الرابحون والخاسرون في إنتخابات الشمال البلديّة: عرش الحريري يسقط

الرابحون والخاسرون في إنتخابات الشمال البلديّة: عرش الحريري يسقطالرابحون والخاسرون في إنتخابات الشمال البلديّة: عرش الحريري يسقط

إنتهت الجولة الرابعة والأخيرة من الإنتخابات البلديّة والإختياريّة في دورتها لعام 2016، وجاءت نتائج المُنافسة في محافظتي الشمال وعكّار مُخالفة للتوقعات في بعض المناطق ومُنسجمة معها في مناطق أخرى. فما هي أبرز النتائج المُحقّقة، وما هي دلالاتها؟
طغت نتائج معركة طرابلس الإنتخابيّة على سواها من المُنافسات البلديّة والإختياريّة، حيث وجّه وزير العدل المُستقيل أشرف ريفي صفعتين صاعقتين، الأولى لرئيس الحُكومة السابق سعد الحريري، وذلك بنجاحه في إستمالة الجزء الأكبر والساحق من قاعدة “تيّار المُستقبل” الشعبيّة إلى جانبه، والثانية للإئتلاف الهجين بين مجموعة كبيرة من القوى السياسيّة في طرابلس. وهو أثبت أنّ أغلبيّة الشارع السنّي تميل لصالح الخطاب المُتشدّد ضُدّ قوى “8 آذار”(1)، وأنّ هذه الأغلبيّة قادرة على التفوّق على إئتلاف واسع جدًا من القوى السياسيّة، وفي طليعتها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي عمل في السنوات القليلة الماضية على إيجاد بنيّة سياسيّة وإعلامية وإجتماعيّة متينة، عبر “تيّار العزم” والمؤسّسات التابعة له، إضافة إلى كل من الوزيرين السابقين محمد الصفدي وفيصل كرامي، والأحباش، وغيرهم من القوى السياسيّة. ولا شك أنّه بعد نتيجة طرابلس التي فازت فيها لائحة “قرار طرابلس” بأغلبيّة المقاعد مع تسجيل خرق صغير للائحة الإئتلافيّة، فرض اللواء ريفي نفسه بقوّة على الساحة السياسيّة، ليس على حساب خُصومه السياسيّين فحسب، وإنّما على حساب الحريري الذي صار في موقف حرج جدًا، يتراوح بين مُواجهة اللواء ريفي وتحويله إلى خصم سياسي إضافي على الساحة السنّية، أو الإستمرار بإستمالته لكن هذه المرّة وفق شروط قائد قوى الأمن السابق، وبناء على رغبة مؤيّديه.
في بشرّي، على مُستوى المدينة والقضاء، نجح حزب “القوّات اللبنانيّة” عبر الفوز بكامل البلديّات بالتزكية أو عبر المعارك الإنتخابيّة، في إثبات ولاء الأغلبيّة الساحقة من “القوّاتيّين” لرئيس الحزب سمير جعجع، حيث لم تنجح لوائح الخُصوم في تسجيل حيثيّة شعبيّة قادرة على المُواجهة الفعليّة، على الرغم من الإستعانة بالكثير من القوّاتيّين السابقين الناقمين على قيادة “معراب”، وحتى ببعض القوّاتيين الحاليّين الذين تأثروا بلعبة العائلات وطمحوا بلعبة المناصب. وبالتالي أثبتت “القوّات” مرّة جديدة سيطرتها على قضاء بشرّي بكامله.
في قضاء البترون، أثبت “التيار الوطني الحُرّ” أنّه يملك الحُضور الأقوى على مُستوى القضاء بكامله، وإذا كان النائب بطرس حرب تمكّن من أن يؤمّن نجاح اللائحة البلديّة المدعومة من قبله في تنّورين، فإنّه أخلى الساحة للتيّار في مدينة البترون، وخسر مُعظم بلديّات القضاء أمام تحالف “التيار-القوات”. وبالتالي، أثبت النائب حرب أنّه لا يزال المرجعيّة الأقوى في مسقط رأسه في بلدة تنّورين، لكن بعد إنتقال التصويت “القوّاتي” من دعم النائب حرب إلى دعم “التيار”، صارت الكلمة الفاصلة على مُستوى قضاء البترون لهذا التحالف، مع ما يعنيه هذا الأمر من تهديد لنيابة حرب المُستمرّة منذ العام 1972 حتى اليوم، مع إستثناء دورة 1992 التي قاطعها إحتجاجًا على قانون الإنتخاب.
في القبيّات، شكّل تحالف النائب هادي حبيش مع عائلة النائب السابق مخايل الضاهر القابع في العناية الفائقة بسبب المرض، قوّة تجييريّة كبيرة لصالح لائحة “القبيّات بتقرّر” التي فازت على لائحة “أهل القبيّات” المدعومة من “التيّار” و”القوّات”. ولم يستطع الحزبان المذكوران سحب العدد الكافي من أنصارهما من تحت عباءة كل من حبيش والضاهر لتحقيق الفوز(2)، حيث أنّ الرابط العائلي مع هاتين الشخصيّتين المحليّتين، وتراكم الخدمات الشخصيّة على مدى عُقود طويلة، تفوّق على الإنتماء الحزبي بالنسبة إلى بعض الناخبين، ومكّن لائحة “القبيّات بتقرّر” التي يرأسها رئيس بلدية القبيّات أصلاً عبدو مخول عبدو من الفوز. لكنّ تحالف “التيّار-القوّات” نجح في بلدات عكّارية أخرى، ومن أبرزها بلدة عندقت حيث فازت لائحة “عندقت قويّة” المدعومة من التيّار والقوّات بنتيجة 15-0، علمًا أنّ الوجود “العَوني” في البلدة قويّ بحسب ما كانت أظهرت نتائج إنتخابات العام 2009.
في قضاء الكورة، نجح “الحزب السوري القومي الإجتماعي” في الفوز في أميون، وفي عدد من قرى وبلدات القضاء، بدعم من “تيّار المردة” في بعض البلدات ومن العائلات في أخرى، في مُقابل نتائج جيّدة جدًا لحزب “القوّات” على مُستوى بلدات القضاء، بدعم من النائب فريد مكاري في بعض الأماكن ومن “التيار” في أخرى، وغيرهما من القوى والعائلات أيضًا.
في الختام، يُمكن القول إنّ الجولة الرابعة من الإنتخابات النيابيّة والبلديّة أثبتت، وكما في الجولات الثلاث السابقة، أنّ بعض الشخصيّات المحلّية لا تزال تحظى بالدعم الأكبر من المُؤيّدين في مناطق جغرافيّة ضيّقة، بينما سيطرة الأحزاب السياسيّة تمتدّ على مساحات واسعة، ما يعني أنّ تحديد هويّات الفائزين والخاسرين في أيّ مواجهة إنتخابيّة مُقبلة يتوقّف على طبيعة قانون الإنتخابات، وعلى تقسيماته الجغرافية، إضافة إلى طبيعة التحالفات. من جهة أخرى، لا شك أنّ نتائج إنتخابات بلديّة طرابلس ستُحدث إهتزازًا كبيرًا على مُستوى الزعامة السنّية في لبنان من جهة، وعلى مُستوى التباعد المُستمرّ والمُتصاعد بين خيارات قيادة “تيّار المُستقبل” ورغبات “قاعدته الشعبيّة” من جهة أخرى، الأمر الذي يستدعي من النائب سعد الحريري عمليّة إعادة تقييم شاملة لسياساته وتحالفاته، قبل أن يُسحب البساط من تحت قدميه كلّيًا من جانب الشارع السنّي.

  • موقع النشرة
قد يعجبك ايضا