الحرب تأخذ رجالنا وتعيدهم لنا سلال غذائية

هزار مخايل- اللاذقية

 

قبل أن يذهب الرجال إلى الحرب يجب أن توقّع زوجاتهم ورقةً تتضمن موافقتهن على إرسال أزواجهن إلى المجهول، واستعدادهن لاستقبالهم عند عودتهم بتوابيت خشبية، وعلى الرجال أن يوقّعوا ورقةً أخرى تتضمن موافقتهم على أن تستخدم زوجاتهم شهادات وفاتهم في طوابير المعونات.

يجب أن تأخذ النساء وقتهن في تلميع صدور أزواجهن، وتزييت عظام الكتفين كي يتمكنوا من حمل البنادق بخفة، ويجب أن يلعبن معهم لعبة (البسكليت) التي يلعبها الأهل مع أطفالهم في الأسرّة؛ حيث توضع الأقدام على الأقدام ويتم تحريكها بحركة دائرية تشبه حركة عجلات الدراجة الهوائية، وذلك من أجل تدريب سيقانهم على الجري السريع، فالمرأة التي زيتت كتفي حبيبها، ودربت ساقيه على الجري السريع ربما يكون أملها بعودته أكبر.

لكن، منذ متى والحرب تسأل عن رغبات الزوجات وآمالهن!؟ الحرب ثابتةٌ على مبادئها، ومستعدةٌ للدفاع عنها بشراسة، الحرب لا تسأل ولا تستأذن ولا تطلب بلطف أو بعجرفة، بل تمدّ يديها وتأخذ ما ومن تشاء، وكأنها تسترجع ما كان ملكاً لها وسُلِب منها.

الحرب رجلٌ ضخمٌ وُلِد بتسطح حاد في القدمين ووسواس قهري بضرورة السير فوق الدروب الناعمة المصقولة بعناية، لذلك تختار بتروٍّ أجمل وأنقى ضحكاتنا وأكثرها التصاقاً بالقلب وتسير فوقها بكل ثقلها.

الحرب تستبدل الرجال بسلال غذائية، أو بطانيات صوفية، أو مجموعة منظفات، وماذا نفعل بالسلال الغذائية إذ نطبخ محتوياتها لأولادنا بكآبة شديدة، ونأكلها على مضض وبمعدات تتقلص من الألم، وعيون ذابلة مكسورة، وضحكات مصطنعة، وعجز هائل عندما يسألنا الأولاد: ماما متى يعود بابا؟! ماذا نجيب أولادنا؟ بحق الجحيم… أنقول لهم إنكم تأكلون ما تبقى من بابا!! أنقول لهم إن الحرب لا تغصّ برجل طويل عريض، بل تبلعه دون أن تبصق منه حتى العظام أحياناً؟!

ماذا نفعل بالبطانيات السميكة؟! وفراشنا بارد وخاوٍ، في الليل لا نشم سوى روائح أجسادنا، نحضن أنفسنا وننام، وتخنقنا رائحة الشراشف النظيفة، فلا جسد نحبه يتعرق قربنا، ولا أنفاس حارة تلفح وجوهنا، ولا سعال جاف يوقظنا من نومنا، ولا معارك نخوضها من أجل الظفر بأوسع مساحة من السرير أو اللحاف، أسرّتنا دائماً فيها وسادة زائدة لم نكن نحلم بأن نستيقظ لنجد عليها وردة حمراء، بل أقصى أحلامنا أن نجد عليها بقعة عرق أو شعرة من رأس أعتاد أن تكون وسادته، ولكنها تبقى خاوية، أو يشغلها أولادنا الذين لم يكبروا بعد ليعرفوا أهمية أن تحتفظ المخدات بروائح من كانت لهم.

ماذا نفعل بالبطانيات الجديدة وأجسادنا الفتية شاخت قبل أوانها بعشرات السنين، ماذا نفعل بها عندما تبدأ العيون النهمة باستراق النظر إلى أفخاذنا وصدورنا نحن النساء اللواتي لا يسبب اغتصابنا مشكلةً لأحد؛ إذ سبق أن كنا متزوجات، سبق أن فتحنا سيقاننا لرجل سرقته الحرب، سبق أن ضحكنا في السرير، وبكينا، وبلغنا ذروة المتعة.

ماذا نفعل بالمنظفات والمعقمات؟! والبيوت التي نقطنها يأكلها العفن، عفن الفقد والحسرة وقلة الحظ… والقلوب التي نحملها بين ضلوعنا لا تغسل أحزانها كل المياه التي انسكبت عام 1931 في فيضانات وسط الصين، ماذا نفعل بالليف، وليف أرحامنا المهجورة بدأ ينمو ويشكل أشجاراً؟! أنستبدل أزواجنا بمعجون الغسيل، وعلب معجون الحلاقة خاصتهم لم يستخدموها سوى مرة واحدة عندما حملوا سلاحهم وذهبوا!… ولم يعودوا!

نحمل دفاتر عائلاتنا فوق ظهورنا وقلوبنا، نحمل أسماءنا المقرونة بأسماء موتى لم يغادرونا، نحمل عيوننا المكلّلة بالشوك عوضاً عن الكحل، نحمل أقدامنا المرتخية مثل الشرائط السوداء التي عقدناها في جنائزهم حول صورهم وصورنا معهم، نحمل صدورنا الجافة وعروقنا اليابسة وأرحامنا الميتة، ثم نتدافع ونتقاتل مع من هنّ مثلنا، ونمد أذرعنا المرتجفة القصيرة بدفتر العائلة وشهادة الوفاة وتقدير شرف… فيصيح موظف المساعدات الإنسانية : أرملة شهيد… سلةً غذائيةً، ولحاف صوف.
وهكذا كل شهر نستبدل بأزواجنا سلالاً وبطانيات.

 

قد يعجبك ايضا