الاتحاد برس: تقنين الحكومة يخيّم على الساحل.. مولّدات الأمبير لـ”ناس وناس”

الاتحاد برس_سام نصر

 

  • أزمة كهرباء تخنق الساحل السوري
  • مولدات الكهرباء وسيلة جديدة للرشوة
  • مولدات الأمبيرات وحكايتها
  • الأمبيرات في مدينة جبلة 

 

كغيره من المناطق، يُعاني الساحلُ السوري اليوم من تقنين كهربائي جائر تفرضهُ حكومة دمشق ووصلَ إلى أكثر من 19 ساعة قطع خلال اليوم الواحد، دونَ حسبان فترات الأعطال والتي تتكرّر مرّات عدة خلال توفّر أوقات الكهرباء.

معاملٌ ومحالٌ تجارية تخسرٌ يوميًا عشرات الآلاف من الليرات لشراء مادة “المازوت” من أجل تشغيل المولدات الكهرباء للاستمرار بالعمل، تزامنًا مع قرارات حكومية وتضييق إداري على مالكي تلك المولدات بهدف حصولهم على الرشاوة والأتاوات.

عقوبة المولدات

لم يكُن يومُ “أحمد” مالكُ إحدى المكتبات في حي المشروع السابع باللاذقية كغيره من الأيام، فجملته “يافتحاه ياكريم” تلاها وصول لجنةٍ من المحافظة مؤلفة من 3 أشخاص يترأسهم رجلٌ يبلغ نحو 45 عامًا طالبوه برخصة تشغيل المولدة التي وضعها أمام مكتبته، وذلك وفقًا لما أكّده الشّاب “أحمد لمراسل “الاتحاد برس”.

تأكيداتُ “أحمد” للّجنةِ بتقديمه طلبًا للحصول على تلك الموافقة وعرضهِ لهم الوثائق التي تثبت صحةَ كلامه لم تلقَ أي نفعٍ، فكلامه قُوبِل بالتهديد من أنه في حال لم يكُن هناك رخصة سيتم مصادرة المولدة وتغريمه بمبلغ يصل لنحو 45 ألفًا.

الحوار بين الطرفين استمرّ لمدة 5 دقايق مابين تأكيدات من جهة وتحذيرات من جهة أخرى، حتى توصّلا لدفع مبلغ 15 عشر ألف ليرةٍ كـ”رشوةٍ”، مقابل إلغاء المخالفةِ “الظالمة”، كما وصفها “أحمد”.

مولدات اللاذقية
مولدات اللاذقية / خاص الاتحاد برس/ اللاذقية

لقاء مراسل “الاتحاد برس” استمرَّ مع “أحمد” الذي يقول: “قمتُ بتقديم طلب للحصول على رخصة المولدة مرتين وفي كل مرة تقول الموظفة أن أمرًا ما قد حصل وتطلب مني إعادة تقديم الطلب، مع دفعِ مبلغ 45 ألفًا للرخصة، إضافة لحوالي 15 ألفًا للأوراق”، مُضيفًا أنا “لا أفهم لمَا هذه الرخصة سوى للحصول على أموال لخزينتهم”.

“أحمد” تابع كلامه بالقول: “دخلت تلك اللجنة إلى كل المحال التجارية في الحي حينها، ويبدو أنهم قبضوا من الجميع، كونهم لم يزيلوا أي من تلك المولّدات، مايعني أنهم في شارعٍ واحد قبضوا أكثر من 125 ألفًا، ناهيكَ عن الشوارع والأحياء الأخرى”. مُشيرًا إلى أنه “عندما قلت لهم أنني لن أدفع قالوا إذا جارك (مسؤول كبير) شلنالوا مولدتو، ليش حتى مانشيل المولده تبعك”.

وليسَ “أحمد” الوحيد الذي يُعاني من تلك المُشكلة، فكثيرون من مالكي المولدات تأتي إليهم تلك اللجان وتضع لهم حججًا مثل “إزعاج الجيران” أو صوتها العالي أو ماشابه، من أجل الحصول على تلك الرشوة، ومن ثمَّ يرحلون وكأنَّ شيئًا لم يكُن، وذلك وفقًا لما قاله العديد من الأشخاص في محافظتي اللاذقية وطرطوس.

رِشًا وأتاوات تفرضُها تلك اللجان على ماتبقّى من سوريين في ذلك الواقع البائس، ويضيعُ الجواب حول من هو المُذنب، فالموظف في تلك اللجنة براتبهِ الشحيح باتَ مُجبرًا على تلك التصرفات للحصول على لقمة عيشه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحصة الكبرى تعودُ لمسؤوليه الذين أرسلوه ووضعوه في “وجه المدفع”.

الأمبيرات.. قصة لا تنتهي 

في مُحافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، والمعروفتين بدعم أهاليهما للسلطة السورية خلال سنوات الحرب الطويلة، إلا أن ذلك لم تُعرهُ تلك السلطة أي اعتبار من خلال قراراتها الجائرة يومًا بعد يوم، ومن بين تلك القرارات منع دخول مولّدات الأمبيرات إلى الأحياء هناك، مع وجود بعض الاستثناءات لمسؤولي السلطة ومُقربيهم.

مولّدة الأمبيرات هي عبارة عن مولدة كبيرة بدأت بالانتشار خلال سنوات الحرب المليئة بالظلام، ويملكها شخصٌ أو عدّةُ أشخاص بهدف الاستثمار، وينقلون من خلالها الكهرباء بساعات محدّدة عبر كابلات خاصة إلى منازل أو المحال مقابلَ دفعِ مبلغٍ مادي يتراوح مابين الـ15 ألفًا حتى ال25 ألفًا.

مولدات اللاذقية
مولدات اللاذقية/ خاص الاتحاد برس/ اللاذقية

تلك الفكرة ولو كانت مُكلفًة للراغبين، إلا أنها لقيت سابقًا إقبالًا كبيرًا في ظل نظام التقنين الحكومي الجائر؛ لتعودَ مديرية الكهرباء وتفرض قرارًا بمنعِ تلك المولّدات تحت طائلة الإزالة والمسؤولية، وبحججٍ وهميةٍ وغير مقنعةٍ منها “المنظر غير اللائق” و “استجرار الكهرباء من مصدرها الأساسي” وماشابه.

مراسل“الاتحاد برس” في كل من مُحافظة اللاذقية وطرطوس رصدا الواقع ماقبل وبعد إلغاء مولدات الأمبيرات، وأكّدوا أن جميع السكّان يدعمون فكرة الأمبيرات بسبب الحاجة الماسة إليها في الوقت الحالي، حتى ولو كانَ سعرها مرتفعًا بعض الشيء، إلا أنها تبقى أفضل من الجلوس الدائم في الظلام.

في جولةٍ للمراسل في أحياء طرطوس، لوحظَ وجود بعض المولّدات الكبيرة “الأمبيرات” والتي مازالت موجودة وتعمل لدى المسؤولين المعروفين والمقربين من السلطة السورية، مع إيصاله لعدة أكبالٍ إلى جيرانه المُحيطين والمُقربين منه، دونَ حسيبٍ أو رقيب.

حالةٌ يصفها السّكانُ في تلك المناطق بـ”الخيار والفقوس” فما هو ممنوع لدى النا يبدو مسموحًا لدى مُقربي السلطة، وأمام أعين الجميع ودونَ الاهتمام بالرأي العام كما العادة.

مدينة جبلة.. استثناء حكومي

على الرّغم من غيابِ مولّدات الأمبير وقرار منعها في محافظتي اللاذقية وطرطوس، إلا أن منحةً مُعينًة خرجت لسُكان أهالي مدينة جبلة، سمحت لهم باستخدام تلك المولّدات وفي جميع الأحياء، وهذا مادفعَ مراسل “الاتحاد برس” للالتقاء مع أحد أصحاب تلك المولّدات “بحجة حاجة الحصول على أمبير لمنزله”.

مالك المولّدة قال لمراسلنا: “أنا بمدّلك كل يوم الكهربا 6 ساعات وغالبًا بوقت المسا، بس الكبل من المولدة لبيتك عليك، ومقابل 15 ألف عالأمبير الواحد كل شهر”.

مولدة أمبيرات
مولدة أمبيرات/ خاص الاتحاد برس/ اللاذقية

وفي لقاءٍ آخر لمراسلنا مع أحد سكّان المنطقة الذي أكّدَ حصوله على “أمبيرين” بقيمة 30 ألفًا، وأفاد: “اليوم الوضع مأساوي بكل معنى الكلمه، لهيك مندفع شوية مصاري مقابل نشوف بعض ونقدر ندرس ونفتح نت ونحضر تلفزيون، أحسن مانحط هالمصاري بمكان تاني ونقعد كل الليل بالبيت بالعتم بدون كهربا”.

شخصٌ آخر قال: “أنا بالنسبة إلي مو قادر ادفع كل شهر هيك مبلغ، لان الأكل والشرب يادروب عم نحصلوا، لهيك هل 15 ألف بدفعها على عيلتي وولادي وبالنسبة للكهربا بعيننا الله”.

بتلك التعليقات والآراء تتّضح صورة الواقع الحالي، ففي مدينة جبلة بات الانقسامُ مُسيطرًا، فمنهم من كانَ قادرًا على الحصول على أمبيرات، ومنهم من فضّل وضع تلك الأموال بين أفرادِ أسرته ولصالحَ لقمة عيشه.

أما اللاذقية وطرطوس فمازالتا تُعانيان من الظلام الدّاكن ليلًا في الشوارع والمنازل والمحال، تزامنًا مع صفقات مستمرة لمسؤولي السلطة لاستيراد كميات كبيرة من البطاريات ونشرها بين السكان مُقابل أسعارٍ تزيد عن راتب الموظف الحكومي ولربما بأضعاف المرات.

قد يعجبك ايضا