السوريون لم يشتروا ملابس داخلية جديدة منذ سنوات                     

 

 

يطرح فيلم  source code لمخرجه (Duncan Jones) فكرة مفادها أن العقل البشري يبقى حيّاً لمدة ثماني دقائق بعد وفاة صاحبه، هذه الدقائق الثمانية يسترجع خلالها الذكريات القريبة التي مرت به قبل حدوث الوفاة، حيث وبقسوة مبالغ فيها تستمر (Vera Farmiga) التي تكون جزءًا من مشروع يدعى شيفرة المصدر بإرسال ( Jake Gyllenhaal) الذي يجد نفسه مستحوذاً على هوية شخص آخر إلى الماضي المتمثل في تلك الدقائق الثمانية حيث وقع حادث تفجير قطار ليحدد هوية منفذ التفجير، يعود البطل إلى تلك النقطة من الماضي العديد من المرات من خلال ذكريات الدقائق الثمانية الأخيرة لعقل الرجل الذي استحوذ على هويته ليستمر شريط الذكريات الذي اختزنه عقله في تلك الدقائق الثمانية بتكرار نفسه.

لو افترضنا (على سبيل الرومانسية) أن للسوريين ككل عقل جمعي واحد يختزن ذكرياتهم وأحداث حياتهم، وأنّ لهم جسدًا فيزيائيّا واحدًا قابلًا للموت والفناء. لو أن المصممين والمبرمجين طوّروا كاميرا بحجم حبة رمل تُزرع في هذا العقل الجمعي وتكون الغاية منها فقط التقاط الصور التي يستعرضها في تلك الدقائق الأخيرة قبل الموت، حتمًا سيصاب كوكب الأرض باكتئاب حاد ومزمن عندما يرى الصور، إذ لا يمكننا تخيل حجم الألم والمعاناة اللذين سيستعيدهما ذلك العقل الكبير.

السوريون اليوم لا يجدون في قلوبهم العاطفة الكافية للتعاطف مع أي حدث مأساوي، فالقتل والموت والتسول والتشرد والجوع والمرض والغرق والجنون كلها أصبحت أحداث عادية وعابرة يعاينوها عن قرب في حياتهم اليومية، حتى لو طالت المأساة أقرب الناس إليهم وسكنت بيوتهم أو خيماتهم أو دفاتر عائلاتهم، فكل فرد سوري أصبح مشغولاً بدرء مأساته الشخصية، فما عاد يجد الوقت أو القدرة أو الطاقة اللازمة للحزن على مآسي أصدقائه أو جيرانه، بل وأحياناً أمه وأبيه!

حتى مفهوم المرض مختلف هنا، فمع اجتياح وباء كوفيد19 للعالم وتوصيات منظمة الصحة العالمية بالتزام المنازل وارتداء الكمامات وتبديلها كل ثلاث أو أربع ساعات وترك مسافة أمان لا تقل عن مترين، ومع استمرار محطات التلفزة الوطنية وإذاعات الراديو بعرض وبث تلك التعليمات على مدار الساعة، لا يبقى أمام المشاهد أو المستمع إلا الضحك أو الشتم.

فهل يستطع السوري_ ولو كان أكثر الناس التزامًا وأشدّهم حرصًا_ الذي يقضي نصف عمره على طوابير الخبز والمعونات ومخازن الشركة السورية للتجارة الالتزام بالتباعد الاجتماعي؟ أو هل يستطيع السوري الذي يعمل بدوامين صباحي ومسائي لصالح جهتين كي يؤمّن ما يكفيه ويكفي أسرته قوت يومهم أن يجلس في المنزل باسترخاء يراقب العالم من خلف زجاج النافذة وهو يمارس هواية الرسم مثلاً!! وهل يستطيع ذلك السوري نفسه أن يشتري الكمامات_ أللهم إلا من سوق الملابس المستعملة_ بشكل يومي ليستبدلها وهو الذي لم يشترِ قمصان وسراويل داخلية جديدة ليستبدل تلك المشققة منذ سنوات!!

ولو أُجريَت دراسة حول البلدان الأشد أمانًا لعيش الدواجن والأبقار لا شك ستتصدر سوريا واحدة من المراتب الثلاثة الأولى، لأن معظم الشعب تحوّل إلى نباتي بالإكراه فبالنسبة للكثير من الناس أصبح تناول وجبة لحم واحدة في الشهر رفاهية عالية لا يستطيعون تحصيلها، أو يحصّلونها ويتركون أفواههم وأفواه أولادهم مفتوحةً للهواء باقي أيام الشهر. هذا الشعب الذي كان يروي على سبيل النكتة حكايات بيع الكلى لتحصيل نقود كافية لشراء فيلا أو اقتناء أحدث إصدار لسيارة الأودي أصبح اليوم يفكر ببيع كليته بشكل جدي كي لا يموت من الجوع.

حياة السوريين أشبه بفلاديمير وأستراغون  بطلي مسرحية (في انتظار غودو) لصاموئيل بكت، فهما ينتظران القادم الذي سيحسّن حياتهم والذي لا يأتي، رغم أنه يرسل غلام يضرب له المواعيد معهم تحت الشجرة لكنه لا يأتي إلى أي من تلك المواعيد وهما لا ييأسان ويستمران بانتظاره.

كذلك حياة السوريين منذ عدة سنين قائمة على انتظار الغد الأفضل الذي لا يأتي، مع بعض الإضافات لتجزية الوقت كانتظار راتب أول الشهر الذي يكفي عائلة مكونة من أربعة أفراد مدةً لا تتجاوز الأسبوعين على الأكثر، أو انتظار رسالة الغاز، أو انتظار عودة التيار الكهربائي الذي لو رأى أديسون وضعه هنا لضرب رأسه بالحائط ولعن نفسه على اختراعه المصباح الكهربائي، أو الجلوس لساعات قرب صنبور المياه بانتظار سماع خرخرة في البواري تنبئ بقدوم الماء لتبدأ حفلة جمع الأوني والسطول والبراميل لملئها قبل أن تقطع المياه، رغم أن سوريا تعد من أغنى البلدان بالمصادر المائية، أو انتظار الصيف رأفةً بعظامهم التي تصطك في الشتاء حيث لا يملكون غازًا أو مازوتًا أو حتى حطبًا للتدفئة!

بلاد تفيق على عبارة (الله يجيرنا من هالنهار) وتسير على كف العفاريت، ومن يمكنه التنبؤ بما يخطر في بال عفاريت!

 

قد يعجبك ايضا