البحر الأسود ميدان للردع … روسيا إلى إغلاقه بعد أزمة أوكرانيا

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

لطالما اعتبرت روسيا البحر الأسود منطقة استراتيجية لها؛ فهو مدخل موسكو الوحيد إلى البحر الأبيض المتوسط، و حلقة ربط بين أوروبا الشرقيةوروسيا من جهة والشرق الأوسط. لقد كان البحر الأسود ذات يوم بحرًا داخليًا للإمبراطورية العثمانية، وأصبح الآن منطقة صدام بين كل من روسيا و تركيا انتهاءً بحلف الناتو حيث يمثل لكل طرف أهمية استراتيجية وحيوية ومجالًا أساسيًا للنفوذ والهيمنة.

على وقع تصاعد الأزمة الأوكرانية، أغلقت روسيا  3 مناطق في البحر الأسود أمام مرور السفن الحربية للدول الأجنبية اعتباراً من مساء السبت 24 نيسان/أبريل.

وأشارت إدارة الملاحة وعلوم المحيطات بوزارة الدفاع الروسية في بيان بهذا الصدد إلى أن الإغلاق سيبقى ساريًا حتى31 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وأوضحت الإدارة أن الحديث يدور حول ثلاث مناطق من البحر هي القسم الممتد على طول ساحل شبه جزيرة القرم بين سيفاستوبول وغورزوف، والقسم المستطيل قبالة ساحل شبه جزيرة كيرتش في منطقة خليج أوبوك، بالإضافة إلى قسم بحري صغير بالقرب من الطرف الغربي لشبه جزيرة القرم. مؤكدةً أن الإغلاق لن يعيق الملاحة عبر مضيق كيرتش، وأن كل المناطق المغلقة ستكون في المياه الداخلية لروسيا.

الأمر الذي أثار قلق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي  وعبرا عن ذلك، وذلك من خطة روسيا للحد من دخول بعض مناطق البحر الأسود، كما وقد قدمت وزارة الخارجية الأوكرانية مذكرة احتجاج بشأن القرار الروسي.

وكان حلف شمال الأطلسي “الناتو” اعتبر أن خطط روسيا التي كشفت عنها تقارير بإغلاق أجزاء من البحر الأسود ستكون “غير مبررة”، داعياً موسكو إلى “ضمان حرية الوصول إلى الموانئ الأوكرانية في بحر آزوف والسماح بحريّة الملاحة.

البحر الأسود
البحر الأسود

من جانبه، قال المتحدث باسم البنتاغون ، جون كيربي ، إن “روسيا لها تاريخ في اتخاذ إجراءات عدوانية ضد السفن الأوكرانية وإعاقة العبور البحري الدولي في البحر الأسود، وخاصة بالقرب من مضيق كيرتش. وسيكون هذا أحدث مثال على حملتها المستمرة لتقويض وزعزعة استقرار أوكرانيا”.

كما أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس في بيان عن “قلقه العميق” بشأن القرار الروسي، واتهم موسكو “بعرقلة تشغيل الموانئ الأوكرانية في بحر آزوف”، واصفًا القرار بأنه “تصعيد غير مبرر” من جانب روسيا.

بدوره، يعتقد الاتحاد الأوروبي أن إغلاق روسيا لبعض مناطق البحر الأسود “سيزيد من التوتر في المنطقة”، ودعا ممثل السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بيتر ستانو إلى إلغاء هذا القرار.

فيما جاء الرد الروسي على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، قائلًا أن روسيا تعمل في إطار القانون الدولي، ولم يتم فرض أي قيود على حركة السفن التجارية، ولا تعرقل عمل الموانئ الأوكرانية في بحر آزوف.

وأفاد بأن فرض قيود في بعض المناطق التي تجري فيها التدريبات، هي ممارسة دولية مقبولة بشكل عام، مشيرًا إلى أن الإجراءات الروسية تنطلق من إطار الاتفاقات متعددة الأطراف.

الأزمة الأوكرانية

 

تصاعد التوتر في الآونة الأخيرة  شرقَ أوكرانيا بعد حشد موسكو قوات على الحدود، في حين رفعت القوات الأمريكية في أوروبا حالة التأهب، مبررة ذلك بـ”تصعيد العدوان الروسي” في المنطقة.

تشهد المنطقة بالفعل اشتباكات متقطعة على نطاق ضيق بين قوات أوكرانية وانفصاليين موالين لروسيا، وسط مخاوف من تجدد الأعمال القتالية واسعة النطاق.

وتعود جذور الأزمة، بدأت الحرب في دونباس شرق أوكرانيا خلال نيسان/أبريل 2014، بعد وقت قصير من ضمّ موسكو لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في أعقاب انتفاضة موالية للغرب في نوفمبر 2014  بأوكرانيا، بدءًا من كييف، على إثر رفض الرئيس الأوكراني “فيكتور يانوكوفيتش” اتفاقية تؤمن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي لصالح التقارب مع روسيا.

ومنذ ذلك الوقت، خلّف الصراع  أكثر من 13 ألف قتيل وأدى إلى نزوح نحو 1,5 مليون شخص. وتراجعت حدة القتال بشكل كبير بعد التوصل إلى اتفاقات مينسك للسلام بداية عام 2015، لكنّ العملية السياسية لم تتقدم كثيراً بعد ذلك.

لقد شكلت شبه جزيرة القرم الواقعة في جنوب أوكرانيا، أهمية استراتيجية لمئات السنين، لأنها تعدّ ممرها إلى البحر الأسود. وهناك قاعدة للبحرية الروسية في القرم. من هناك يمكن لهذه القوات البحرية أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.

وبعد أسابيع من التوتر بشأن حشد القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية ، أمر وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو  في 22 أبريل الجاري عددًا من الوحدات في المنطقة بالعودة إلى قواعدها، وفي حديثه في شبه جزيرة القرم قال شويغو إن الوحدات التي تقوم بالتدريبات ستعود إلى القاعدة. وأضاف أن أهداف “عمليات التفتيش المفاجئة” قد تحققت.

أوحى سحب القوات الروسية بأنّ فتيل الأزمة أُخمد، لكن القرار الروسي بإغلاق 3 مناطق في البحر الأسود أمام مرور السفن الحربية للدول الأجنبية أعاد الأمور إلى بدايتها. حيث يُعد مضيق كيرتش ممرًا مائيًا مهمًا يربط بحر آزوف بالبحر الأسود. كان لإغلاقه تأثير أكبر على التجارة الإقليمية ، والتوترات الروسية الأوكرانية المستمرة.

حاملة طائرات البحرية الملكية ، الملكة إليزابيث ، تجرها قاطرات عند وصولها إلى قاعدة بورتسموث البحرية ، بريطانيا ، 16 أغسطس ، 2017. رويترز / بيتر نيكولز /

وقّعت أوكرانيا اتفاقية عام 2003 مع روسيا اعترفت بمضيق وبحر آزوف كمياه داخلية لكل من روسيا وأوكرانيا.

وكانت صحيفة “صندي تايمز” قد كشفت في 18 أبريل الجاري عن مصادر في البحرية الملكية البريطانية، أن بريطانيا تنوي إرسال مدمرة وفرقاطة مضادة للغواصات إلى البحر الأسود في مايو/أيار المقبل، تضامنا مع أوكرانيا وحلفاء الناتو في المنطقة.

كما أعلن البنتاغون أن الولايات المتحدة تدرس مسألة إرسال سفن حربية إلى البحر الأسود في الأسابيع المقبلة، لإظهار دعمها لأوكرانيا في ظل تنامي النشاط العسكري الروسي على الحدود الشرقية لكييف.

وفي مقابلة مع الخبير العسكري ورئيس تحرير مجلة “أرسينال أوتيتشيستفو”، فيكتور موراكوفسكي، لصحيفة “كوميرسانت”،أوضح بأنّ “قرار إغلاق جزء من منطقة مياه البحر الأسود هو تحذير من أن هذه مناطق خطرة أثناء التدريبات في النطاقات الساحلية والبحرية. يتم تنفيذ هذا الإجراء سنوياً كجزء من فصلي الربيع والخريف”. واستدرك بأنه “في ظلّ التصعيد حول أوكرانيا، يكتسب القرار معنى خاصاً بالنسبة للسياسيين الغربيين، الذين يرون أنه تهديد جديد ضد كييف”.

بينما قال نائب مدير مركز الدراسات الأوروبية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد، فاسيلي كاشين، للصحيفة نفسها، إنّ قرار موسكو بإغلاق جزء من البحر الأسود “يجب أن يُنظر إليه أيضاً على أنه إجراء وقائي يهدف إلى استبعاد إمكانية الاستفزازات في البحر الأسود”. وأشار إلى “المرور الآمن لسفينة حربية أجنبية عبر المياه الإقليمية لدولة أخرى، يجب أن يكون مصحوباً باستيفاء عدد من المتطلبات، منها إيقاف تشغيل الرادارات وأنظمة الأسلحة، وعدم تنفيذ المناورات وأنشطة التدريب”. وأوضح الخبير الروسي أنّ “خصوصية الوضع قبالة سواحل القرم، هي أنّ الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي الأخرى، لا تعترف بملكية شبه الجزيرة والمنطقة المائية لروسيا التي تتوقع محاولات استفزاز من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما تلك المتعلقة بدخول مياه شبه الجزيرة والانتهاك الاستعراضي اللاحق لحقوق العبور الآمن، ولهذا قررت استباق الحدث”.

الأهمية الاستراتيجية للبحر الأسود

 

حافظت روسيا على التصور بأن جمهورياتها السوفيتية السابقة، ومنطقة البحر الأسود، تنتمي إلى مجال نفوذها الجيوستراتيجي إلا أنها افتقرت إلى القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لفرض إرادتها بالكامل عليهم.

مع اندلاع الثورات الملونة والتي امتدت في عمق روسيا الاستراتيجي، في جورجيا (2003-2004) وفي أوكرانيا (2004-2005)، علاوة على توسع الناتو في منطقة أوروبا الشرقية بضم كل من بلغاريا ورومانيا في عام 2004، مما أدى إلى أن وجود ثلاث من الدول الساحلية الستة الواقعة على البحر الأسود أعضاء في حلف الناتو، ودولتين أخريين، أوكرانيا وجورجيا، يرغبان في التعاون والتنسيق مع القوى الغربية والناتو الذي ينظر إلى منطقة البحر الأسود على إنه منطقة جيواستراتيجية للأمن الأوروبي الأطلسي.

نظرت روسيا إلى هذه الأحداث على أنها انتهاك لمناطق نفوذها، و سعت إلى تبني استراتيجية الردع السلمي من خلال توازن القوى، وتوظيف قواتها ومقدراتها من الطاقة للضغط علي هذه الدول لوقف التمدد الغربي في محيطها الأمين، تمثل في استخدام  سلاح الطاقة كأداة للتأثير على أوكرانيا في عام 2006 ثم مرة أخرى في عام 2009، عندما توقفت روسيا مؤقتًا عن توفير الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أوكرانيا وزيادة أسعار الطاقة الروسية.

كما تصدت لمحاولة ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو الناتو، علاوة على ضم شبه جزيرة القرم واستعادتها بناءً على استفتاء شعبي، وذلك تمهيدًا إلى زيادة التعزيزات العسكرية في المنطقة مع خلال نشر S300 و S400، ووحدات الدفاع الساحلية Bastion-P، وغيرها من أنظمة الصواريخ المضادة للأجسام المضادة للسطح.

لم تقف روسيا عند هذا الحد بل تبعه إعادة إرساء الوجود الروسي في منطقة البحر المتوسط عن طريق التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015، فلأول مرة منذ الحرب الباردة أظهرت روسيا قدرتها على تحريك قطع من أسطولها في البحر الأسود إلى مناطق الصراع، كما أنزلت وحدات هجومية في المنطقة وأخرى للدفاع الجوي.

وأكدّت روسيا على أهمية المحافظة على اتفاقية مونترو بُعيد إعلان تركيا عن خطط لقناة جديدة تربط إسطنبول بالبحر الأسود، واتفاقية مونترو التي وُقعت في عام 1936 تحدد قواعد المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل الواصل بين البحرين الأسود والمتوسط. وقال الكرملين في بيان يوم 9 إبريل الحالي، بعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، إنه “في ظلّ الخطط التركية لشق قناة إسطنبول، شدد الجانب الروسي على أهمية الحفاظ على النظام القائم لمضيق البحر الأسود، وفقاً لبنود اتفاقية مونترو لعام 1936 من أجل ضمان الاستقرار والأمن الإقليميين”.
وتضمن اتفاقية مونترو حرية عبور السفن المدنية في السلم والحرب. كما أنّها تنظم استخدام المضيقين من قبل سفن عسكرية من دول غير مطلة على البحر الأسود، بما في ذلك الولايات المتحدة وأعضاء حلف شمال الأطلسي، والتي تشهد علاقاتها بروسيا توتراً شديداً. وتنصّ شروط المعاهدة على وجوب تقديم السفن الحربية الأجنبية إشعاراً مسبقاً قبل المرور وتسمح لها بالبقاء في البحر الأسود لمدة 21 يوماً فقط. وعلى الرغم من أنّ تركيا ترفض أي محاولة لتغيير موازين القوى في البحر الأسود، استناداً إلى تلك الاتفاقية، وتؤكد أن أمن البحر الأسود مسؤولية الدول المطلة عليه، إلا أنّ المطالب الغربية لتعديل الاتفاقية ازدادت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز دول جديدة بعضها انضم إلى حلف الأطلسي مثل بلغاريا ورومانيا، وأخرى ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحلف مثل جورجيا وأوكرانيا، إضافة إلى تركيا العضو في حلف الأطلسي، وروسيا المصنفة كأحد أكبر المخاطر في عقيدة الحلف.

قد يعجبك ايضا