الإجراءات الأمريكية الأخيرة وتأثيرها على نظام الأسد

الإجراءات الأمريكية الأخيرى وتأثيرها على نظام الأسدالإجراءات الأمريكية الأخيرة وتأثيرها على نظام الأسد

شكلت المواقف والإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأأمريكية، بعد مجزرة خان شيخون، انعطافة حادة في السياسة الأمريكية تجاه ما يجري في سوريا، فبعد حديث ترامب أثناء حملته الانتخابية، وبعد انتخابه، عن إمكانية القبول ببقاء الاسد في المرحلة الانتقالية، وحديث بعض المقربين منه حتى عن إمكانية القبول به كشريك في الحرب على الإرهاب، تغير الموقف الأمريكي جذرياً، وبدأ الحديث عن عدم صلاحية الأسد ونظامه ليكونا جزءاً من الحل في سورية.

وبعكس كل التوقعات أصبح الموقف الأمريكي تجاه نظام الأسد أكثر حدة، ووصل الى ح قيام الجيش الأمريكي بالتدخل مباشرة ضد قوات الأسد، وقصف مطار الشعيرات، ليكون بذلك أول تحرك عسكري أمريكي ضد نظام الأسد منذ ست سنوات، واتبع ذلك صدور تصريحات قاسية جداً من الرئيس ترامب وكبار أعضاء إدارته حول ضرورة إنهاء حكم عائلة الأسد، وعدم جواز القبول بدور لها في أي مرحلة انتقالية، ضمن أي حل سياسي قد يتم التوصل إليه عبر المفاوضات الجارية في جنيف.




وفي تصريح غير معتاد في الأعراف الديبلوماسية، قال الرئيس ترامب: “عندما يلقي الأسد غازاً أو قنابل او براميل متفجرة وسط مجموعة من الناس، ثم نجد أطفالا من دون أذرع أو أرجل، أو عندما تشاهد أطفال يصارعون للبقاء بين أيادي أهاليهم، فهم بكل إنصاف حيوان”.

التغيير في الموقف الأمريكي تجاه الأسد، وتجاه الأحداث الجارية في سورية، تمت ترجمته فيما بعد بزيادة التواجد العسكري المباشر في الشرق والشمال الشرقي في سوريا، وعلى الحدود الجنوبية مع الأردن، كما استمرت التصريحات الأمريكية حول عدم إمكانية إعادة تأهيل الأسد، وفي هذا السياق جاءت تصريحات ريكس تلرسون وزير الخارجية الأمريكية، حول ضرورة إنهاء حكم عائلة الأسد لسورية بطريقة منظمة، وهو من أكثر التصريحات الأمريكية واقعية، ومن أكثرها دلالة على أن المرحلة الانتقالية خالية من الأسد ونظامه تحتاج إلى تحضيرات كبيرة، بحيث تنهي حكم عائلة الأسد من دون أن تمكن التنظيمات التكفيرية من السيطرة على سورية، وتحويلها إلى بؤرة للإرهاب تهدد المنطقة برمتها، والسلم العالمي، أو تركها لفوضى أشد فتكاً، تقتتل فيها الميليشيات الإسلامية المسلحة على السلطة والثروة في المناطق التي تسيطر عليها، وإمكانية تفكك القوات التابعة للأسد أيضاً إلى ميليشيات متصارعة فيما بينها، كما جرت العادة عند انهيار الأنظمة الشمولية، من دون وجود قوة قادرة على ضبط الوضع، ريضما يتم تأسيس النظام السياسي الجديد، وهذا ما يعتقد أن الاستراتيجية الأمريكة ستتمحور حوله في المرحلة القادمة.

وبات من المؤكد أن هذه الاستراتيجية الأمريكية لن تلقى معارضة إسرائيلية قوية، بعد أن حققت الحرب السورية هدفاً معماً لإسرائيل، هو خروج سورية من دائرة املواجهة، كما أن التدخل الإيراني بوجهه الطائفي جعل العداء مع إيران هو العداء الرئيس لشعوب المنطقة، بعد أن كان منصباً على إسرائيل لعقود طويلة.

التطور الأخير المهم الذي يجب أخذه بالحسبان من حيث تأثيره على الملف السوري، وبالتالي على مصير الأسد ونظامه، هو تدهور العلاقة الروسية الأمريكية، بعكس ما كان الأسد وحلفاؤه يتوقعون أو تمنون، فقد فشلت معظم محاولات التقارب حول أي من الملفات العالقة بين الدولتين، سواء فيما يتعلق بأوكرانيا أو سورية، أو موضوع توسعة “الناتو” شرقاً، ما سيجعل العلاقة بين القوتين العظميين فيما يخص سوريا علاقة مواجهة في عهد إدارة ترامب، وليس علاقة تعاون كما تقع أنصار الأسد وروسيا طيلة الحملة الانتخابية لترامب، ولا حتى علاقة ملتبسة، كما كان الحال خلال إدارة الرئيس أوباما.

إن قيام التحالف الدولي مؤخراً بقصف قوات تابعة للنظام وحلفائه بالقرب من معبر التنف في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، هي دليل آخر على أن الولايات المتحدة قد تخلّت عن حيادها، واصبحت قوة على الأرض، وأنها قد تتدخل ضد الأسد وحلفائه عندما ترى لذلك ضرورة، من دون الاكتراث بغضب روسيا أو استنكارها.

كما أن التصريح الأخير الذي صدر عن مساعد وزير الخارجية الأمريكية ستيورات جونز حول محرقة صيدنايا وجرائم التعذيب والقتل التي ارتكبها الأسد ضد أكثر من 170 ألف سورياً، قامت قواته باعتقالهم أو اختطافهم على مدى السنوات الست الماضية، يعتبر دليلاً آخر على القطيعة التامة مع سياسة أوباما المهادنة تجاه الأسد والروس والإيرانيين، فليس من المعقول القبول برئيس ارتكب كل تلك الجرائم التي تتحدث عنها الإدارة الأمريكية يومياً، وتتناقلها وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية، في أي حل سياسي، أو توافق أمريكي روسي إقليمي.

من الواضح أن تطورات الموقف الأمريكي في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة لم تصب في صالح الأسد، وإمكانية عودته إلى الساحة الدولية، وقد يكون قانون حماية المدنيين في سوريا (قانون سيزر) الأخير، الذي أقره الكونغرس الأمريكي بالإجماع قبل أيام قليلة، بعد أن جمده الرئيس أوباما استجابة لطلب روسي منذ أكثر من عام، هو حلقة أخرى من حلقات التضييق على الأسد وحلفائه، وهو رسالة أخرى من سلسلة الرسائل التي ترسلها الولايات المتحدة إلى الأسد وحليفيه الروسي والإيراني، لتعلتن أنها عادت إلى المنطقة، وأنها شريك أساسي في أي حل يخص سورية، وأن احتكار روسيا للملف السوري قد انتهى إلى غير رجعة.

بالمحصلة فإن المواقف الأمريكية الأخيرة لن تجعل الأسد مرتاحاً لوضعه، كما أنها ستشكل هاجساً حقيقياً لموسكو وطهران، لكن ليس من المؤكد أن تشكل نهاية قريبة للكارثة السورية، بسبب التعقيدات السورية والإقليمية الكثيرة، التي قد تقف عائقاً أمام حل سياسي واقعي، خصوصاً لجهة وجود حاجة ماسة لإيجاد بديل مقبول سوياً، قادر على توحيد السوريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والعرقية وإقليمياً ودولياً، نتيجة الصراع الإقليمي الدولي المحتدم حول سورية، التي تتميز بأهمية جيوسياسية، تجعل من أي تغيير في اصطفافها الإقليمي يقلب موازين القوى في المنطقة.

المصدر: مركز أسبار للدراسات والبحوث

قد يعجبك ايضا