السوق الحرة للأسرى والعسكريين في إدلب

0d70619c265114bf7c2e8d759fe78254_99

محمد السلوم – مدونة حارات سورية

قبل ظهور التشكيلات العسكرية والكتائب التي كان يُعلن تشكيلها من خلال مقطع فيديو تبثه الجزيرة أو العربية؛ كان الثوار في ريف إدلب مجموعات صغيرة تتبع كل منها لقريتها، هدفها الوحيد محاولة صدّ جنود الأسد وكفّ أذاهم، كان هؤلاء يخوضون معارك صغيرة ضد حواجز متطرفة وضعيفة، وكانت معاركهم تكلّل بالنصر غالباً.

في إحدى المعارك استطاعت إحدى مجموعات الثوار السيطرة على الحاجز كما العادة، ولكنها وللمرّة الأولى كانت أمام خمسة أسرى من جنود الأسد! لم تعرف المجموعة حقيقة ماذا تفعل بهم، فوضعتهم في سيارة السوزوكي التي هي بالأساس سيارة سعدو المخبر بعد ما تمت مصادرتها لصالح الثورة! طبعاً مع المحافظة على حياة سعدو واستمراره ضمنياً بعمله في السهر على أمن الوطن!

وقبل الانطلاق بالأسرى وصل التاجر أبو خالد!

وقف بسيارته في منتصف الطريق ومدّ رأسه من الشباك قائلاً: أشو بدكم تعملوا فيهم؟ في الحقيقة لم تكن المجموعة تعرف أصلاً ماذا يمكن أن تفعل بهم، ولم ينتظر أبو خالد جوابهم، فأضاف: بتبيعوهم؟!

ذُهلت المجموعة عند سماع الكلمة! وقال أحدهم: ليش بيصير؟! فقال أبو خالد: أف كيف لكن! مافي شي مابيصير! رح أدفعلكم بالراس ١٠٠ ألف، يعني بتاخدوا نص مليون هالدقيقة عداً ونقداً!

كان من غير المعقول رفض عرض أبي خالد، وسرعان ما لعب المال بالرؤوس وتمت الصفقة!

تم إنزال العساكر من سيارة السوزوكي وصعدوا مع أبي خالد الذي قال لهم: شوفوا ولاك، يلي بدو يلعب بديله رح قوصه بين عيونه!

وصل أبو خالد إلى بيته، وضع بضاعته الجديدة في القبو المجهّز بحمّام وغرفة فيها تلفزيون ومجموعة من الاسفنجات وأغلق عليهم الباب بعدما أعطاهم طعاماً ومجموعة من الجلابيات وطلب منهم الاستحمام!

في المساء نزل إليهم مجدداً يحمل بيده ورقة وقلماً، وطلب من كل واحد منهم أن يعطيه اسمه ومحافظته ورقم هاتف للتواصل!

بامتثال تام وقف العساكر صفاً واحداً وبدؤوا بتلقينه:

– سعد، من دير الزور.

– من وين من الدير؟

– من الريف!

– أي روح انقلع اقعود!

– مروان من حلب.

– من وين من حلب؟

– من الريف الشرقي.

– روح انقلع اقعود جنبه.

– محمود من درعا.

– روح انقلع!

استشعر أبو خالد الخطر، فالبضاعة كاسدة وصفقته خاسرة كما يبدو، وبيأس سأل العسكري قبل الأخير: وأنت ولا؟
– مرهف من حمص.

– من نفس حمص؟

– أي.

– أنت أشو… ؟ علوي ولا سني؟

– لا أنا مسيحي!

علت تكشيرة على وجه أبي خالد، وقال: تفضل استريح!

– وأنت؟

– مهند من اللاذقية.

– أنت أشو؟

– علوي سيدي!

ازدادت تكشيرة أبي خالد، وقال: أي تفضل استريح.

أخذ أبو خالد ورقته وصعد إلى بيته، وبدأ العمل!

كان الهدف الأول هو مرهف الحمصي! اتصل بأهله، وأبلغهم أن ابنهم بخير، ولكنه لن يفرج عنه قبل أن يدفعوا له نصف مليون ليرة! انتوا المسيحية زناكيل! وفعل الأمر نفسه مع بقية الأرقام، باستثناء رقم مهند، الذي أجاب بدلاً عنه المجيب الآلي مؤكداً أن الرقم خارج نطاق الخدمة! وعند مراجعة مهند بالأمر، أكد أن هذا هوو رقم أهله وأنه لايملك غيره!

بعد أقلّ من أسبوع حضر موفد عن أهل مرهف دفع نصف المليون وأخذ البضاعة وانصرف! تمتم أبو خالد: الحمد لله، رسملنا، الباقي كلو مربح!

وفي الأسابيع التي تلتها، استقبل أبو خالد على التوالي وفداً من دير الزور، وبعد مفاوضات طويلة تمكن من بيعهم سعداً ب ٣٠٠ ألف وحلف لهم بالطلاق من أم خالد أنه أقل من هيك مابتوفي، وأصلاً تجرته خسرانه!

كما استقبل وفداً ثورياً من درعا، نجح باسترداد محمود ب ١٥٠ ألفاً فقط، لأن أهل درعا هم أهل الثورة ومو ضياعة فيهم بحسب رأي أبي خالد!

واستقبل أخيراً وفداً نسائياً من ريف حلب الشرقي ضمّ أم مروان وأخريات، وسريعاً رقّ قلب أبي خالد لدموع أم مروان وتوسلاتها، ورضي ب ٧٥ ألفاً فقط، بعدما أقسم لها أن ابنها ما جاب راس ماله!

الوحيد الذي بقي كان مهنداً من اللاذقية، بقي مصرّاً على رقم الهاتف، وبقي المجيب الآلي مصرّاً هو الآخر على أن الرقم خارج نطاق الخدمة!

أبو خالد عامل بضاعته بدلال مفرط، وخاصة بعد البيعة الأولى! فكان يحضر لهم ثلاث وجبات يومياً ودخاناً أجنبياً ومشروب طاقة في بعض الأحيان! مهند كان أكثرهم كلفة، فهو يدخن علبتين يومياً، وعبثاً حاول أبو خالد تصريفه!

بعد خمسة أشهر يأس منه أبو خالد تماماً، فقرّر إفساح المجال له لعله يهرب! فما عاد يقفل عليه باب القبو! ولكن مهنداً لم يهرب، بل لم يكن يفكر بذلك أصلاً، كان يقضي نهاره بالأكل والتدخين ومشاهدة التلفزيون، غير مكترث بأي شيء آخر! عرض عليه البعض ٢٥ ألف ليره به، ولكنه عندما عرف أنهم سيقتلونه رفض قائلاً: وكّلوا الله يا جماعة، العرصا صحيح خرب بيتي وكسر ظهري، بس أكل من زادي وما بخليكم تقتلوه!

شاور أبو خالد عدداً من تجار الأسرى الآخرين في الأمر، ولكن جميعهم وبّخوه، واستغربوا كيف فقد فطنته، إذ كيف يتورط بهكذا بضاعة، قال له أحدهم: الله يسامحك يا أبو خالد، العلوي مالو سوق؛ هو لايجرؤ على العودة إلى أهله، لأنه سيعود إلى الجيش، وهم لا يجرؤون على الدفع خوفاً من اعتبارهم خونة ومتعاملين معنا! فيما أكد له تاجر آخر أن الحل الوحيد هو ببيعه للشباب بأي سعر كان، ليقتلوه ويرموه في أحد الجباب الرومانية! ولكن أبا خالد بقي مصرّاً على الرفض!

استمرّت معاناة أبي خالد مع بضاعته كاملاً وبعض العام، حيث بدأت تظهر في ريف إدلب القوى الجهادية والمحاكم الشرعية فما عاد أحد يجرؤ على الاتجار بالعساكر، ناهيك عن اختفاء هذه البضاعة من الأسواق أصلاً، ويروي البعض أن قوة ملثّمة داهمت بيت أبي خالد في أحد الأيام وأخذت مهنداً الذي لم يره أحد منذ تلك الليلة!

قد يعجبك ايضا