التحوّل لدين أخر في سوريا رحلة صراع مع المجتمع والقانون

الاتحاد برس

ربى السيّد

تشكّل قضية التحوّل الديني، ومع ندرة الحديث حولها، واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية العقّّدة في عالمنا العربي، فطرحنا لسؤال عن أحقّية الإنسان في اعتناقه لمذهب آخر غير مذهبه قد يسبب أزمة كبيرة في المجتمع، وحتّى أن الدولة قد تقوم بمعاقبة الفرد وملاحقته في بعض البلدان. فكيف ينظر الدستور السوري إلى هذه المسألة؟ وكيف أثّرتْ الحرب السورية على قضية المتحوّلين دينياً؟

العيش بسلام غاية لا يدركها المتحوّل دينياً

وفي معرض بحثنا عن الأسباب التي تدفع بالفرد إلى تغيير مذهبه وانتمائه الديني، التقينا في الاتحاد برس بإيلي (25 عاماً)، اسم مستعار لشاب تحوّل دينياً من الإسلام إلى المسيحية على يدّ أحد الآباء الكنسيين في سوريا، وعن الأسباب التي دفعت إيلي إلى اتخاذ هذا القرار يقول لنا:

“أخافتني مشاهد الحرب والدمار بداية الثورة السورية، وأرهبني الاقتتال الحاصل ما بين النظام والفصائل المتشدّدة، كنت أنظر إلى تلك الفصائل وأتمعّن وأقول في نفسي إمّا أن الله غير موجود، وإمّا أنّه خالق شرير، هذا ما سيظنّه طفل في الرابعة عشر من عمره عندما يرى ما رأيت.”.

طقس العماد

ويكمل إيلي:

“كان لدى والدي في المنزل مكتبة كبيرة، فيها من الكتب اللاهوتية والإسلامية الكثير، في يوم من الأيّام، أمسكت الإنجيل وبدأت القراءة، رأيت أن الإله أو الربّ في المسيحية هو الأب ضابط المحبّ وهذا ما شدّني؛ فقرّرت التعمّق في المسيحية أكثر، وفي عمر الثامنة عشر صرت عارفاً بحقل اللاهوت والتفسير، وبدأت بنشر أفكاري على الفيسبوك من حساب وهمي.”.

 

أصبح لدى إيلي العديد من المتابعين والأصدقاء على حسابه الوهمي في فيسبوك، وكان من ضمنهم أحد رجال الدين المسيحيين:

“لاقى حسابي على الفيسبوك رواجاً كبيراً، فدعاني أحد الآباء في الكنيسة إلى زيارته، وأنا هنا مضطر للتحفّظ على اسمه واسم الكنيسة درءاً للمشاكل القانونية. في عام 2017 تعمدّت في الكنيسة، والعماد هو الطقس الذي تصبح مسيحياً بشكل رسمي من خلاله وقد تمتّ هذه العملية بالسرّ.”.

لم يمنع التحوّل الديني إيلي من إعادة النظر في المذهب والتاريخ الإسلامي؛ فيقول إيلي:

“بالطبع أصبحت عارفاً بالسياقات التاريخية لكلا الديانتين السماويتين، ومن وجهة نظري فإنّ التطرّف هو مرحلة لا بدّ أن كلّ عقيدة ستمرّ فيها، حتّى أنّ المسيحية مرّت فيها في القرون الوسطى. أنا اليوم أعيش حياتي كمسيحي، ومع ذلك أعرف أن كلّ ما رآه ذلك الطفل ابن الرابعة عشر لا يمثل الإسلام ولو بقدر قليل، أنا في النهاية ابن بيئة مسلمة متسامحة ومتحابة، والدليل أن عائلتي لم تقف في وجهي ساعة أتخذت قراري.”.

أما عن العواقب القانونية التي تترتب على إيلي اليوم في سوريا بعد تحوّله دينياً، فيحكي لنا:

“الدستور السوري منفصل تماماً عن قانون الأحوال الشخصية، في الدستور لا تفرض أي عقوبة على الشخص الذي يختار تغيير مذهبه، لكن قانون الأحوال الشخصية يحرمني، كمتحوّل ديني، من حقوقي المدنية، ولو قرّرت تغيير مذهبي في الدولة، لأخذت الجهات المعنية هويتي ومنحتني ورقة يدون فيها أني متحوّل ديني، وإذا قتلتْ مثلاً فلن يُفتح أي تحقيق لمعرفة الجاني.”.

ويضيف إيلي:

“أعرف شاباً قضى على خلفية تغيير مذهبه سنتين من حياته بين أربعة فروع أمنية، بعد إخبار والده الجهات المعنية عنه، وكان الغرض معرفة الكنيسة التي وافقت على تعميده ورجل الدين المسؤول عنها. أمّا أنا فأريد عيش حياتي كما أحبّ، وبسلام، وهذا ما دفعني إلى اتخاذ قرار الهجرة التي سأقبلُ عليها في الأيّام القليلة القادمة.”.

 

الحبّ لا يعرف مذهباً أو ديناً

هناك العديد من الأسباب الشخصية التي تدفع الفرد إلى تغيير معتقده الديني، لكن في المقابل هناك أسباب عامة متعلقة بالأسرة والحياة والزواج، وهذه الأسباب هي ما دفعت فادي (27 عام) إلى التخلي عن معتقده الديني واعتناق الإسلام بعد وقوعه في حبّ سارة الفتاة المسلمة؛ فيقول فادي:

“أنا في الأساس شخص غير متدين، لكني أدرك جيداً معنى أن تغير معتقدك الديني: استنكار ونقد واتهامات باطلة تطالك، قلة هم من يتفهمون أن الأمر مجرد قرار شخصي، كان لابدّ لعلاقتي بسارة التي دامت خمس سنوات أن تحظى بنهاية سعيدة.”.

لم يسمح الدستور السوري لفادي الزواج من سارة دون تغيير معتقده الديني، فتزوجها مع أن والده لم يباركا هذا الزواج، ولم يزورا ابنهما الوحيد مدّة سنتين كاملتين:

“اتهمتني أمي بالجنون ساعة أخبرتها، أما والدي فلم يعد يطيق الحديث معي، حاولت لشهور عدة إقناعهما بأن الأمر صوري ولا أفعله إلا بغية إتمام زواجي بالفتاة التي أحبّ، وأني لن أتوانى عن أداء طقوسنا الدينية ساعة زواجي إذا أرادني أن أفعل، لكنهما بقيا مصرين على الرفض، بينما كان والدا سارة يلحان عليّ لإتمام الزواج.”.

ويضيف:

“تزوجنا بلا حفل زفاف، واستأجرنا منزلاً للعيش فيه، وكنت مدركاً أن غضب والديّ لن يطول بل سينتهي عاجلاً أم آجلاً، لكنّه امتد سنتين كاملتين قبل أن أرزق بطفلي الأول، فلما عرفا أن زوجتي الحامل تلد في المستشفى هرعا إلي لرؤية الطفل الذي أعاد لمّ شملنا، لقد خفف مجيئه وطأة الأمر عليهما، وأعادني وزوجتي لنكون أفراداً من هذه العائلة.”.

 

هل التحوّل الديني ظاهرة أكثر انتشاراً مما نعتقد؟

رغم غياب الأرقام والوثائق الدقيقة حول أعداد المسلمين الذين تحوّلوا إلى المسيحية، إلا أنّ مجموعة “DW” الإعلامية الألمانية ذكرت في تقرير لها أنّ ظاهرة اعتناق المسلمين للديانة المسيحية زادت بشكل مدهش في الأعوام القليلة الماضية، وهي غير محصورة بألمانيا وباقي البلدان الأوروبية، ففي إيران مثلاً قُدِّرتْ أعداد المتحوّلين إلى المسيحية بـ 800.00 إنسان، أما في اندونيسيا فقدِّرتْ بستّة ملايين إنسان، وهناك دراسات أخرى تؤكّد أنّ أعداد المتحوّلين إلى المسيحية في العالم الإسلامي تخطّت عتبة العشرة ملايين نسمة، علماً أنّ أعداد المسيحيون الذين يتحوّلون إلى الإسلام ليست أقلّ من ذلك.

ومع أنّ التقرير يشير إلى أنّه ما من إحصاءات دقيقة حول أعداد المسيحين الذين تحوّلوا إلى الإسلام في أوروبا، إلا أنه يقدر أعداد المسلمين في ألمانيا وحدها بحوالي 4.7 مليون نسمة، أي ما يعادل 5.5% من سكان البلاد، فالإسلام حسب الإحصاءات ثاني أكثر الديانات انتشاراً بعد المسيحية. (1)

 

بينما تشير دراسة قام بها موقع “بيو” للأبحاث أنّ الإسلام هو الدين الأكثر نموّاً في العالم، وأن أعداد المسلمين ستتنامى في العالم لتفوق أعداد المسيحين بحلول عام 2050. (2)

 قانون الأحوال الشخصية يضيّق على المتحوّلين دينياً

وفي سياق بحثنا عن العواقب القانونية والمشاكل الأمنية التي قد تترتَّب على المتحوّل دينياً في الجمهورية العربية السورية، التقينا في الاتحاد برس بالأستاذة المحامية مرام أبو محمود، وعن هذه المسألة تقول الأستاذة مرام:

“لا توجد مادّة في الدستور السوري أو في القانون السوري تجرّم الفرد الذي يغيّر مذهبه، ومع ذلك فإّن الدستور لا يكفل حرية وسلامة من يغيّر دينه أو يتبنّى آراء إلحادية كما هو منصوص، إضافة إلى أن قانون الأحوال الشخصية يميّز تمييزاً واضحاً بين الرجل والمرأة فيما يخصّ هذا الموضوع.”.

ولتوضيح هذا التعارض الواضح بين الدستور والأحوال الشخصية، تبيّن لنا مرام أنّ:

“قانون الأحوال الشخصية يتعارض مع الدستور السوري، فبينما يقول الأخير بالمساواة وعدم التمييز على حسب الانتماء الديني، يمنع قانون الأحوال الشخصية المرأة المسلمة من الزواج برجل مسيحي إلا إذا غيّر مذهبه الديني، بينما تستطيع المسيحية الزواج بمسلم شرط أن لا ترثه بعد وفاته.

أي أن القانون يفرض على أبناء المذهب المسيحي من الرجال التحوّل إلى الإسلام إذا أرادوا الزواج من مسلمة، لكنّه يحرّم على أبناء الطائفة المسلمة تغيير مذهبهم إذا هم أرادوا.”.

وتكمل:

“لا يُعترف بالزواج بين مسيحي ومسلمة في المحاكم السورية، ولا يتمّ تسجيل الزوجين في الأحوال المدنية ومنحهما دفتر عائلة ككلّ السوريين، كما أنّ المسلم الذي يغيّر مذهبه لا يستطيع الحصول على أوراق ثبوتية جديدة.”.

وعدا عن الأمور القانونية المتعلّقة بعقد القران والزواج، هناك أيضاً قضايا الإرث:

“حسب قانون الأحوال الشخصية، يحقّ للعائلة التي يرتد أحد أبنائها عن دين الإسلامي أن تتبرّأ منه وأن تحرمه من الميراث أيضاً.”.

أمّا عن ملاحقة الفروع الأمنية للمتحوّلين دينياً ولرجال الدين الميسرين اهذا التحوّل، فتحكي هيام:

“ما من بنود تقول بوجود عواقب قانونية على المتحوّل دينياً، وكل ما يحدث من توقيف أو اعتقال للأفراد ولرجال الدين هو عمل غير قانوني تقوم به الأجهزة الأمنية لأغراض لا علم لنا بها، أما المؤسّسات الدينية فتحرّم التحوّل الديني لأنّها تعتبره نشراً للفتنة بدلاً من عدّه حرية فردية.”.

ونهايةً يبقى المعتقد الديني حرّية شخصية على جميع القوانين والدساتير في دول العالم حمايتها؛ لما تمثّله هذه الحرّية من خصوصية لا يمكن لأيِّ جهة في هذا العالم مصادرتها أو فرضها على الأفراد.

المصادر:

قد يعجبك ايضا