الرياض إلى عودة العلاقات مع دمشق .. سيناريوهان محتملان للتواجد الإيراني

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

تزامنًا مع اللهجة الودية التي أبداها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، تجاه إيران خلال مقابلة تلفزيونية على التلفزيون السعودي، تحدثت وسائل إعلام عربية عن اتجاه “لتطبيع” سعودي مع سلطة الأسد الحالية، وهو الذي يخوض “انتخابات رئاسية” بعيدًا عن القرار الأممي 2254 مع عدم اعتراف المجتمع الدولي والغرب لإجرائها.

ونقلت صحيفة ” رأي اليوم” عن مصادر دبلوماسية وصفتها بـ “الرفيعة المستوى” في دمشق أن وفدًا سعوديًا برئاسة رئيس جهاز المخابرات الفريق خالد الحميدان زار العاصمة السورية  أمس الاثنين، والتقى الرئيس السوري الحالي بشار الأسد ونائب الرئيس للشؤون الأمنية اللواء علي المملوك، وجرى الاتفاق على أن يعود الوفد في زيارة مطولة بعد عيد الفطر المبارك.

وقالت هذه المصادر إن هناك اتفاقًا جرى التوصل إليه بإعادة فتح السفارة السعودية في دمشق، كخطوة أولى لاستعادة العلاقات في المجالات كافّة بين البلدين.

بدورها نقلت  صحيفة الغارديان  ،مساء أمس الثلاثاء، عن مسؤولين في الرياض قولهم إن “تطبيع العلاقات يمكن أن يبدأ بعد فترة وجيزة من عيد الفطر”.

وأشار أحد المسؤولين للصحيفة إلى أن “التخطيط لهذا الأمر بدأ منذ فترة، ولكن لم يتم المضي بشئ”، موضحًا أن التغييرات الإقليمية التي شهدتها المنطقة كانت بمثابة “انفتاحة” جديدة.

وكانت السعودية قد استدعت سفيرها من دمشق في أغسطس 2011، ثم أعلنت، في مارس 2012 إغلاق سفارتها وسحب جميع الدبلوماسيين والعاملين فيها.

أما الجامعة العربية فعلقت عضوية سوريا في 12 من أكتوبر عام 2011، ودعت إلى سحب السفراء من دمشق، إلى حين تنفيذ حكومة دمشق كامل تعهداتها في توفير الحماية للمدنيين السوريين.

وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان
وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان

وكانت آخر التصريحات السعودية حيال العلاقة مع سوريا في الرابع من أبريل الماضي، حيث قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في مقابلة مع شبكة “CNN” الأميركية إن السعودية تأمل أن “تتخذ حكومة بشار الأسد الخطوات المناسبة لإيجاد حل سياسي، لأن هذا هو السبيل الوحيد للتقدم في سوريا”.

وأضاف بن فرحان، أن الاستقرار في سوريا “يتطلب حلًا وسطًا من قبل الحكومة السورية، وتضافر جهود الحكومة والمعارضة حتى نتمكن من المضي قدما في عملية سياسية”.

وردًا على سؤال فيما إذا كانت السعودية تؤيد الموقف الإماراتي المطالب برفع العقوبات الأميركية عن النظام السوري بموجب قانون “قيصر”، قال الوزير السعودي إن “الشيء المهم هو معالجة القضية الأساسية، وهي إيجاد حل سياسي. من دون ذلك لن نتمكن من المضي قدما”.

ومن غير المعروف ما إذا كان الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير الخارجية السعودي، هو الذي سيرأس الوفد السعودي الذي سيزور العاصمة السورية، ويشرف على اتفاق إعادة فتح السفارة السعودية بعد عيد الفطر أم أنه سيترك المهمة للفريق الحميدان، وهناك معلومات ترجّح أن يتولّى الأمير بن فرحان رئاسة الوفد.

ولم يتم التعليق حتى اللحظة على هذه الأنباء سواءً من الجانب الرسمي السعودي أو جانب النظام الحاكم في دمشق.

السفارة السعودية في دمشق
السفارة السعودية في دمشق

انعطاف في المشهد العام، يظهر مع فتح ملفات عدة على طاولة المفاوضات، بعد جمودها لسنوات، أهمها الملف النووي الإيراني في محادثات فيينا، واتجاه نحو حلحلة العقدة، وسط إصرار سيد البيت الأبيض الجديد جو بايدن، بالعودة للاتفاق النووي لكن ضمن شروط جديدة.

ورغم ضجيج التصريحات الأميركية والإيرانية، وتناقضها، إلا أنّ الاتجاه العام يوحي بتوافق ما يلوح في الأفق، يهدف لاحتواء نووي إيران وكبح جماحها في الشرق الأوسط من سوريا إلى اليمن والعراق.

السعودية تلعب دورها الإقليمي وتخفّض من حدة لهجتها ضد إيران

وسط هذه التفاعلات، تسعى السعودية كمركز ثقلٍ إقليمي مهم في الشرق الأوسط، لإعادة خلط الأوراق بما يتناسب مع مصالحها الجيوستراتيجية.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في لقاء له عبر القناة السعودية، في 27 من أبريل الفائت قال إن بلاده ترغب في إقامة علاقات “طيبة ومميزة” مع جارتها إيران. مضيفًا بأن السعودية  لا تريد أن يكون وضع إيران صعبًا، بالعكس، نريد لإيران أن تنمو وأن يكون لدينا مصالح فيها ولديها مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار”.

بن سلمان أشار في معرض مقابلته حول الملفات الخلافية التي تعترض تطبيع العلاقة مع إيران قائلًا: “إشكاليتنا هي في التصرفات السلبية التي تقوم بها إيران سواء من برنامجها النووي أو دعمها لميليشيات خارجة عن القانون في بعض دول المنطقة أو برنامج صواريخها البالستية”، لافتًا إلى أن السعودية تعمل مع شركائها في المنطقة العالم لإيجاد حلول لتلك الإشكاليات، متمنيًا تجاوزها لتكون علاقة طيبة مع إيران.

سبق ذلك، لقاء سرّي جمع وفدًا سعوديًا برئاسة رئيس جهاز المخابرات خالد بن علي الحميدان وأخر إيرانيًا برئاسة مفوضين من قبل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، على ما أكد لوكالة فرانس برس مسؤول عراقي حكومي.

وقال دبلوماسي غربي من جانبه أنه “أُبلغ مسبقًا بهذه المباحثات”، التي عُرضت عليه على أنها “تهدف لتخفيف حدة التوترات وخلق علاقات أفضل” بين إيران والسعودية.

هذا الأمر سارعت الرياض إلى نفيه، ونفت الصحافة الرسمية المعلومات التي نشرتها في البدء صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

بالمقابل ذكر مصدر مقرب من الأوساط الموالية لإيران في العراق لوكالة فرانس برس أن “الإيرانيين اختاروا عدم التعليق احتراماً للموقف السعودي”.

ملفات عالقة بين السعودية وإيران

هناك العديد من الملفات العالقة بين الجانبين منها الملف النووي الإيراني، والفصائل المسلحة في الشرق الأوسط وخصوصًا في سوريا ولبنان واليمن.

وتُعدّ سوريا مسرحًا للتنافس الإقليمي بين أكبر القوى الإقليمية، خاصة للسعودية وإيران  اللتان تخوضان حربًا حول الزعامة الإقليمية في المنطقة، وهو صراع إثني/قومي، اقتصادي وسياسي.

الوجود الإيراني في سوريا
الوجود الإيراني في سوريا

في حين تتزعم السعودية  المذهب السني فيما تتزعم إيران المذهب الشيعي، وتشير تقارير متواترة إلى محاولاتها المستمرة لنشر المذهب الشيعي في المناطق التي تسيطر عليها، وهو أمر لا يرضي المملكة العربية السعودية بطبيعة الحال عندما يجري هذا النشاط الدعوي في دول الجوار.

يشكل التواجد الإيراني في سوريا البلد متعدد المذاهب والأديان مشكلة بالنسبة للسعودية، حيث تسعى إيران لنشر التشييع في بلد غالبية سكانه، أي بحدود 75%، سنية المذهب، فيما توجد أقليات مسيحية وشيعية.

إلى ذلك،  لم يكن التواجد الإيراني في سوريا مقتصرًا على الاستحواذ على القيادة الدينية، لكن هناك سببٌ أهم وهو اقتصادي حيث أنّ سوريا تضمن لطهران منفذًا إلى البحر المتوسط وإلى حزب الله في لبنان، وبالتالي فهي فاعل أساسي لتقوية النفوذ الإيراني في المنطقة بل يمكن القول أن سوريا أصبحت تمثل عمقًا استراتيجيًا ممتدا لها.

الرئيس الإيراني حسن روحاني .. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
الرئيس الإيراني حسن روحاني .. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

كما أنّ التنافس الاقتصادي بين البلدين يشمل النفط حيث تملك السعودية أكبر احتياطي نفط في العالم، وإيران لها ثالث احتياطي نفطي في العالم. ورغم أن الصناعة النفطية في إيران قد تعرضت إلى أضرار كبيرة في السنوات الأخيرة بسبب العقوبات الاقتصادية، لكنّ المحادثات الأخيرة في فيينا مع دول 5 + 1 وقد تفضي إلى اتفاق لرفع العقوبات، ولكن مقابل كبح جماح إيران في ملفها النووي، وملفات أخرى حول أذرعها الممتدة في سوريا والعراق حيث توجع الميليشيات الإيرانية أميركا هناك عبر ضرب قواعدها باستمرار أو من خلال زعزعة الاستقرار ولاسيما السياسي، يضاف إلى ذلك ملف اليمن، تدرك السعودية أن الملف اليمني وصل إلى نقطة مسدودة وتحاول خلط الأوراق لحلحلة الوضع.

سيناريوهان لعودة العلاقات بين السعودية والنظام السوري

فيما يخص الملف السوري، فإنّ جمود العملية السياسية بسبب تعنّت النظام باجتراع الحل السياسي، وفشل التعويل على المعارضة في توحيد نفسها لتشكيل ثقل يُعتمد عليه، دفع السعودية لتجميد علاقاتها كليًا مع المعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات التي كانت تتّخذ من الرياض مقرًا لها، وأغلقت مقرّها الرسمي.

يُرجح أن يكون فتح السفارة السعودية في سوريا والكلام عن عودة المياه إلى مجاريها، يجري ضمن توافق مع إيران ولاسيما بعد تصريحات بن سلمان الأخيرة، والتغييرات التي تمرّ بها المنطقة.

هناك احتمال وارد بوجود مسعى سعودي للضغط على إيران في الملف السوري لحلحلة الملف اليمني عبر التطبيع مع سلطة بشار الأسد المتعطشة للأموال الخليجية للبدء بعملية إعادة الإعمار، وانتزاع سوريا أخيرا من الحضن الإيراني الذي راهن عليه الأسد لانقاذه من السقوط ونجحوا في ذلك لكن لم ينجحوا بإنقاذه في إعادة الإعمار.

ومن المعقول وجود توافق دولي إقليمي بخروج إيران من سوريا، ضمن صفقة الملف النووي مقابل رفع العقوبات، ولاسيما وأن إسرائيل تسعى جاهدة لإخراج إيران من سوريا عبر ضرباتها المتواترة. على هذا المنوال ستحل السعودية بدلا من إيران وتقود عملية إعادة الإعمار والعملية السياسية للوصول إلى حل، وخاصة وأن روسيا وخلال جولة وزير خارجيتها سيرغي لافروف في دول الخليج في 10 من آذار، التقى ووزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، وبحثا الأمن في المنطقة والتعاون الاقتصادي، وبحثا التسوية السورية مشيرين إلى أنها تتطلب حلًا سياسيًا، والتوافق بين النظام والمعارضة، وإن سوريا تستحق “العودة إلى الحضن العربي”.

فإما التوافق على الخروج الإيراني من سوريا و دعم سيادة العراق ضمن اتفاقات فيينا أو فصل جديد من فصول الصراع مسرحها سوريا والعراق.

قد يعجبك ايضا