“الانتظار على محطة الوقود بمثابة رحلة ترفيهية” .. السلطة تستخدم “المشايخ” لامتصاص الاحتقان

الاتحاد برس _ مياس حداد

 

منذ أسابيع قليلة عادت أزمة الوقود للظهور في مناطق سيطرة دمشق، رافقها تبريرات حكومية تتعلق بأعطال ضمن مصفاة بانياس، وإجراءات خفّضت من كميات البنزين للسيارات، لتعود “طوابير” الانتظار، للتشكل والامتداد على بعد مئات الأمتار من محطات الوقود .

الفقر والانهيار الاقتصادي، وغياب الكهرباء والانترنت، زادت من احتقان الشارع السوري ضد السلطة حيث وسائل التواصل الاجتماعي هي المنبر الوحيد الذي يعكس حالة الرفض هذه ولا مكان آخر غيرها، لتأتي أزمة الوقود مؤخرًا وتزيد من حجم الضغط على “المواطن”.

لا يناسب سلطة دمشق، انفجار الموقف مجددًا ولا يعني بذات الوقت أنها قلقة أو تخشى بتعبير أدق من انفجار الوضع فكما يبدو فأيام الاحتجاجات الكبرى قد ولى ولكنها تأخذ بعين الاعتبار أي تحرك مناطقي في سياق تدمير منا تبقى من صورتها عند بقية جمهورها وبالتاي حسابات الربح والخسارة في قادمات الأيام بعد الحل السياسي وانتخابات نزيهة على الصعد كافة

إذا الاحتواء والحل قبل الانتشار من خلال التسويات حلها الأنسب، كما حدث منذ أشهر في السويداء وخروج المئات من الأشخاص بمظاهرات احتجاجية تحت مسمى “بدنا نعيش”، بعد أن وصل سعر صرف الدولار حينها إلى 3500 ليرة تقريبًا، ولم تستطع السلطة قمع التظاهرات يومها بالرغم من التهديد والوعيد حتى استعانت بالشبيحة ولاحقا حملة من الاعتقالات، كما استغلت بعضًا من مشايخ الدين للتدخل واحتواء الموقف.

مشايخ بيد السلطة

 

منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية المطلبية في سوريا عام 2011، حركت السلطة السورية بعض المشايخ وأئمة المساجد لمنع المتظاهرين من الخروج والالتحاق بركب الانتفاضة الشعبية، ووصل الأمر أحيانًا إلى تكفير من يخرج بتظاهرة ضد السلطة، نفعت هذه الاستراتيجية في بعض الأماكن وفشلت في أماكن أخرى.

تعيد السلطة السورية اليوم، استخدام رجال الدين التابعين لها والمجندين ضمن استخباراتها، لامتصاص الاحتقان الشعبي بعد أزمة الوقود.

لقد انتشر مقطع فيديو لأحد أئمة الجوامع في سوريا، يخاطب المصلين بخصوص أزمة الوقود، قائلًا أن “الانتظار على محطة الوقود بمثابة رحلة ترفيهية” .

كل ما توقَف بدك تعبي بنزين تذكر كلام الشيخ رحمة بعدها اقتحم الدور وانت مبتسم .. شو بدك أحلى من الاستجمام على دور الكازية ؟

Posted by Tamer Abo Yahya on Wednesday, 9 September 2020

 

إمام المسجد، لم يتوقف هنا، بل برر أن الانتظار به الكثير من الحسنات، لأن الأشخاص يقومون بمساعدة بعضهم وتقديم الطعام والشراب لبعضهم البعض، فالمحبة والأخوة تزداد بمثل هذه الحالات بحسب “فضيلة الشيخ”. فكيف لا ونحن في زمن جائحة كورونا!

استخدام السلطة للمشايخ ورجال الدين، لم يكن الأول من نوعه. سُجلت عدة مواقف مشابهة من قبل وزارة الأوقاف سابقًا، أحدها،  مقطع فيديو ، للمستشارة الإعلامية في وزارة الأوقاف ، “خلود السروجي” من خلف جدران قصرها في منطقة “يعفور” تطلب فيه من السوريين ” الصمود والدعاء لتجاوز المحن والبلاء”.

يظهر في مقطع الفيديو، مساحات واسعة ومسبح خاص ومجموعة من أدوات الرفاهية باهظة الثمن، فتكون مفارقة ساخرة بين ما تطلبه السيدة “خلود” من السوريين، ومن أين تطلبه دون أي خجل ؟

وزارة الأوقاف نشرت على صفحتها الرسمية، في “فيسبوك” منشورًا جاء فيه “المواطن الصالح غيورٌ على وطنه، حريص على سمعة بلاده، فلا يُشيع الأخبار والشائعات من غير أن يتوثّق منها، ولا يروّج عبر وسائل التواصل وغيرها لكلّ ما يضرّ بسمعة وطنه، وليعلم المواطن أن بلدان العالم كلّها لا تغنيه عن وطنه وأهله” . لتحصر الوزارة الدين والعبادة بحدود جغرافية.

لم تنسَ الوزارة أن ترفق مع منشورها صورة جاء فيها عبارات أثارت سخرية المواطنين، كتبت على صورة تحوي خريطة سوريا، أن “المواطن الصالح لا يروج للفكاهات التي تضر بوطنه”، بعد أن اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية والتهكم من قرارات حكومية سابقة ولقاءات كالتي حدثت مع “عماد خميس”.

المؤسسات الدينية تحت سطوة أجهزة الاستخبارات

 

مع احتدام النزاع في سوريا، لجأت عدة أطراف سياسية، إلى استخدام الدين كمحفز ومشرع، اعتمدت السلطات على رجال الدين في تشريع أي قرار قد يتخذ كما أن الفتاوى كانت في الطرف الآخر عند بعض القوى الإسلامية الرديكالية المعارضة المسلحة تفعل فعلها “كجبهة النصرة الإرهابية وما شابهها.

وعلى اعتبار أن المجتمع السوري متدين بنسبة كبيرة منه، لم تكن السلطات السورية خارج حلبة التأجيج والنفخ في العصبيات خلال عشرات السنين ولاحقا مع انطلاقة الانتفاضة السورية، لتحريك الرأي العام وضبط الأفراد بشكل غير مباشر ساعدها لاحقا خطف الثورة السلمية والحراك الشعبي ذو الطابع الشبابي من قبل الإخوان المسلمين وحرفه عن مساره السلمي لتصدّر الانتفاضة وخطف قرارها بالسلاح والقوة.

آلاف المساجد والجوامع ودور العبادة شُيدت عبر فترات طويلة، وغالبًا ما قامت أجهزة الأمن بتشبيك علاقاتها وتوظيفها مع رجالات الدين، ووضعهم في مفاصل التوجيه الديني عند مختلف الطوائف.

من أبرز الأمثلة “خطب يوم الجمعة” التي كانت تمر أو تصدر قبل إذاعتها على المصلين، من جهات وفروع أمنية، لتدقيقها وبحثها وتوجيهها، وخاصة بعد أحداث عام 82 في حماة وصدام الإخوان مع السلطة الذي انتهى بكارثة إنسانية.

 

 

قد يعجبك ايضا