«الاستجابة الآنية» في مواجهة الأصولية

«الاستجابة الآنية» في مواجهة الأصولية

الخليج – حسام ميرو

ترفض الأصولية مبدأ تغيّر النظر إلى الأمور والسلوك بتغيّر الزمان والمكان، وتغيّر الشروط التي تحكم الوجود الاجتماعي. ويحدّد عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جيدنز تعريفه عن الأصولية باعتبارها «التقليد الذي يجري الدفاع عنه بشكلٍ تقليدي»، ومن هذا المنطلق، فإن الأصولية لا تحتاج إلى ما يبررها من خارجها، فهي صادرة عن حالة إيمانية تعتقد بصوابية قناعاتها، وشعائرها، وهي شعائر لا تقبل الشك من قبل المؤمن بها، بل إن أي تشكيك بها هو خروج عن «الإيمان».

وكان العالم العربي قد شهد ظهور قوى سياسية أصولية منذ أوائل ثلاثينات القرن الماضي، قدّمت قراءتها للهوية والتاريخ من زاوية أصولية، حيث رأت أن تدهور حال «الأمة» هو نتيجة لابتعادها عن «السلف الصالح»، وبالطبع فإن «السلف الصالح» هنا ليس فقط النص، وإنما أيضاً المنظومة القيمية المرتبطة به، وقدّمت رؤيتها للنهوض بالأمة عبر «العودة إلى السلف الصالح»، من دون تكليف نفسها عناء البحث في التغيّرات التاريخية التي طالت «الأمة» منذ عهد «السلف الصالح»، وما انطوت عليه تلك التغيّرات من تحوّلات اقتصادية واجتماعية، وفروق كبيرة بين الدول، ومكانة المعرفة والعلوم في تقدّم مجتمعات وبلدان بعينها.

وإذا كانت عين المعرفة، وهي تنظر إلى الماضي، موجهّة على الدوام نحو المستقبل، فإن الأصولية، وهي تنظر إلى المستقبل، فإن عينها موجهّة على الدوام إلى الماضي، وهذا الافتراق الرئيسي بين المعرفة في عمومها، والمعرفة الفكرية السياسية على نحوٍ خاص، وبين الأصولية، يجعل من الأصولية بالضرورة حركة راديكالية، مضادّة للتاريخ نفسه، بل ومعرقلة لتحركه، ومضادة للقوى الاجتماعية التي تدعي تمثيل مصالحها.

لا يمكن في سياق تحقيق مصالح قابلة للاستمرار الاعتماد على قوى أصولية.

إن التحوّل الكبير الذي فرضته العولمة، وكلّ ما تنطوي عليه من تناقضات، يكمن في ظهور «الاستجابة الآنية الاجتماعية» (social reflexivity)، وهي استجابة تحدث في مجتمعات تحرّرت من التقليد، أو في طورها للتحرّر منه، في ظلّ العولمة.

في هذا المناخ العولمي الذي يتسم بزيادة تدفّق المعلومات، وميل الناس نحو تنقيتها واستخدامها، ينشأ مناخ عالمي يضع الأصولية خارجه، بل ويجعلها مظهراً شاذّاً من مظاهر التاريخ، ومجرد تعبير عن أزمة مرحلة من مراحله، في مجتمعات لم تتمكّن بعد من الولوج إلى الحداثة وما بعدها، ولم تتمكّن من إيجاد نظم سياسية ديمقراطية، تقف سدّاً منيعاً من ظهور أشكال أصولية في المجال العام، أو تمتلك فرصة قيادته.

إن الأيديولوجيا الأصولية، سواء كانت مرجعيتها دينية أو قومية أو مذهبية أو فكرية، أصبحت حركة مضادة للتاريخ، بل ومتناقضة مع مستقبله، ولا يعني هذا بالطبع بأنها لن تحاول على الدوام إعادة صياغة نفسها بأشكال أسوأ مما ظهرت فيه، وبأنها لن تستفيد من التناقضات الموجودة داخل العولمة نفسها، أو من الخلل الموجود في تقسيم العمل الدولي، وما يفرضه من مظلوميات، أو من الدول الفاشلة، لكنها ستفقد بشكلٍ متزايد ثقة من تعتقد بأنهم يشكّلون خزانها البشري. فالقدرة على المقارنة تزداد، من خلال تعدّد مصادر المعرفة، وولادة حسٍّ اجتماعي أكثر انفتاحاً وديمقراطية.

إن ميزة مجتمعات العولمة هي تضاؤل فرص الاستقطاب يميناً ويساراً، فالمجتمعات في ظل العولمة لم تعد تجمعاتٍ بشرية، يمكن سوقها عبر أفكار كبرى، لا يأتيها الباطل من أمام أو وراء، بل مجتمعات يتحوّل فيها الفرد نفسه إلى فاعل اجتماعي بحدّ ذاته، له خصوصية أكبر في التعاطي مع مشكلاته بشكلٍ مستقل عن الحقل الاجتماعي الذي ينتمي إليه، وله مصالح خاصّة مستقلة عن محيطه الاجتماعي.

وعلى الرغم من حالة الفوات التاريخي التي عرفتها المجتمعات العربية، والتي أفرزت، خلال العقود الماضية، أصوليّات عدّة، إلا أن نطاق الاستجابة الآنية المجتمعية يزداد، وتصبح المرجعيات الكبرى، وما يستتبعها من منظومات قيم وتقاليد، أمام محك تاريخ جديد، تشكلّه معارف ومعلومات جديدة، وما يفرضه هذا التحوّل من شكّ بالمرجعيات المؤسسة للأصوليات.

قد يعجبك ايضا