الحلويات السورية والكنافة الجبلاوية.. حلم قسّمته سلطة دمشق لأربع قطع

الاتحاد برس_سام نصر

مراسلون

 

  • ارتفاع أسعار الحلويات
  • الكنافة في جبلة
  • المشبّك قصة أخرى
  • الحلويات العربية.. حلم يُضاف للسوريين

في بلاد فن الطبخ والطهي، باتَ الدخول لأسواق الحلويات أمرًا مُوجعًا للكثير من السوريين، فأسعار الأصناف المُختلفة وصلَ لمبالغ تفوق قدرتهم، حتى اختفت كلمة “تحلاية” تمامًا من قواميسهم العربية.

أسعار أطباق الحلويات أصبحت ضربًا من الخيال، فـ”الكيلو” الواحد لغالبيةِ تلك الأطباق يساوي نحو ربع أو نصفِ راتب الموظف الحكومي وأحيانًا يساويه بل ويتجاوزه قيمًة، ناهيك عن افتقار الجودة المعروفة لتلك الحلويات السورية، بسبب ارتفاع أسعار المواد والآلات ولوازم العمل.

الحلم.. من كيلو كنافة إلى صحن واحد

منذُ يومين وأثناء تصفّحي لموقع الـ”الفيسبوك” وصلتني رسالة من صديقي المُقيم في مدينة “جبلة” يدعوني فيها لزيارته إلى المدينة وتناولِ وجبة “الكنافة” التي تناولناها منذُ حوالي العام سويًا في المدينة ذاتها؛ وبصفتي من سكّان مدينة اللاذقية ولم أكنْ استطيع نسيان طعمتها اللذيذة، فسرعان ماقبلت الدعوة وبدأت بتجهيز نفسي.

بينما ارتدي ثيابي كانَ هناكَ عائلٌة من 4 أشخاص تُفكّر بالمشروع ذاته وبسعادةٍ لاتوصف، كيف لا ؟ وطبق الكنافة في مدينة جبلة باتَ معروفًا بين جميع المدن السورية بلذّته، وخصوصًا أن انتهاء الصحن يعني بداية تجوّل على كورنيش المدينة الهادئ، مع نسماته الخفيفة والدافئة.

كنافة جبلة/خاص الاتحاد برس
كنافة جبلة/خاص الاتحاد برس

صراعٌ في حي الزراعة مع أكثر من مئة شخصٍ تفوقت فيه وجلست في أحد “السرافيس” القليلة وبنظام “الأربعات”وصلت المدينة بعد نصف ساعة والتقيت بصديقي أخيرًا، والذي انتظرني على دوار يُدعي “الفروي”.

لم نستطع الانتظار أبدًا وفور وصولي ذهبنا إلى مطعم للحلويات قرب كورنيش المدينة، وهنا بدأت الصدمة بأن سعر صحن الكنافة وصلَ سعره لـ1800 ليرة؛ ولكوني وصلت من أجل هذا الصحن، قلنا “حسنًا” وطلبنا صحنين، وبدأنا بالنقاش مع البائع حول أسباب ارتفاع السعر إلى هذه الدرجة.

البائع أجاب وهو يبتسم: “كل شي غلي علينا .. الغاز والمواد والشعيريه والجبنه والسكّر. أساسًا يادوب هيك عم توفّي معنا”، مُضيفًا: “اطلع عاللادقيه وعالشام وعالمحافظات التانيه وشوف؛ وصل سعر وقية الكنافه لـ3000 ليرة”، وهذا ماأكّده رجل آخر قربنا، حيثُ قال: “صحيح .. أنا من حماة وهيك السعر عنّا، لهيك منشتري من هون بس نجي لأن سعرها ولاشي قدام هنيك”.

في أثناء نقاشنا وانتظارنا للصحنين، وصلت إلى الخارج دراجة نارية بنوع “البارت” يقودها “رجل” وزوجته خلفه وطفلان أمامه! لإتمام وعد الأبوين الذي جاؤوا من أجله. المرأة والطفلين جلسوا على الطاولة واقترب الرجل ليطلب مايريد.

كنافة جبلة
                            كنافة جبلة

الصدمة والوجع الحقيقي لم يكُن بالنسبة لنا بسعر الصحن حينها فحسب أو بمشهد عائلة كاملة على دراجة نارية، بل عندما قال الرجل “عطيني صحن واحد وقطّعوا 4 قطع لو سمحت”.

كانَ الوجع الذي لم نستطع أن ننساه حتى الآن، فسعر القطعة المرتفع أجبره على ذلك الموقف ولا يعنيه حرج أو خجل، وذلك في ظل رواتب شحيحة وواقع بائس تفرضه حكومة دمشق على من تبقّى من السوريين في الداخل.

ألمٌ كبيرٌ بداخلنا تزامنَ مع سعادة كبيرة على وجهي الطفلين، حينما وُضِع الصحن على الطاولة وبدأوا بتناوله دونَ أن يستطيع الرجل والمرأة تناول أي شيء. لقد بقوا مُتفرّجين على أطفالهم وهم يتناولون قطعة “الكنافة” التي لم تعد كما كانت لا في حجمها ولا بجودتها المعروفة.

غادرنا وغادرت العائلة، وبقيت تلك القصة مثالٌ يختصر الواقع الحالي كما هو وعلى الرغم من قسوته فهذا نذر يسير مما يُعانيه السوريين في مخيمات النزوح داخل سوريا وخارجها، فما تفرضه سلطة دمشق على السكان قسّمَ حلمَ الفرد السوري إلى 4 أقسام، قسمين منهما للمُشاهدة والألم.

للمشبك حكايةٌ أخرى

القصة لم تنتهِ بنهاية رحلتي القصيرة في مدينة جبلة بعد التجوّل على كورنيشها وشوارعها العامة، ففورَ عودتي لمدينة اللاذقية مررت على أحد محلّات “المشبّك” المعروف بحي الزراعة، وطلبت منهُ “كيلو” واحد وسألته عن السعر، فقال “4000” ليرة.

المشبك السوري
المشبك السوري

المشبك الذي اعتدنا على تناوله كوجبة بسيطة مساءًا مع العائلة، حينما كانَ سعره 100 ليرة منذُ سنوات بل أقل من ذلك، باتَ اليوم وجبةً يُحسب لها حساب، فكيفَ أدفع 4000 ليرة لنتناول أنا وعائلتي قطعة صغيرة لكل شخص.

طلبت حاجتي، وشرحتُ للبائع ماحصلَ معي في مدينة جبلة، فأجابني: “لستُ متفاجئًا، هذا الأمر يحصل هنا أيضًا، حيثُ يأتي أحيانًا رجال أو نساء فيطلبون قطعة واحدة لتقديمها لأبنائهم”، مُشيرًا أن أسباب الغلاء ذاتها بسبب ارتفاع أسعار الزيت والمواد والاضطرار لشراء الغاز بأسعار السوق “السوداء”، بالإضافة لدفعه 350 ألف كل شهر إجرةً لمحلّه.

الحلويات العربية.. حلم سوري في البلد

بعيدًا عن الساحل السوري، وبالذهاب شرقًا نحو مدينة حمص بشأن تغطية صحفية خاصة، كانت الزيارة منذُ حوالي أسبوعين، إليكم ما حصل.

حلاوة بجبن حمص/خاص الاتحاد برس
حلاوة بجبن حمص/خاص الاتحاد برس

“دخلنا إلى مطعم للحلويات العربية، وبدأنا بالأسئلة عن أسعار الحلويات، فقلنا نريد حلويات عربية” ليجيبنا الرجل أن “سعر قطعة البقلاوة الواحدة صار 800 ليرة، وإذا شايفين السعر غالي؛ فيكن تشتروا شعيبيات، القطعة بـ800 وبتشبع أكتر”.

الأسعار لم تناسبنا أنا وأصدقائي، لقد اخترنا الذهاب لمطعم آخر مجاور لشراء “الحلاوة بالجبن” التي يختلف أهل مدينة حمص وحماة على مصدرها، حيث يُرجعها كلاهما لمدينته، رافضينَ حتى سماع أنها خرجت من مصدر آخر.

الحلاوة بالجبن لم تختلف عن غيرها، حيثُ وصلَ سعر الكيلو الواحد في المدينة هناك إلى الـ4500 ليرة، بعد أن كانت منذُ شهرين بـ3000 ، وقبل 5 أشهر ب 2500، وقبل سنتين 2000، وقبل 11 سنوات بـ 200 ليرة.

الحلويات العربية الفاخرة وغيرها والتي لطالما اشتهرت سوريا بها باتت حلمًا حقيقيًا، فـ”الكيلو” الواحد قد يصل لنصف أو راتب موظف حكومي؛ فلم يعد واردًا حملها لدى الغالبية خلال زيارة شخص أو قريب، فتلك العادات دفنت مع الماضي في ظل أزمة الغلاء المرتفعة تلك.

يبقى دخول تلك المحلات وحمل الأكياس من نصيب مسؤولي السلطة الذين سيطروا على مفاصل الاقتصاد، ويُترك للبقية بضع “حبّات من السكاكر” التي صارت بديلًا واقعيًا لكل تلك الحلويات.

قد يعجبك ايضا