الحلم الموعود في أوروبا يمر من مقدونيا وفصول من مأساة السوريين تتكشف على حدودها

4

الاتحاد برس – يمنى الدمشقي

ظنت أن آخر الأخطار التي قد تواجهها هي البحر، وظنت أن نجاتها من المركب المهترئ وتجاوزها عواصف البحر ووضع قدمها عند اليابسة هي حبل النجاة الذي قد مد لها، إلا أنها لم تكن تستوعب حجم الأخطار التي قد تتعرض لها في طريق البر وصلاً إلى الحلم الموعود!
لم تكن رحلة سعاد قد انتهت عندما وصلت إلى أول جزيرة في اليونان، بل كانت قد بدأت فيها، لم تكن تتخيل حجم المعاناة التي قد تتعرض لها في طريقها في البر إلى أوروبا، وكانت معاناتها قد بدأت منذ أن استلمت الخارطية اليونانية واتجهت إلى سالونيك، ومشت هناك ما يزيد عن تسعة ساعات متواصلة تحت حر الشمس، وعلى سكة القطار حتى كادت تصاب أكثر من مرة بالدوار وتسقط لعدم توفر المياه الكافية معها وعدم قدرتها على المشي ساعات طويلة تحت حر الشمس، واستمرت هذه المعاناة حتى وصولها إلى منطقة أفزوني الحدودية بعد استراحتها في منطقة بولي كاسترو!
من افزوني يتجمع السوريون في فندق حارة القريب من الحدود المقدونية، حيث ينبغي على اللاجئين أن يسلكوا طريقاً آخر بين حقول القصف والذرة ثم يمشوا في الغابات المقدونية ذات السمعة السيئة!
بدأت العاصفة المحملة بالامطار عندما خرجوا من منطقة أفزوني قاصدين الحدود المقدونية، ومشوا لساعات طويلة بين حقول الذرة والقمح والشعير، وتثاقلت حركتهم بفعل الطين الذي علق على أحذيتهم، كانت تمر اللحظات ينال منهم اليأس من أن يتمكنوا من عبور تلك الحدود وصولاً إلى مقدونيا، أكثر من ألفي شخص نصفهم من النساء والأطفال يمشون بطريق واحد، تارة يسقط عجوز من شدة التعب وتارة أخرى يبكي الاطفال وتارة أخرى تنهار النساء من المشي والتعب، بينما حاول الرجال قدر المستطاع أن يحافظوا على قواهم وهم محملين بأمتعتهم.
تضيف سعاد، لفت نظري وجود أحد الشباب المصابين من مدينة حلب يمشي على عكازتين، بعدما تخلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان عنه، فحاول هو الآخر أن يسلك هذا الطريق.
وتقول استمررنا بالمشي ما يزيد عن أربع ساعات متواصلة، حتى وصلنا إلى الحدود المقدونية وهناك وجدنا الشرطة بانتظارنا، الذين بدورهم منعونا من الدخول وطلبوا منا العودة إلى اليونان! لم أكن أتخيل أني بعدما سلكت كل هذه الطرق وتعرضت لهذا العذاب أن أعود من حيث أتيت!
توسلنا لهم بالأطفال والصغار الذين معنا وبالنساء الحوامل أن يسمحوا لنا بالعبور إلا أنهم رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، حاولنا بعدها أن نعتصم واتصلنا بوسائل إعلام لتغطي الحدث، إلا أن ذلك لم يكن له أي أثر لديهم، وهددونا بالسجن وضرب القنابل المسيلة للدموع إن استمرينا بالاعتصام، فآثر بعض الشباب الذين كانوا معنا أن نتفرق متخذين من طرق الغابات وسيلة للدخول إلى أول ضيعة في مقدونيا “جفجيليا”، وبالفعل انطلقنا إلى الغابات لكننا فوجئنا بوجود الشرطة المقدونية على كل مداخل الغابات التي تؤدي إلى القرية، ولم يكن أمامنا سوى أن نهرب من المقبرة إلى البلدة، تمكنت مع 7 أشخاص من التسلل عبرها، حتى وصلنا إلى سكة القطار وقضينا الليلة فيها، وبسبب كوننا سوريين فإنه يمنع عل ىالسيارات الخاصة أن تقلنا ولا حتى الباصات، كما يمنع بيع تذاكر القطار لنا، فحاول أحد الشبان الذين معنا أن يدفع رشوة لشاب مقدوني صادفناه أثناء هربنا ليشتري لنا تذاكر القطار، إلا أنه سرق المبلغ وهرب!
وتضيف سعاد قضينا الليل كله خلف السكة الحديدية لمحطة القطار، حتى طلع الفجر، وذهب أحدهم لموظفي القطارات ليتمكن من شراء تذاكر لنا، وبالفعل اشترى تلك التذاكر بسبب طيب معاملة الموظف، وصعدنا إلى القطار، فرآنا الشرطي المفتش ونحن بالقطار وطلب منا النزول أو ندفع له رشوة! وبالفعل أخذ من كل شخص منا 5 يورو! ليسمح لنا بالبقاء، وفي كل محطة يصعد شرطي أقسى من الذي قبله، فبعدما كان يطلب منا أن ندفع النقود، صار يضرب الشباب بقسوة ويطلب منهم النزول، وكانوا يغضون النظر قليلاً عن العائلات!
أحد الشباب ضرب ضرباً مبرحاً من الشرطي، حتى كسرت يده ولم يعد قادراً على تحريكها، ومثلى الكثير، للحظات عادت بي الذاكرة إلى سوريا، وإلى مشهد الذل الذي هربنا منه والذي كنا نتعرض له على أيدي جيش النظام وشرطته! ووصل الامر بالشرطة إلى ضرب النساء وإهانتهن وغنزالهن من القطار مثلهم مثل الرجال، وكنا كلما اقتربنا من الحدود الصربية وتجاوزنا محطة قطار نتعرض للضرب والذل أكثر وأكثر.
مشهد السوريون الذين يهرعون للهرب من المشي في غابات مقدونيا خوفاً من الحيوانات المفترسة، وانتظارهم أمام محطات القطار ليركبوا به كان قاسياً جداً، صادفنا الكثيرين منهم الذين بقوا يمشون ثلاثة وأربعة أيام متواصلات حتى باتوا يأكلون ورق الشجر، وانتظروا كغيرهم أمام محطة القطار ليصلوا إلى صربيا، لكنهم أيضاً ما إن صعدوا إلى القطار حتى تلقوا الضرب والإهانة من الشرطة المقدونية، التي أجبرتهم بدورها على النزول من القطار، وتضيف سعاد أن الرحلة استمرت هكذا مابين ضرب وإهانة وذل وما إن بقي عدد قليل من السوريين في القطار معظمهم من العائلات حتى اقترب منا أحد عناصر الشرطة وطلب مبلغ 20 يورو عن كل شخص لنصل !
ولم تسلم سعاد من تلك الإهانة فبعدما دفعت هي الأخرى في كل مرة للشرطي، ضُرِبَ زوجها بشدة حتى أصيب برضوض في كتفه من قبل الشرطي الذي طلب منه النزول، لكنهم تمكنوا من الصعود إلى مقطورة أخرى في القطار لاحقاً حتى وصلوا إلى صربيا لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة!
تشير الصور الأخيرة التي تأتي من مقدونيا إلى أوضاع شبه كارثية يعيشها السوريون هناك، فلم يعد الأمر يقتصر على منعهم من الدخول، بل امتد إلى إطلاق الرصاص عليهم واعتقالهم كما يحدث مع السوريين في سجن “غازي بابا” في مقدونيا ذي السمعة السيئة الذي حذرت مراراً منظمات إنسانية وحقوقية من الأوضاع الصحية المزرية فيه وطالبت الحكومة المقدونية بتحسين وضع اللاجئين فيه، إلا أنه حتى الآن لا يوجد استجابة لذلك بل إن الكثير من السوريين يقبع هناك منذ ما يزيد عن أربعة أشهر.

قد يعجبك ايضا