الإنسان في ظلّ الحرب .. كيف استطاع بوشنر استشراف واقعنا؟ الجزء الثاني

الاتحاد برس 

زيد صحناوي ناقد مسرحي وأدبي

في الجزء الأوّل من هذه القراءة استعرضنا جانباً من حياة الكاتب المسرحي جورج بوشنر، وعرضنا إلى عمله الأبرز حول الثورة ومفاهيمها “موت دانتون”، أمّا في هذا الجزء سنعرض لعمليه اللاحقين “ليونس ولينا” و “فويتسك” الذين بلورا فكرَ هذا الكاتب المسرحي حاذق الذكاء.

ليونس ولينا” (الخيبة)

إن نظرنا إلى هذا النص من الخارج، وبمعزل عن السياق المتصل لأعمال بوشنر، فهو سيبدو لنا نصاً رومنسياً خفيفاً وساخراً، تتجلى من خلاله موضوعة القدرية بسلاسة، وعلى المستوى الشائع والبسيط المتعلق بالقسمة والنصيب، فهو يحكي لنا عن أمير وأميرة من مملكتين مختلفتين، يدبر زواجهما مسبقاً، فيهربان من ذلك التدبير ليلتقيا بعد ذلك في البرية دون أن يعرف أحدهما الآخر، ويقعا في حب بعضهما البعض، ثم يتعاهدان على الزواج ويعودان إلى مملكة الأمير ليكتشفا أنهما نفس العروسين الموعودين، وتنتهي القصة بذلك نهاية سعيدة دون أية مشاكل. إن أول ما يمكن أن نستشفه من خلال المسرحية هو الجبرية المرتبطة بقدر هذين الشابين، إذ لم يتمكنا الفرار منه رغم محاولتهما ذلك، وحتى الآن لا تبدو هناك أي مشكلة في الموضوعة، والقصة تبدو سعيدة، لكننا لن نكتفي بالنظر إليها من هذا الجانب، إذ تبدأ الأزمة عندما ترتبط موضوعة القدرية/الجبرية بالوضع السياسي، وهذا ما يحيلنا إليه السياق التاريخي للنص، وموقعه بعد النص السابق.

إن هذه المسرحية بحسب موقعها، بعد مسرحية تناولت خيبة الثورة، تعرض لنا الخيبة على مستوى الإنسان/الفرد الذي لم يعد راغباً في فعل أي شيء، وبات عاجزاً أمام حتمية قدره، وهذا ما يجعل من إرادة التغيير أمراً شبه مستحيل – يؤكد هذا في الواقع الحالي ركود شعوب المنطقة، بعد الخيبات التي تعرضت لها ثوراتها – ولذلك تبتعد المسرحية عن التوجه السياسي في حبكتها وأحداثها، كما تعاني شخصياتها من الفراغ الذي يتردد على لسان الأمير ليونس “فراغ مفزع ينتشر حولي، الفراغ هو أصل كل الرذائل” (1)، وهذا ما يمكن أن نلمسه في النص على مستويين سياسي واجتماعي، ففي خلفية الأحداث يمكننا ملاحظة وجود حكم ملكي مستقر، دون وجود أية ردود أفعال من قبل عامة الشعب، رغم الجور الذي يلحق بهم، وتحدثنا إحدى الشخصيات عن حالهم فتقول:

“هم صابرون على الرغم من سوء الحال، متماسكون منذ عهد بعيد على هذه الحال، يصبون الخمر في جوفهم، ولولا ذلك لكان تماسكهم في هذا الحر الشديد من المحال”(2)

وبذلك تكون السخرية التي تسود المسرحية تعبيراً صادقاً عن حالة الشعب في مثل هذه الأوضاع، فلا بد من السخرية إذ ليس في اليد حيلة، وبذلك يشكل هذا النص في تجسيده للخيبة مرحلة انتقالية ما بين فشل الثورة في النص السابق وتحلل البطل/الإنسان الذي سنراه في النص التالي، ونجد في هذا النص إشارة واضحة حول ذلك على لسان ليونس “البطولة تتحلل، تسكر بأردأ الخمور، وتصاب بالحمى…”(3)

فويتسك”(العجز)

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى آخر أعمال الكاتب، وهو فعلياً ما يشكل ذروة أعماله الدرامية سواء من الناحية التقنية والأسلوب كما تحدثنا في البداية، وكذلك من ناحية المضمون الذي يصل من خلاله الإنسان لدى بوشنر إلى أقصى حالات القهر. وتتناول المسرحية قصة حلاق عسكري تدفعه الظروف القاهرة وخيانة زوجته له إلى قتلها، ثم يموت غرقاً في النهاية لدى محاولته إخفاء أداة الجريمة (سكّين) في المستنقع؛ وتختلف بعض تفاصيل المسرحية مثل ترتيب المشاهد، والنهاية بين المسودات المختلفة لهذا النص، الذي لم يتم العثور عليه إلا بعد حوالي ثلاثين عاماً من وفاة الكاتب، على شكل مسودات اختلف الدارسون في ترتيب مشاهدها، أو إضافة وحذف بعضها، وهذا على الأرجح ما أكسب النص مرونة كبيرة، فزاد بالتالي من إمكانيات العمل عليه من قبل المخرجين بطرق مختلفة ومتنوعة.

ليس هنالك حدث سياسي واضح في المسرحية، إلا أن الحضور الكبير لشخصيات الجنود والضباط، يوحي لنا بأجواء الحرب، لكنها ليست حاضرة من خلال أحداثها العسكرية، بل من خلال أثرها على حياة الإنسان في جوانبها المختلفة، فيظهر لنا فويتسك (الشخصية الرئيسية) مضطهداً من كافة النواحي، وعاجزأ إزاء ما يحدث حوله، يتسلط عليه الجنود والضباط، وكذلك زوجته التي تخونه مع أحدهم، وعنما يحاول أن يدافع عن شرفه، يتقاتل مع الضابط ويخسر النزال، فيوجه غضبه اتجاه زوجته ويقتلها.

ومن ناحية أخرى فإن فويتسك مريض بأحد أنواع العصاب التي تطال الناس في ظل الظروف المخيفة والقمعية للحروب، مما يجعله حقل تجارب لأحد الأطباء، وضمن التشخيصات المختلفة لحالته، يتم تسليط الضوء على نقطة جوهرية وهي الإرادة الحرة التي فقدها فويتسك، والتي تتمثل أسمى تجلياتها في عدم قدرته السيطرة على عضلة مثانته. كل تلك الظروف القاهرة وعجز الإنسان أمامها تجعله يؤمن بنظرية المؤامرة مثل كثيرين في واقعنا المعاصر، إذ ليس باليد حيلة، ولم يعد هنالك متسع لليقين بأي شيء، فيعبر فويتسك عن ذلك بقوله: “نحن المساكين، انظر يا سيدي الضابط، المال…المال، من لا مال معه، فماذا تنفعه الأخلاق في هذه الدنيا؟ نحن أيضاً من لحم ودم .. أمثالنا أشقياء في الدنيا والآخرة، لو أن أبواب السماء فتحت لنا، لكان علينا أن نساعد في قصف الرعود.” (4)

أما من الناحية الأخلاقية، فإن المسرحية تخلق لنا أجواء التحلل الأخلاقي الذي يعيث بين الناس في ظل الحروب، حيث يسود قانون الغاب، والقوي يأكل الضعيف، وتزداد حالات الخيانة والقتل وغيرها من مظاهر الفساد الأخلاقي، وهذا ما تنبه إليه المخرجون المعاصرون في عروضهم لهذا النص، فنجد المخرج أوستر ماير يجعل فضاء الأحداث في عرضه للمسرحية، ضمن مصب لمياه الصرف الصحي؛ أما المخرج جوزف نادج في عرضه الحركي، يربط القذارة بالمظهر الخارجي للشخصيات، وكل ذلك كناية عن القذارة الأخلاقية والتحلل اللذين يحتويهما النص، وها هو فويتسك يؤكد لنا ذلك فيقول: “نعم يا سيدي الضابط، الفضيلة لم أذق طعمها بعد، انظر، إن عامة الناس من أمثالنا لا يعرفون ما هي الفضيلة، الطبيعة هي التي تتحكم فيهم، لو كنت سيداً وأضع على رأسي قبعة وفي يدي ساعة وسلسلة لاشتهيت أن أكون فاضلاً، لا بد أن الفضيلة شيء جميل يا سيدي ولكنني فتى مسكين.”.(5)

وهكذا يكون جورج بوشنر الكاتب العبقري، قد رسم لنا من خلال أعماله صورة صادقة عن الإنسان وظروفه في ظل الحروب والأزمات، وهذا ما صرنا حالياً قادرين على الشعور به وتلمسه في أنفسنا والواقع المحيط بنا، لكن الحرب وإن بدت لنا قد انتهت، إلا أن آثارها تمتد لسنوات عديدة وعلى مختلف المجالات، ولإلقاء الضوء على ذلك بشكل أكبر، سنحتاج إلى  دراسة لأوضاع الإنسان ما بعد الحرب.

 

المصادر:

1 جورج بوشنر، الأعمال الكاملة، ليونس ولينا، تر: عبد الغفار مكاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، ص 193.

2 نفس المرجع السابق، ص 239.

3  نفس المرجع السابق، ص 215.

4  جورج بوشنر، الأعمال الكاملة، فويسك، تر: عبد الغفار مكاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، ص 259.

5  نفس المرجع السابق ونفس الصفحة.

قد يعجبك ايضا