التهجير بين الواقع وأمل العودة

التهجير بين الواقع وأمل العودةالتهجير بين الواقع وأمل العودة

الاتحاد برس:

أصبح ملف التهجير القسري في الحرب السورية واحداً من أكثر الملفات تعقيداً بعد تنفيذ عدد من الاتفاقيات خلال الأشهر الست الماضية أفضت لتهجير الآلاف من سكان مناطق مختلفة بمحافظة ريف دمشق إضافة لحي الوعر في مدينة حمص إلى الشمال السوري.

ورغم أن تلك الاتفاقات تم التفاوض عليها بهدف رئيسي هو إنهاء حصار قوات النظام لتلك المناطق، حصار استمر لأشهر طويلة وفي بعض المناطق تجاوزت مدته السنة، وباتت قوات المعارضة في بعض الحالات معزولة تماماً كحالة حي الوعر الحمصي، الذي كان آخر أحياء مدينة حمص الذي تسيطر عليه قوات المعارضة، وتبعد أقرب نقطة سيطرة لقوات المعارضة عن الحي نحو أربعة كيلومترات في قرية الدار الكبيرة بريف حمص الشمالي.




إلا أن بدء التهجير يعود للعام 2013 وذلك عندما سقطت منطقة القصير بريف حمص الجنوبي في الخامس من شهر حزيران/مايو من ذلك العام تحت سيطرة قوات النظام وميليشيا حزب الله اللبنانية، ويعتبر ذلك التاريخ نقطة في تحول مجرى الصراع على الأرض السورية ونهاية لمرحلة المظاهرات السلمية فعلياً، تم حينها تهجير نحو أربعين ألف مدني مرة واحدة ومعهم نحو ثلاثة آلاف من مقاتلي المعارضة كان أكثر من نصفهم مصابين، وكانت العلامة الفارقة في تلك الحادثة أن التهجير لم يتم بعد مفاوضات كغيره من عمليات التهجير التي أتت لاحقاً.

وفي العام 2014 تم التوصل إلى اتفاق ينهي الحصار عن أحياء مدينة حمص القديمة، وخرج مقاتلو المعارضة من تلك الأحياء بـ “الباصات الخضراء” بعد أكثر من خمسمائة يوم من الحصار، ليكون ذلك الاتفاق فاتحة اتفاقات مشابهة سلّمت قوات المعارضة من خلالها مناطق هامة لقوات النظام بعدما باتت محاصرة ومعزولة عن مناطق أخرى.

أما ما تغفل عنه التقارير الإعلامية هو وجود شريحة ما زال وضعها مبهماً نوعاً ما وهي شريحة المدنيين الذين نزحوا إلى مناطق سيطرة قوات النظام قبل سقوط مناطقهم الأصلية، وهؤلاء غير مطلوبين لأي جهة أمنية أو للخدمة العسكرية في صفوف قوات النظام ولا لخدمة الاحتياط، ولهم وضعهم الخاص في كون نسبة كبيرة منهم لا يسمح لهم العودة إلى منازلهم رغم “تطهيرها” حسب وقف وسائل إعلام النظام؛ وكمثال على ذلك يروي شاهد عيان لشبكة “الاتحاد برس” كيف قامت مجموعة تابعة للحزب القومي السوري الاجتماعي في مدينة القصير بريف حمص الجنوبي، بطرد عائلة من آل “فرح” بعد عدوتها لمنزلها في المدينة، وذلك رغم أن الابن الأكبر لتلك العائلة ضابط والآخر متطوع في قوات الأمن لدى النظام!

ورغم احتمال وجود دوافع طائفية وراء معاملة هذه العائلة بتلك الطريقة، إلا أن ذلك لا يمكن سحبه على كامل تلك الشريحة من النازحين، إذ أن أغلب المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام لم يعد إليها النازحون لعدة أسباب منها: عدم توفر الخدمات، والفلتان الأمني، ومشروطية الحصول على موافقة أمنية قبل العودة!

من جانبهم المهجّرون حديثاً أبدوا امتعاضهم الشديد من الحالة التي وصلوا إليها في مناطق تهجيرهم؛ حيث عبر بعض المهجرين من حي الوعر الحمصي في منطقة جرابلس بريف حلب الشمالي الشرقي عن سخطهم لعدم كفاية التجهيزات لأعداد المهجّرين إذ بات بعضهم دون خيم تؤويهم وطالب بعضهم بإعادتهم إلى الحي الذي بات تحت سيطرة قوات النظام مبدين استعداداً لإجراء تسوية كانوا رفضوها سابقاً عند تسجيل أسماء الراغبين بالخروج من الحي والذين زاد عددهم عن عشرين ألف مدني.

في حين عبّر كثيرون من مهجري منطقة وادي بردى الذين انتهى بهم المطاف في محافظة إدلب عن أملهم بالعودة سريعاً إلى منطقتهم، مبدين قلقهم في الوقت نفسه من الوضع الحالي تحت سيطرة قوات النظام، وأعربوا عن أملهم في التوصل إلى حل شامل في أقرب وقت ينهي رحلتهم في الشمال السوري.

غير أن ذلك كله يصطدم بواقع صعب جداً، إذ يجد النازحون في مناطق النظام صعوبة بالعودة إلى منازلهم، فما هو الحال مع المهجّرين الذين فضّلوا الخروج إلى مناطق المعارضة؟ وباتت أسماؤهم مسجّلة لدى قوات النظام أنهم “خرجوا إلى مناطق المسلّحين”! إضافة إلى ما سبق، هل يكفي وجود الأمل وحده لإعادة النسيج الاجتماعي لهذه المناطق التي اختلت تركيبتها بشكل جسيم إلى ما كانت عليه قبل العام 2011؟ وهل هناك نية أساساً لدى الساسة وأصحاب القرار في اتخاذ خطوة من هذا النوع؟

قد يعجبك ايضا