التجارة في زمن الطوابير .. من رحم معاناة السوريين تُكسب لقمة الخبز

الاتحاد برس_ اللاذقية

 

دائمًا مايسمعُ في الحروب والأزمات عن قصصٍ لم تكن أبدًا في دائرة التوقّعات، ولكن وكما يُقال “من رحم المعاناة يولد الألم”، حيثُ أن الالام التي تعرّض لها السوريين في أوقات الحروب والأزمات، تجبرهم على شقِّ طريقهم حتى ولو من العدم.

في الداخل السوري، حيث تسيطر حكومة دمشق، والذي يكادُ ينعدم فيه أي بارقة أمل توحي بتحسين أوضاع ماتبقى من السوريين. الطوابير التي تعج بالمئات لساعات من الانتظار من جهة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي تعصف بهم من جهة أخرى، تدفعُ السوريين ذاتهم لخلق فرصتهم، دون اللجوء لأي امال أو وعود من الحكومة.

في المجتمع السوري ذاته اليوم، حيثُ تسودُ أحاديث الطوابير والبنزين والخبز والسياسة على أحاديث الصغير والكبير في الشوارع والمقاهي والتجمّعات وغيرها، بدأت فئات معيّنة باستغلال هذا الواقع المؤسف لكسب لقمة عيشهم من خلال خلق فرص عمل ومنفعة، سواء بطرق شرعية أم غيرها.

طوابير الانتظار الطويلة على محطات الوقود، كانت بمثابة عقد عمل لفئة معينة من الناس، من خلال قيام

من هم بانتظار دور صاحب أي سيارة لساعات، مقابل حصولهم على مبلغ مادّي لايقلّ عن 10 أو 15 ألف ليرة. في وقت يحصل الموظف السوري على راتب يتراوح بين 40 إلى 75 ألف فقط.

عملٌ يبدو أنه يحقّقُ منفعة متبادلة لصاحب السيارة، وللشخص الذي ينتظرها على “الطابور”، فصاحبها يدفع المبلغ المعين مقابل استكمال حياته بعمله أو مع عائلته أو لوضع صحي أو لعدم قدرته على الانتظار، وفي المقابل العامل يحصل على مبلغ لإطعام عائلته في هذه الأزمة الحقيقية.

الانتظار المأجور ليسَ الطريقة الوحيدة التي استغلها السوريون في هذه الأزمة، إذ أن فئة أخرى استغلت ندرة الوقود، فقامت ببيع حصّتها من الوقود، في السوق السوداء، مقابل مبلغ وصلَ إلى 70 ألف في بعض المناطق للـ 20 لتر، مقابل شراءه ب5 الاف ليرة فقط. “في حال كانَ من البنزين المدعوم”.

أصحاب المحطات وعناصر الشرطة المسؤولين عن تنظيم الدّور ومنع المخالفات، كانَ لهم حصّتهم أيضًا في هذه الازمة، فكثيرًا ما انتشرت جملة “دخّلت سيارتي بالعكس”، أي بجوار الطابور الأساسي هناك مخرج يستغلّه المذكورين مقابل مبلغ يتراوح من 3 ألف حتى وصلَ إلى 30 ألف في بعض المناطق.

بما يتعلق بمادة الغاز، فالأمر أبسط من أن يُفكّر به، حيثُ يستطيع من لاحاجةَ له لأسطوانة الغاز، أن يبيعها في السوق السوداء، حيثُ وصلَ سعرها هناك إلى 20 ألف ليرة، فيما تباع حسب البطاقة الذكية بمبلغ 2800 ليرة فقط!

سوق الخبز للتصدير والاستيراد الداخلي

طرق الربح لا تقتصر على مشتقات النفط فحسب، فلو اتجهنا بداراجتنا الهوائية “لعدم توفر بنزين ولا حتى سيارة” إلى طوابير المخابز، فسنرى هناك سوق سوداء أخرى، تضج بالأساليب المختلفة للتجارة والمنفعة، ولكن بفائدة أقل من البنزين، لتناسب الربح الطردي مع أسعار المواد.

لعلَّ أبسط أساليب الربح في مجال الخبز، هو “التبسيط”، حيثُ يجلس باعة مختلفين “عادة يكونوا أطفالًا”، ويبيعون الربطة بإضافة مبلغ معيّن يعتمد على حالة السوق والاحتياجات العامة لمادة الخبز. حيثُ أن وسطي الربح في الربطة الواحدة يتراوح بين ال100 وال150 ليرة.

أما بالنسبة للأساليب الأخرى، فتعود للمعتمدين الذي يوزّعون مادة الخبز، فبعدَ أن أصدرت وزارة التجارة وحماية المستهلك قرارها الأخير بتحديد كمية مادة الخبز بحسب أفرار الأسرة، استغلَّ المعتمدون هذا الأمر فأصبح كثير منهم يبيع ربطة واحدة أو اثنتين ببطاقة عائلة تتضمن أكثر من ذلك، وبقية الربطات يحتكرونها ويبيعونها في السوق السوداء بمبلغ يضاعف سعرها وفق البطاقة الذكية.

ولو أردنا أن نتعمّق أكثر، فسنجد من يسحب بعض الأرغفة من كل ربطة، ويبيعها بعدد ناقص “وعلى عينك ياتاجر”، ويضع الفرق في ربطات أخرى ويبيعهم في السوق السّوداء.

إجراءات حكومية هزيلة

لم يعد واضحًا اليوم لدى أحد، ماإذا كانَ السوري على حقّ في استغلال هذه الأزمات وبهذه الطرق، أم أنه “لاحول له ولاقوة”، حيثُ أن الرواتب الحكومية لاتتناسب أبدًا مع أسعار السوق.

حكومة دمشق لطالما أصدرت قرارات مختلفة، تشرح أنها للحد من هذه الأساليب ولتخفيف الازدحام على محطات الوقود والمخابز، فحدّدت ربطات الخبز بما يتناسب مع أعداد أفراد الأسرة، بحيث يحق لكل شخص 3.5 رغيف يوميًا! مما زادَ الحاجة والطلب على السوق السوداء.

وفي الوقت ذاته، حدّدت كمية معيّنة من الوقود ولمدة معيّنة، لتخفيف الازدحام أمام المحطات، ولكن لم يجدِ هذا القرار أي نفع، سوى بلجوء الكثيرين إلى السوق السوداء، كون أن 55 لترًا في الشهر، لشخص يذهب إلى عمله يوميًا لن تفي بالغرض أبدًا.

ولردع ظاهرة دخول السيارات “بدون دور”. محافظ اللاذقية، اللواء “ابراهيم خضر السالم”، أصدرَ قرارًا بسحب بطاقة التعبئة لمن يفعل ذلك، ووفقًا لهذا كما نشرت صحيفة الوطن السورية المقربة من السلطة، أن المحافظة أوقفت مخصصات البنزين لـ200 سيارة، وتم تسجيل أرقامها أثناء دخلوها محطات الوقود بشكل مخالف متجاوزة الدور.

بدورها، السورية للمخابز طلبت المؤازرة من الشرطة لفرز أربعة عناصر أمام الأفران، لمنع ظاهرة السوق السوداء، مما “زادَ للطين بلّة”، وفي هذه الحالة قطعت أرزاق الأطفال والعاملين على كسب 100 أو 150 ليرة، وزاد الازدحام على الأفران، واضطر القادرون على دفع ال100 ليرة أن يقفوا ويزيدوا الازدحام، بالإضافة لخسارة الدولة لمجهور ال4 عناصر شرطة.

 

ردود أفعال الشارع السوري

لم يبخل النشطاء السوريون في تعليقاتهم على الأحداث التي تحصل في الشارع السوري اليوم، من طوابير وإجراءات حكومية وتجارة أزمات، حيثُ انقسمَت التعليقات بين مؤيدين ومعارضين لمُستغلي هذه الأزمات من جهة، وإلى تنديد بالقرارات الحكومية من جهة أخرى، أما بما يخص الطوابير فألم الواقع يدفع السوري اليوم للتخفيف عن النفس بالتهكّم والسخرية.

أبرز التعليقات حول هذا الموضوع، كانت لرياضيّ معروف في الشارع السوري، حيثُ قدّمَ بتهكّم على صفحته الشخصية حلًا للمعنيين بالأزمة، لتخفيف شدة الازدحام أمام محطات الوقود، بتقسيم الطوابير إلى قسم لعامة الشعب، وقسم للمسؤولين. على أن يستمر الوضع الطبيعي بهدوء في القسم الأول، مقابل مشاهدتنا أفلام “أكشن” في قسم المسؤولين وأصحاب السيارات المفيمة.

تعليقات السوريين على التجارة في زمن الطوابير

يامن، من مدينة اللاذقية، ينشر عبر صفحته الشخصية، بما يخص أزمة الخبز: “احترنا مين يلي عم يسرقنا .. معتمد الخبز أم الحكومة .. بكل الأحوال مابهمنا نشالله بينحرقو كلن .. المهم لقمة الخبز توصل لعيلتي”.

وكثرت التعليقات وردود الأفعال عمّا يتعلق بعمل فئة من الناس بانتظارهم بدلًا من صاحب السيارة، وقبض المال مقابل إدخال السيارة “بالمعاكس”، فكثيرين قالوا “حلال عالشاطر” و “برافو عليهن عرفوا يدبروا حق خبزهن”، أما قسم اخر فندّدَ بهذه التصرفات، داعيين لحل الأزمة بدلًا من خلق أزمات أخرى بهذه الطرق.

طوابير الانتظار الطويلة، واحتكار مادة الخبز، بالإضافة لاستغلال الأزمة كسبًا للقمة العيش لفئات، ولزيادة الثروة لفئات أخرى، وسلطة تتخبط  بقراراتها وحلولها، يبقى المواطن السوري الوحيد القابع في هذا الواقع المأساوي، الذي لايُبشر له بأي نقطة أمل.

 

قد يعجبك ايضا