الاستشارة النفسية في سوريا .. نكتة عابرة ونوع جديد من المخدّرات

الاتحاد برس

حسّان الشيخ

 

عندما لا تعود بلداً من البلدان قادرةً على توفير الحدّ الأدنى من متطلّبات العيش الكريم لمواطنيها، فضلاً عن خلقها لآلاف عوامل الذعر والخوف والخشية في قلوبهم من الملاحقة الأمنية والتعبئة الإجبارية وقمع الحرّيات إلى خطر الجوع المحدق وندرة المحروقات وخلو السوق من بعض الأدوية الأساسية؛ فإنّ مواطنيها يصبحون _بغير إرادتهم_ لقمة سائغة للأعطاب والعللّ النفسية التي مردّها إلى الأوضاع المعيشية والأمنية والاجتماعية الراكدة التي سُقنا بعض نماذجها أعلاه.

والشعب السوري يعيش اليوم، بحسب تقارير الأممّ المتحدة، أكبر أزمة تاريخية على مستوى الصحّة النفسية؛ والتي ما هي إلا أزمة أنتجتها مجتمعةً مختلف الأزمات التي تمرّ بها البلاد اقتصادياً وتعليمياً ومعيشياً وسياسياً؛ فنرى الشباب من سيّء إلى أسوأ من عزلة إلى عزلة يبحث عن بارقة أملٍ في آخر النفق ليتنفّس إثر رؤيتها الصعداء بعد سنوات من الحصار على مستقبلهِ.

ونتيجة لهذا الوضع المُطبق الذي تدور في أفلاكهِ نفوس السوريين، ولا سيّما الشباب منهم، باتت الكوادر الطبّية والاستشارية في المجال النفسي محتارةً ومتشكّكةً من إمكانية نجوع علاجاتها ووصفاتها ونصائحها الاستشارية مع شعبٍ نَكَّل العالم بأمانيه وتطلّعاته نحو مستقبل مشرق وحرّ.

 

الخذلان والفراغ وحُبّ المُذهبات العقلية .. أشياء يتفق عليها الشباب السوري

سبع سنوات على جبهات القتال يشارك في حربٍ ضدّ جهات “قلّما عَرَفتُ بالضبط من هيَ” يَقتلُ ويوشك على الموت في سياق حربي الموت فيه أشبه “بالمدّ والجذر”، يذهب إلى دياره كلّ ثلاثة شهور ليقضي 72 ساعة ويعود إلى الجبهة، ليشاهد هناك “أفظع ما رأيتُ في حياتي” راضياً بعلبة دخّان ووجبتان وبضعة مشاريب توفّرها لهُ المؤسّسة العسكرية.

إنّه نزر يسير أو محاولة تلخيص فاشلة لما عاشه أسعد (27 عاماً) في خدمته في الجيش السوري لسبعة أعوام، فيقول للاتحاد:
” كان عليّ أن اتخلّى عن خوفي وأقتل أسعدَ الطفل لأقاوم وأبقى هناك على الجبهة وأقوم بما أقوم بهِ، أو بما أؤمربهِ، رأيت الكثير من الجثث أمامي دونَ أن أدقّق في وجوهها خشية أن تلاحقني ليلاً في مناماتي، وعلى الرغم من حرصي هذا، استطاعت الكوابيس من ملاحقتي حتّى بعدَ أن تسرّحت في العام الماضي.”.

لم يكن تسريح أسعد من الخدمة في الجيش آخر محطّات عذاباتهِ، ولكن، وكما يؤكّد هو: ” بداية لعذابات أخرى من نوع آخر مختلف كلّياً وخالٍ من أيّة امتيازات.”.

بحث أسعد ومازال يبحث حتّى يومنا هذا عن عملٍ يمكّنهُ من تحقيق بعض أحلامهِ المشتهاة، والتي تضاءلت وصَغُرَتْ مع مرور السنين ورؤيتهِ لكلّ ما يحدث. عَملَ كحلّاقٍ في منطقتهِدويلعة_دمشق لكن سرعان ما قلّت الزبائن وأضطرَ صاحب المحلّ إلى تسريح أسعد ليرى نفسه مجدّداً من غير عمل، وحاول الرجل تصيّد فرصٍ في تجارة العقارات إلى أنْ قلّة تلك الفرص وندرتها صدمته؛ ما أضطره للمتاجرة بالاكسسوارات النسائية المصنّعة يدوياً والتي لم تكن تسعفهُ لدفع إيجار منزله.

أُحبط أسعد نهاية ودخل في مرحلة من العزلة يصاحبها تفكيراً سوداوياً بشأن المستقبل وآفاقه، فيقول:
” إنّني أعيش على معونةً قرّر ابن عمّي ميسور الحال في كندا أن يرسلها لي شهرياً بعدَ أن أعلمتهُ عمّتي بما آلت إليه ظروفي. وأقولها صراحةً أنا لم أَعُدْ، كما في السابق، أحبّ العمل وأقدمُ عليه أو أحبّ الناس وأبحث عن ملقاهم، أصبحت أميل للجلوس وحدي أمام شاشة هاتفي النقّال أتنقّل من لعبة إلى أخرى على أمل أن أستعيدَ شيئاً من حيويتي في اليوم اللاحق .. وهذا ما لا يحدث بالتأكيد.”.

أمّا هيثم (21 عاماً)، والذي لم يحالفه الحظّ في السفر كما كان يخطّط ووالديه، فإنّه اليوم طالب مستنفذ في جامعتهِ ويعاني من الإدمان على جملة من المواد المخدّرة التي يشيع استخدامها بين الشباب، فيقول للاتحاد برس:
” أرغب بالسفر من هنا، ولا أرى في لبقائي أيّ معنى، فلا عمل معقول ولا جامعة محترمة ولا مستقبل .. فهل أبقى هنا؟ بالتأكيد لا، وعليّ أن أجد طريقة للسفر بأيّ ثمن.”.

إنّ إصرار هيثم على السفر لا يقلّ عن إصراره على تعاطي المخدّرات؛ فيحدّثنا عن ذلك بقوله:
” إنّي مدمن بإرادتي، فلا شيء لنقوم بهِ في هذه البلاد سوى ما أقوم به أنا وبعض الشباب الذين لم يوفّقوا لا بالسفر ولا بإيجاد طريقة للهروب من هذا الواقع المعيشي السيّء، ونحن من خلال تعاطي هذه المواد نشعر بشيء من السعادة وتساعدنا هذه المواد أيضاً على تناسي واقعنا المرّ.”.

 

“نوع من المخدّرات إن لم نقل نكتة سمجة عابرة” .. الاستشارة النفسية في سوريا

لفهم الأسباب النفسية لهذا الإحباط العام الذي يواجهه الشباب السوري، التقينا بالمحلّل والاستشاري النفسي خالد (35 عاماً)، خريج كليّة علم النفس في جامعة دمشق.

أطلعنا الأستاذ خالد على النماذج التي عرضنا لها في تحقيقنا أعلاه، فيقول في هذا الصدد:
” إنّ ما سجّلتموه في هذه المقابلات يبدو منطقياً بالنسبة لي إلى حدّ كبير، وإذا أردت التحدّث عن أسعد (الشاب العسكري) فإنَّ حالتهُ حالةً شائعة في الحروب وما بعدها، فيذكّرني ما قالهُ بعديد الدراسات التي ضجّت بها جامعات الولايات المتحدة الأمريكية عقبَ حروب الألفية الجديدة في أفغانستان والعراق؛ حيث سجّلت هذه الدراسات حالات معقّدة نفسياً لدى الجنود العائدين من الحروب، وكان أكثرها صعوبةً وتعقيداً تلكَ المتعلّقة بالقتل والتعذيب وغيره من الانتهاكات التي يمكن أن يضطرّ المجنَّد إلى ارتكابها مرغماً.”.

ويضيف الأستاذ خالد:
” وقد أفدنا جميعاً (خريجي علم النفس) من هذه الدراسات وهناك العديد من السبل لتخليص المريض أو المجنَّد السابق في هذه الحالة من تلك المشكلات النفسية، ولكن شرطَ أن تتوفّر الأُطر المعيشية والاجتماعية المناسبة لفعل ذلك.”.

ويتابع الأستاذ خالد:
“وللأسف، وكما أسلفت، هناك شروط معيّنة وفي الحدّ الأدنى يجب أن تتوفّر لنجاح أيّة محاولة للعلاج النفسي وأوّلها وجود مجتمع سليم يسمح للمحلّل أو الطبيب النفسي بالتماس النماذج الجيّدة منه وحثَ المريض عبر الإيحاء للتمثّل بها، هذا عدا عن ضرورة توفير أجواء معيّنة من الاستقرار النفسي والمادي لهذا المريض والتي غالباً لا يمكننا توفيرها لشباب العائد من الجيش هنا في سوريا.”.

_ وماذا يقدّم أخصّائيو العلاج النفسي في هذه الحالة إذاً؟

” أعتقد أنّ أيّة محاولة لعلاج بشرٍ يعانون من الفقر والجوع والخوف لهي بمثابة نكتة سمجة وعابرة هذا إن لم نقل نوعاً من المخدّرات التي تسعى إلى تطبيع حالة المريض عوضاً عن علاجهِ منها، فلا يمكن للمعالج النفسي أن ينصحَ شخصاً تطوّقهُ هموم الحياة بأن يسترخي أو يقرأ قصّة ما أو رواية ويتعقّب الإسقاطات المشابهة لحالتهِ بها. إنهُ نوع من الابتذال؛ والحمد لله أنّي لم أقم بهِ حتّى الآن.”.

والجدير بالذكر ألّا إحصائيات دقيقة حول السوريين الذين يعانون من المشكلات النفسية ولكن تشير التخمينات بحسب تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ كلّ 4 أشخاص من أصل 10 يعانون من مرض فعلي ذو تأثيرات جانبية واضحة، بينما كلّ 7 من 10 يعانون من مشكلات نفسية تتراوح شدّتها بحسب الحالة وظروفها.

قد يعجبك ايضا