الثغرات الرقابية تكشف حقيقة سرقة المصرف الدولي للتجارة والتمويل في سوريا (الجزء الثاني)

تحقيقات _ الاتحاد برس||

  • تأمين البيئة المناسبة للسرقة
  • رفض التعويض من قبل شركة التأمين 
  • فبركة غياب المدراء الثلاثة بعد عملية السرقة
  • تواطؤ المعنيين في التكتم عن ملاحقة السرقة
  • السر الكامن وراء رقم المبلغ المسلوب

وسام أبو حسون

كثرت حوادث السرقة والسطو والنهب في سورية وتحولت نحو مستوى عالٍ في ظل انعدام المسؤولية من قبل المعنيين، فطالت الأموال العامة والبنوك والمصارف التي جعلت بعض الأشخاص يحللون الممتلكات العامة إلى جيوبهم الخاصة.

وبعد أن عرضت في (الجزء الأول)  تفاصيل عملية السرقة والثغرات الرقابية التي استغلها السارق مدير خزنة المصرف الدولي للتجارة والتمويل “محمد أمين سوركلي” من أجل التحضير لعملية السرقة، سأبدأ الحديث في هذا الجزء من يوم السرقة وما حدث بعده. 

تم تنفيذ عملية السرقة ” الخميس” 17/1/2013 والذي أتاح للسارق يومي عطلة بعده لتنفيذ مخططه واستكمال أموره، ﻗﺎم مدير فرع المركز بجمع ﻛﺎﻓﺔ الموظفين وتكليفهم بمهمة نقل للنقد من الفروع التي لدﯾﻬﺎ ﻓﺎئض عن السقف المسموح ﺑﻪ “على اعتبار أن بوليصة التأمين تنص في شروطها على وجود معايير معينة يجب أن تكون موجودة من أجل تغطية الحوادث المصرفية من سرقة واختلاس وغيرها” إﻟﻰ الفروع التي ﺗﻌﺎﻧﻲ من نقص ﺑﺎﻷموال عن الحد اﻷدﻧﻰ المسموح ﺑﻪ.

طلب مدير الفرع من المفوضين إجراء جرد للقاصات قبل الذهاب، بما أن عملية النقد ستتطلب وقتًا طويلًا للتنقل بين الفروع وبالتالي الوقد لايسمح بإجراء جرد للخزنة في نهاية الدوام، فأقنع الموظفين بعدم إجراء جرد للخزنة عند العودة باعتبار أن عملية نقل الأموال هي فقط لنقد الفروع وليس على حساب الخزنة الرئيسية.

تأمين البيئة المناسبة للسرقة

تم إعطاء الأمر بخروج كافة موظفي الخزنة الرئيسية من قبل مدير فرع المصرف لنقل الأموال وهذا يعتبر مخالفة كبيرة للإجراءات المصرفية وبحسب القانون المصرفي يجب إبقاء عددًا من الموظفين ضمن الفرع وعدم ترك مركز العمل فارغًا بشكل نهائي.

ونظرًا لحجم عمليات السحب الكبيرة التي ستتم، فقد خرجت كافة سيارات المصرف وكافة موظفي أمن المصرف مع سيارات النقد وبقي موظف واحد على مدخل الإدارة العامة.

وبما أن رئيس الصرافين “المفوض الأصيل” خرج مع سيارات النقد فقد قام بتسليم المفاتيح لمدير فرع المركز “المفوض البديل” “محمد أمين سوركلي” وهنا استطاع المذكور الحصول على الرقم السري والمفاتيح معًا، فدخل إلى الخزنة الرئيسية لوحده وعبأ الأموال الموجودة ضمن الحقائب وأخرجها من الباب الخاص بالفرع وليس من مدخل الإدارة العامة وكان بانتظاره شركاءه لنقل الأموال في سياراتهم الخاصة.

وهنا تكمن الكارثة الرقابية والمخالفة القانونية الكبيرة بدخول السارق لوحده إلى غرفة القاصات وأخذ النقد واخراجه من باب فرع شارع الباكستان وليس من باب الإدارة العامة؛ فالمركزان يتشاركان مبنى واحد بمدخلين مختلفين. وكانت حجة السائق بأنه يريد نقل الأموال إلى المصرف المركزي بسبب الفائض في الأموال ضمن الخزنة الرئيسية.

هل رُفض التعويض من قبل شركة التأمين؟

صرح المصرف فيما بعد بأن شركة التأمين ستقوم بتغطية المبلغ المسروق ولكن عادة ما تقوم شركات التأمين أولاً بالإطلاع على الإجراءات المتبعة في عملية نقل وتداول النقد للتأكد فيما إذا كان المصرف كان قد التزم بجميع الشروط الرقابية المنصوص عليها في بوليصة التأمين، حتى يتم التأمين على المبلغ المسروق، و هنا يطرح السؤال:

في إحدى ملاحظاتنا كإدارة تدقيق والتي لم يتم ذكرها في محاضر التدقيق هي عدم وجود أي محاضر جرد لفترات طويلة وذلك حسب توصيات مدير فرع المركز للموظفين بعدم إجراء الجرد في الأيام التي لايتم فيها عمليات تداول على الخزنة، مما جعل الموظفين يعتادون على هذا التقصير وكان هذا سببًا كافيًا لرفض شركات التأمين دفع التعويض، وذلك بسبب أن الجرد هو الشرط الأساسي المذكور ضمن البوليصة المتفق عليها بين شركة التأمين والمصرف الدولي للتجارة والتمويل، بالإضافة إلى مخالفة أخرى وهي نقل النقد بسيارات غير تابعة للمصرف أساسًا
بدلًا من السيارات المصفحة التي كان من المفترض أن ينقل بها النقد بوجود موظفي أمن المصرف الذين كانوا أساسًا في مهام نقل نقد أخرى.

فبركة غياب المدراء الثلاثة بعد عملية السرقة

غادر المدراء الثلاثة وهم الرئيس التنفيذي للمصرف “سلطان الزعبي”، و مدير إدارة خدمات الأفراد “أحمد عليوات”، ومدير إدارة التدقيق “عدنان إدعيس” وهم أردنيي الجنسية، غادروا يوم الخميس باكراً كالمعتاد من أجل الوصول إلى عمان قبل غياب الشمس.

ولكن الذي لم يكن إعتياديًا هو عدم حضورهم يوم الأحد، وهو أول يوم دوام في الإسبوع التالي لعملية السرقة، وكانت حجتهم أنهم تعرضوا لاعتداء على طريق “دمشق” “عمان” في منطقة تابعة لمحافظة “درعا” وذلك من قبل مسلحين قاموا بسلبهم كافة أجهزتهم الإلكترونية و نقودهم، ولكن الغريب بالأمر هو أن المسلحين لم يقوموا بسلبهم السيارة الفارهة التي استطاع المدراء الثلاثة الوصول بها إلى دمشق والتي يقدر ثمنها بالملايين “ويذكر أن سيارة الرئيس التنفيذي من نوع BMW-X5” وكان بإمكان المسلحين القيام بسرقتها بسهولة بالغة للغاية.

وهنا يطرح السؤال نفسه :

تواطؤ المعنيين في التكتم عن ملاحقة السرقة

في سياق متصل، وبناء على التصريحات الرسمية قام الإعلام بنشر خبر إلقاء القبض على “محمد أمين السوركلي” في مصر  دون ذكر باقي التفاصيل في حين كان يردنا من مكتب الرئيس التنفيذي السيد “سلطان الزعبي” أن “أمين السوركلي” تم إلقاء القبض عليه من قبل الشرطة التركية عندما كان يتابع إحدى المباريات حاملاً جواز سفر مصري منتهي الصلاحية لشخص تبين لاحقاً أنه متوفى، وهو ما ساعد السلطات المصرية على كشف هوية “محمد أمين السوركلي” الحقيقية و إلقاء القبض عليه.

هنا تكثر التساؤلات:

  • لماذا تم التكتم على وجود السارق ضمن الأراضي التركية التي كانت في ذلك الحين من أكبر ممولي المقاتلين الجهاديين الإسلاميين في سوريا؟
  • ولماذا لم تتم إقالة أي من مدراء المصرف من قبل بنك الإسكان؟

حيث أنه في مثل هكذا عمليات سرقة ضخمة تتم إقالة الإدارة بأكملها، ولكن هذا لم يحدث.

لماذا لم يتخذ مصرف سوريا المركزي أي إجراء بحق الإدارة التنفيذية للمصرف الدولي للتجارة والتمويل على الرغم من أنني قمت بتدريس حادثة الاختلاس هذه شخصيًا وبكل تفاصيلها لموظفي مفوضية الحكومة لدى المصارف في عام 2014 وعلى الرغم من ذلك لم يحرك أحد ساكنًا؟

السر الكامن وراء رقم المبلغ المسلوب

تم تأسيس “المصرف الدولي للتجارة والتمويل” بموجب قانون المصارف الخاصة رقم 28 لعام 2001 في سورية، برأسمال يبلغ  1.500 مليون ل.س مدفوع بالكامل، كما يملك “بنك الإسكان للتجارة والتمويل”، ثاني أكبر مصرف في الأردن، ما مجموعه 49% من أسهم المصرف.

وإذا أردنا إجراء ربط بسيط ما بين قيمة المبالغ المسروقة وتفصيلات رأس المال المدفوع يمكن أن نورد مايلي:

  • إن مجموع المبالغ المسروقة هي 3,400,000  دوﻻرًا، و  4,750,000 يورو،  و 33,000,000 ل.س.
  • أي ما يعادل مامجموعه الـ 800 مليون ليرة سورية، وهو أقل من نصف رأس المال المكتتب به ولكن يقترب منه مع مراعاة فروق سعر الصرف ما بين تاريخي الاكتتاب والسرقة.

وخصوصاً بعد القرار الذي أصدره مصرف سوريا المركزي في بداية الأحداث بمنع سحب أي حصة أجنبية من رؤوس أموال المصارف العاملة على الأراضي السورية، و كذلك الأمر لم يقم سواء بنك الإسكان الأردني أو بنك سوريا المركزي بإتخاذ أي إجراءات عقابية بحق الإدارة التنفيذية التي وحسب العرف المصرفي يجب إقالتها بشكل كامل كأول إجراء ولكن هذا لم يحدث.

وفي النهاية أريد الإشارة بأن مكافأة الأرباح التي حصل عليها الرئيس التنفيذي للمصرف الدولي للتجارة والتمويل في عام 2010 بلغت الـ 33 مليون ليرة سورية -دون احتساب الراتب البالغ 1,500,000 ليرة سورية شهرياً- أي أن المكافأة لوحدها تزيد عن 700 ألف دولار.

ويحق له بحسب قرارت مصرف سوريا المركزي تحويل ما قيمته 50 بالمئة إلى خارج البلاد، وهذا يعني بأنه يستطيع تحويل ما قيمته 350 ألف دولار للخارج فقط عن مكافأة الأرباح.
لقد كان هذا فقط المبلغ مكافأة لمرة واحدة سنويًا لمدير واحد غير سوري من أصل عشرات المدراء السوريين واللبنانيين.

فلماذا لم يتم الاعتماد على الكوادر السورية التي أثبتت جدارتها في القطاع المصرفي، وتم الإبقاء على العمالة الأجنبية التي سببت ضغطًا هائلًا على موازنة القطع الأجنبي السوري وساهمت بإفراغ البلاد من احتياطاتها من العملة الأجنبية؟

من هو المستفيد الأول والأخير من بقاء هؤلاء وماهو المقابل الذي يتلقاه بسبب وجودهم في سوريا في ظل الحرب والدمار الاقتصادي الذي جعل أكثر من 80 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

قد يعجبك ايضا