على مستوى “حكم بلاد” كسوريا، ذات الموقع الاستراتيجي والهام بالنسبة لها، ووجدت في بعضها مجرد أدوات بيد قوى إقليمية أخرى، فحضورها وغياب الأسد لن يغير بالمعادلة ما لم يضر بها.

أما مشروع الإدارة الذاتية في مناطق شمال شرق سوريا، وبالرغم من الاحتضان الأميركي له فلم يستطع حتى الآن إقناع الشارع السوري خارج حدود مناطقه بفكرة الأقاليم والحكم الذاتي، وخاصة أن ممارسات الإدارة الذاتية ضمن بعض الملفات تشوبها إشارات استفهام وأسئلة كثيرة. الوضع الاقتصادي أحدها والوضع الأمني والاعتقالات التي جرت بحق المئات من سكان مناطق سيطرتها لأسباب مختلفة بعضها كان لمجرد الاختلاف الفكري معها.

إقليميًا .. تتفاوت الرغبة بالتعامل مع نظام دمشق الحالي، وخاصة في لبنان والعراق البلدين الذين تشوبهما صراعات داخلية كبيرة سياسية وفكرية وأمنية، بعضهم يجد في الأسد خيارًا للدعم وآخرين يجدون فيه عائقًا أمام مصالحهم الاستراتيجية كفريقي (14 و8 آذار ) في لبنان، والحكومة العراقية والميليشيات والأحزاب السياسية التابعة لإيران في العراق.

بينما تنظر تركيا لنظام الأسد بعين “المصلحة” بعيدة المدى وخاصة بالملف الكردي الذي لم يستطع رأس السلطة السورية التقدم به خطوة واحدة، وخاصة بعد تولي روسيا راية المفاوضات مع أكراد شمال شرق سوريا، فبقاء الأسد يضمن لها بشكل من الأشكال “تسوية” على حساب سكان تلك المناطق في حال بقائه تحت الجناح الروسي.

السوريون والأسد قبل الانتخابات 

مطالب الحرية والإصلاح التي نادى بها السوريون في تظاهرات عارمة في كل البلاد السورية عام 2011، تحولت إلى حرب بين السلطة بكل قوتها ومعارضة ومتمردين ولاحقا إسلاميين جهادين سوريين وأجانب تسببت هذه الحرب بمقتل أكثر من 400 ألف شخص ضمن البلاد، كما شردت آلات الحرب ملايين من السكان بسبب عمليات القصف الثقيلة من قبل قوات دمشق وروسيا، دون وجود حل سياسي حتى الآن.

استطاع الأسد خلال السنوات الأخيرة تطبيق خطة استخباراتية مكنته من فرض قوته بشكل أكبر، بعد أن قام بتهجير أعداد كبيرة من معارضيه إلى دول الخارج وزج من تبقى منهم ضمن معتقلاته أو قام بتصفيتهم، أما سكان مناطق سيطرته من “الموالين” في وقت سابق فقام بفرض خطة اقتصادية عليهم منعتهم من الخروج بـ”ثورة جياع” لا ثورة سياسة.

خطة الأسد اعتمدت على التجويع الممنهج لهم وتقديم “الوجبات السريعة” من خلال المنح المالية وزودات الرواتب وبعض المراسيم فارغة المضمون، قبل فقدان السيطرة عليهم بشكل كامل، وهذا ما يجري منذ أيام قليلة قبل موعد الانتخابات الرئاسية، فبعد انقطاع الكهرباء لأيام متواصلة أحيانًا ووصول سعر صرف الدولار ‘إلى أكثر من 5 آلاف ليرة سورية، وغياب المحروقات وأزمات الطحين والخبز ضمن الأفران، عاد كل شيء إلى طبيعته بـ”قدرة قادر” مع أنباء عن وصول مساعدات خليجية أموال كاش للشعب السوري وأخرى حيازات باسم الدولة يستثمرها الأسد بما يخدم استمراره.

فجأة انخفض سعر الصرف وعادت الكهرباء لساعات أطول، وأصدر مراسيم عفو شاملة عن الكثير من السجناء عدا عن المعتقلين السياسيين، وتوفرت المحروقات ضمن محطات الوقود بشكل أكبر، كما قدم منح مالية على دفعات لكل الموظفين الحكوميين، وكأن البلد التي لطالما قال أن تردي الأوضاع فيها بسبب “قيصر والعقوبات” لم تسمع بها من قبل.

بقاء رأس السلطة السورية بشار الأسد على “كرسي العرش” لسنوات طويلة أخرى أصبح أمرًا محسومًا بالنسبة للمجتمع الدولي، أما بقاء الأسد أو رحيله لم يعد يعني أغلب السوريين ممن يبحثون عن رغيف خبز حاولوا شراؤه بكرامة وفشلوا.

إعداد: سلام عمران

قد يعجبك ايضا