الجزائر والأزمة السورية.. أسئلة المرحلة

خالد بن عمر ققةالجزائر والأزمة السورية.. أسئلة المرحلة

  • العرب – خالد عمر بن ققة

للعلاقات الجزائرية – السورية طبيعة خاصة قائمة تاريخيا على أساس أيديولوجي وتنظير سياسي، منذ الحوار الجاري في لقاء جمع بين حزب البعث العربي السوري، وحزب جبهة التحير الوطني في ستينات القـرن الماضي في دمشق، وانتهى إلى عدم حاجة القوميين العرب، خاصة حزب البعث، إلى تجنيد أو دعوة جزائريين إلى الانضمام إليه، أو العمل على نشر آرائه وأدبياته في الجزائر، من منطلق أن حزب جبهة التحرير الوطني حامل لأفكار وأطروحات قومية، وموجود في السلطة.

لقد تواصلت تلك العلاقة، وتعمّقت في فترات السلم والحرب، وبلغت الذروة خلال حرب أكتوبر 1973، وبعدها تحالفت الجزائر بقيادة هواري بومدين مع سوريا برئاسة حافظ الأسد، على إيجاد ودعم ما يعرف بجبهة الصمود والتصدي، ويمكن القول إن تلك العلاقة قامت على أمرين، الأول: الميراث التاريخي المشتـرك، حيـث يحفـظ الجزائريون، قيادة وشعبـا، جميل السوريين باحتضانهم ـ على غـرار ما حـدث مـع هجـرات صـوب تونس والمغرب قبل وأثناء ثورة 1954 – للأمير عبدالقادر للإقامة في دمشق رفقة عائلته، والتحاق الآلاف من الجزائريين به بعد ذلك.

والأمر الثاني المواقف المتعلقة بالمصير المشترك، وهذا على طول سنوات ما قبل قيام الشعب السوري بانتفاضته ضد النظام، وظهور جماعات إرهابية أصبحت تهدد وجود الدولة السورية، لكن بعد الأحداث الأخيرة، تعمق اختيار الجزائر في أن تكون إلى جانب سوريا، وكل المواقف داخل الجامعة العربية وخارجها تؤكد ذلك.

من ناحية أخرى، فإن الجزائر تؤكد دائما على وحدة سوريا واستقرارها، وترفض أيّ تدخل أجنبي فيها حتى لو كان عربيا، كما ترفض مساعدة كل المعارضة التي تحمل السلاح في وجه النظام، ولأنها تنطلق من تجربة في مواجهة الإرهاب غير بعيدة عن الحالة السورية وعن حاضرها، وأيضا من تجربة ناجحة في المصالحة الوطنية بعد عشرية دموية، فإنها تتبنّى الدعوة إلى حوار سلمي بين أطياف الشعب السوري، وهو ما أكده تصريح سفير الجزائر لدى سوريا، صالح بوشة، منذ يومين لوكالة الأنباء السورية “سانا”، حين قال “الجزائر ترفض أيّ تدخل في سوريا وعسكرة النزاع فيها، وتدعو إلى حل سياسي للأزمة في إطار حوار سوري – سوري، كما أنها تتحفّظ على القرارات التي اتُّخذت في حق سوريا، وأنها داعمة لها منذ بداية الأزمة”.

ولأن تصريح السفير الجزائري كان عشية إحياء الجزائر للذكرى الــ62 لاندلاع ثورة التحرير، فقد سعى لتنشيط الذاكرة واسترجاع التاريخ بقوله “الشقيقة سوريا كانت من أوائل الدول العربية التي ناصرت القضية الجزائرية ودعمتها سياسيا في المحافل الدولية والإقليمية حتى أنجزت الاستقلال، إضافة إلى الدعم والمساعدة المقدمة من الشعب السوري عبر صندوق التضامن مع الشعب الجزائري، وتدريب عدد من الشبان الجزائريين في سوريا”.

الموقف الجزائري من الأحداث السورية على النحو الذي تابعناه، يعود إلى ثلاثة أسباب، أولها: رفض التدخل في شؤون الدول، سواء أكان دعما معنويا للحوار أو تدخلا عسكريا، وثانيها: أن كل دولة هي الأولى بحل مشكلاتها الداخلية بالصيغة التي يراها أبناء المجتمع، وينطبق هذا بوجه خاص على سوريا. وثالثها: مناهضة الإرهاب على خلفية ما عاشته في تسعينات القرن الماضي ومجابهته لوحدها أمام صمت دولي، ولذلك كان موقفها مناهضا للإرهاب في سوريا منذ بداية الأزمة، وحذّرت من انتشاره إلى الدول الأخرى.

غير أن الموقف الجزائري يبدو متناقضا من الناحية الواقعية، مما يحدث الآن في سوريا، حيث تحولت إلى ساعة للوغى بين عدة أطراف دولية، منها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتركيا وروسيا، ناهيك عن جماعات إرهابية مدعومة من دول عربية، فكيف للجزائر أن لا تدين التواجد الأجنبي على الأرض السورية؟

يبدو أنها لا تريد أن تكون طرفا مباشرا في الحرب، ثم إن لها علاقات مميزة مع أطرف دولية موجودة على الساحة السورية، منها تركيا وروسيا، وبالنسبة إلى هذه الأخيرة فإنها على مستوى عال من التنسيق الذي يصل من الناحية العسكرية إلى درجة التحالف، ناهيك أنها ترى المشاركة الروسية مشروعة مادامت قد تمت بطلب من الدولة السورية.

كيف للجزائر عن طريق مسؤوليها، ومنهم سفيرها في دمشق، أن تدعو إلى ضرورة تحرك عربي أوسع لمساعدة الشعب السوري بكل مكوناته وطوائفه على التحاور مع بعضه لإيجاد حل للأزمة التي تعيشها سوريا بكل أبعادها، والدول العربية الأخرى ترى أن بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة يحول دون ذلك؟

الجزائر تؤكد في مواقفها أن إضعاف سوريا هو إضعاف للأمة العربية ككل، وتأمل في حدوث اتفاقات عربية وإقليمية على حفظ سوريا، وإبرام مصالحة شاملة بين الشعب السوري، لكنها تتجاهل مصالح القوى العربية والإقليمية المساهمة في الأزمة السورية؟ ثم هل بالأماني تحلّ المشكلات الكبرى؟

الجزائر تقرّ من خلال سفيرها في دمشق أن علاقتها الاقتصادية مع سوريا لا تزال ثابتة، اعتمادا على الاتفاقيات التجارية الموقعة منذ العام 1979، لكن التبادل بين البلدين تراجع إلى مستوى متدن للغاية، فقد كان يقدر بنحو 600 مليون دولار لغاية عام 2010 في القطاعات النسيجية والغذائية والمشتقات النفطية، في حين انخفض نتيجة الأزمة الحالية ليتراوح بين 10 و20 مليون دولار، فكيف لها أن تعمل من أجل الوصول إلى وسائل وآليات جديدة لتفعيل التعاون الاقتصادي بين البلدين والحرب لم تضع أوزارها بعد؟

هناك سؤال جوهري تطرحه المعارضة السورية، ومضمونه: لماذا لم تدخل الحكومة الجزائرية في حوار معنا مادامت تدعو إلى مصالحة بين الأطراف السورية؟ وتبعا لذلك لماذا لا تدعو النظام السوري إلى إيقاف حربه الضروس على المدنيين العزل في القرى والأرياف والمدن؟

في نظر بعض المراقبين، وأطراف من المعارضة، أن الجـزائر، وإن أعلنت موقفها من خلال دعوتهـا إلى حل سلمي، إلا أنها مثل دول عربية أخرى كثيرة بعيدة من الناحية الجغرافية عن سوريا، الأمر الذي يعصمها من نار الحـرب، ودعوتها مرتبطة باستقـرارها النسبي، وبنجاحها في الانتصار على الإرهاب، وهو ما يصعب تكراره في سوريا المُخْتلفة زمانيا ومكانيا عن الجزائر.

قد يعجبك ايضا