الاسم المستعار أفضل من رقم على جبين، الصحفي السوري اشتاق للكتابة باسمِه الحقيقي

الاتحاد برس 

محمّد خيّاط

“أمضيتُ سبعة أعوام في الكتابة تحت اسم مستعار، وأنا اليوم أتوق لكتابة أوّل مقال بتوقيعي الحقيقي، وأتساءل في كلّ يوم هل سيطول انتظاري؟!” يقول الصحافي السوري إسماعيل (41 عاماً) عن شعوره بعد تجربته الطويلة في الكتابة الصحفية تحت اسم مستعار.

ومثل إسماعيل في سوريا وخارجها مئات وربّما آلاف الصحافيين الذين يكتبون تحت أسماء مستعارة في مئات الصحُف حول العالم خوفاً من أذناب نظام أمنيّ يطالُ القاصي والداني، الفاعل الداخلي وأهل الفاعل الخارجي. فما الذي تنطوي عليه هذه التجربة الصحافية لهؤلاء الصحافيين المجهولين؟ وكيفَ ينعكسُ استعمال الاسم المستعار على الصعيدين المهني والنفسي؟

متى سَيُطرقُ بابي؟

لعلّ تجربة رشا (26 عاماً)، صحافية سورية مقيمة في حمص، في الكتابة تحت اسم مستعار خير مثال عن معنى أن تكون صحافياً معارضاً في بلدٍ كسوريا، أن تكتب وتمحي كلّ أثرٍ يربطك بما كتبت خوفاً من مداهمة مفاجئة قد تطال منزلك في أيّة لحظة، ألا يسعفك أي شيء ساعتها؛ “فكلّ دقيقة هي كابوس إذا ما تذكرت أنّك قد كتبت شيئاً حقيقياً عن واحداً من الملفّات السوداء لهذا النظام الموغل في التعسّفية ضدّ شعبهِ.”.

تفكّر رشا دائماً إذا ما كان ما تقوم بهِ يستحّقُ ذلك المصير الأسود في أقبية النظام فيما لو كُشِفَ أمرها على حين غرّة وتمّ اقتيادها إلى الدرك السفلي لذلك العالم الموحش وصولاً لوضع رقم جثتها على جبينها، فتقول للاتحاد برس:

“سؤال المصير وتكافئ الجريمة مقابل العقاب يعدُّ أساساً لمشكلة معظم الكتّاب والصحافيين السوريين الذين يعملون بجهد لئلا يفلتَ واحداً من صنّاع هذا الإجرام بفعلته؛ وغالباً ما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الرفض .. فكلا، لا يمكن أن أسجنَ لعشرة أعوام مثلاً لأنّي كشفتُ تفصيلاً ما أو حدثاً ما أو أعددت تحقيقاً حولَ قضية ما قد تورّط بها هذا النظام.”.

إذا كانت الجريمة لا تكافئ العقاب، فلماذا تجازفين كصحافية وتكتبين ما تكتبين؟

” هنا تكمن الفكرة على ما أعتقد، فعندما أمارس الحرّية في الكتابة واستمرّ في الكشف عن الحقائق كما تملي عليّ أمانتي المهنيّة؛ فإنّني عندئذ راضية كلّ الرضى عمّا أقوم بهِ ولو كلّفني ذلك عشرات الأعوام في السجون. فأنا صحافية وهذه مهنتي التي سألتزم بها ما حييت.”.

ما أكثر ما يخيفك كونك صحافية سورية في سوريا؟

” لو تسمح لي بالإجابة على سؤالك بسؤالك آخر، فإن أكثر ما يخيفني هو سؤالي الدائم لنفسي: متى سيطرقُ بابي لاقتيادي بتهم ملفّقة كالتخابر لجهات معادية للدولة السورية أو نشر أخبار كاذبة أو مضلِّلة؟ متى سيكون ذلك؟ اليوم، في الغد، الشهر القادم، بعدَ سنة. فمن يعلم؟ وهذا أكثر ما يخفني حقّاً.”.

أنا ولستُ أنا .. حرّية وتذكير دائم بالمأساوية

يعتقد بعض الكتّاب والصحافيين أنّ السفر حلّاً أبديّاً للخوف الأمني من الأنظمة القمعية والشمولية، ولكن يتضحُ بعدَ ذلك أنّ السفر ليسَ إلا شكلاً من أشكال الحرّية المنقوصة التي تدعوك باستمرار لاستعمال الاسم المستعار.

إسماعيل، الصحافي السوري المقيم في جنيف_سويسرا، يروي لنا عن هذه الحرّية المنقوصة كونهُ واحداً من الذين يمتازون بها، فيقول:
” لطالما اعتقدت أنّ سفري سيحرّرني من الكتابة بالاسم المستعار، ولكنّ حادثة اعتقال شقيقي من منزلنا في دمشق على إثر كتابتي لمقالٍ في إحدى الصُحُف الأجنبية تحت اسمي الحقيقي أهاجم فيه النظام، كانت القشّة التي قسمت ظهر البعير، فلقد انتصر النظام في هذا الشأن وأجبرني على التخلّي مرّة أخرى عن استعمال أسمي الحقيقي والعودة للاسم المستعار.”.

ما الشعور الذي ينتابك حيال اسمك المستعار؟

” ببساطة أقول: إنّه أنا ولستُ أنا، إنّها كلماتي ورأيّ والمعلومات التي جمعت، ولكنه، بالنسبة للقارئ وللتاريخ والأرشيف الصحافي، ذلك الاسم المجهول لشخص لم يوجد قطّ على وجه هذه البسيطة.”.

كيف ينعكس هذا الاستعمال المتكرّر للاسم المستعار على مستقبلك المهني؟

” إنّ أسوأ ما قد يواجه الصحافي الذي يستعمل اسماً مستعاراً، إنّما هي المرّة الأولى التي يتواصل فيها مع صحيفة جديدة للكتابة معها، فكيف يمكن لإدارة التحرير التأكّد من هوية الكاتب الحقيقي الذي تدّعي أنّك هو؟ وبالطبع يتسبّب الاسم المستعار للصحافي بالعديد من الاعتذارات المُسبقة لاعتبارات الأمانة الصحافية في بعض الصحُف.”.

أقبية النظام .. أوسع المعتقلات للصحافيين في العالم

في تقرير لها يعود إلى عام 2018، أشارت منظّمة مراسلون بلا حدود إلى اتساع دائرة الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيين السوريين في الداخل السوري على يدّ النظام والميليشيات المسلّحة المختلفة التوجّهات.

فيواجه الصحفيون والناشطون السوريون انتهاكات عدّة منذ بدء الحراك السلمي في سوريا عام 2011، إذ وثّق المركز السوري للحرّيات الصحفية مقتل 435 صحفياً وإعلامياً مسجّلين على يدّ النظام السوري وحليفته روسيا والميليشيات مختلفة التوجّهات، منذ آذار 2011 وحتّى آب 2018.

وتقع سوريا في المركز 177 من أصل 180 على جدول التصنيف العالمي لحرّية الصحافة بحسب منظمة “مراسلون بلا حدود” العام الحالي، كما وتشير الأرقام إلى أن نسبة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين وصلت إلى نسبة 90%.

أمّا لجنة حماية الصحافيين فأشارت إلى أنّ وضع الصحافيين في سوريا لم يتحسّن مع حلول عام 2020 ولكنّه على العكس قد يكون ازداد سوءاً بسبب احتمالية تفشّي جائحة كورونا في المعتقلات السورية، هذا فضلاً عن استمرار النظام وغيره من القوى الموجودة فوق الأراضي السورية في انتهاك حقوق الصحافيين دون الاستجابة لأيٍّ من الدعوات الحقوقية والدولية للكفّ عن هذه الممارسات بحقّ حرّية الصحافة والصحافيين.

قد يعجبك ايضا