السيكودراما: فنّ الدراما والعلاج النفسي

الاتحاد برس

 

“السيكودراما” هي واحدة من أساليب العلاج النفسي الجماعي والتي أسست على يدّ عالم النفس النمساوي “مورينو” كتقنية علاجية في عشرينيات القرن الماضي وكامتداد للتحليل النفسي الذي ابتدعه النمساوي “سيغموند فرويد”.

 

الدراما حاضرة في التحليل النفسي

النمساوي “جاكوب مورينو”

يعتمد التحليل النفسي على علاج الحالات الفردية بينما تعتمد “السيكودراما” على وجود الفرد داخل جماعة تشاطره مشاكله النفسية، ومن خلال التعبير الحرّ لكلّ واحد من أفراد الجماعة يتم التنفيس الاجتماعي والاستبصار الذاتي بالمشكلات.

رأى “مورينو” أن الدراما ومنذ التراجيديا الإغريقية تلعب دوراً مهماً في تاريخ كلّ الثقافات بطريقة أو بأخرى باعتبارها وسيلة للتعبير عن ما خفي من جوانب الذات الإنسانية سواء بشكل فردي أو من خلال الأداء داخل جماعات، ومن خلالها فقط نعبر عن حيواتنا ونواجه الجوانب المختلفة من ذواتنا.

وافترض “مورينو” أن الفرد عندما يؤدي دوراً خاصاً ويتحدث ضمن جماعة فإنه سوف يكشف عن انفعالات غير مريحة وصراعات عميقة ستظهر لا بدّ على أدائه الخارجي أمام الجماعة، مما يمنح الفرد فيما بعد وعياً واستبصاراً جديدين.

وتُقدم مداخلات الجماعة للفرد مجموعة من البدائل في حلّ المشكلات، ويكون المرجو هنا أن يعيد المتحدث النظر إلى حياته بلا أي تدخل من المعالج النفسي، وبالتالي تساعد “السيكودراما” الفرد على إعادة تصميم حياته وتساعده على استبصار مشكلاته وإزاحة العقبات التي قد تعيق إدراكه، وتنمي قدراته على التواصل من خلال وجوده داخل الجماعة.

تستخدم “السيكودراما” اليوم في العيادات والمراكز الجماعية والسجون بهدف معالجة طيف واسع من الصعوبات العقلية والسلوكية، وبعض حالات الانفصام، وعلاج الاضطرابات الجنسية والغذائية وغيرها.

ولم تكن “السيكودراما” هي الإنجاز الوحيد لـ “مورينو”، فقد ابتدع “السيسيودراما” والتي تركز على العمل في حقل القضايا الاجتماعية كدراسة حالات التحرش بالنساء في أماكن العمل، أو دراسة العلاقة بين السود والبيض في الغرب.

تطهير للذات .. وتقييم لأسلوب الحياة

في بناء فلسفته ونظريته حول “السيكودراما” اعتمد “مورينو” على مفهومين دراميين رئيسين هما “التطهير” و”لعب الأدوار”، واشتقت كلمة التطهير من عقائد الشرق الأدنى حيث كان القديسون يطهرون أنفسهم عبر مزيد من التعبد للآلهة.

وقال “مورينو” إن الفرد المتحدث أمام الجماعة سيخضع لما أسماه “التطهير” وكما أن المستمعين له سيخضعون لـ “التطهير بالاحتواء” وهو نتاج توحدهم مع المتحدث الذي يروي قصة تشبه قصصهم، وقد أكدّ “مورينو” على أن التطهير لا يكون بين الفرد ونفسه بل يشترط أن يتم في سياق اجتماعي.

ولأن كلّ فرد منا في الحياة يلعب أدواراً عدة كأن تكون المرأة أماً وعاملة في مصنع نسيج وزوجة في آن، فقد رأى “مورينو” أن على “السيكودراما” أن تعتمد على مفهوم الدور من خلال جعل الأفراد يعيدون تقييم الأدوار التي يؤدونها في حياتهم بهدف خلق أدوار جديدة وإعادة تقييم الأدوار الأخرى، ومن ثم تقويمها.

هكذا يكون المتحدث أو صاحب المشكلة الرئيسية هو من يدور حوله الموقف، أما باقي الجماعة فتمثل شخصيات ثانوية تساعد المتحدث على تطوير الفعل وجعله يكتشف أسباب ودوافع المشكلة، كلّ ذلك تحت توجيه المعالج النفسي والذي أطلق عليه “مورينو” لقب “المخرج” تيمناً بالدراما،كما وأطلق على مكان التحدث والأداء اسم “المسرح”، وأكد على أن “السيكودراما” هي تقنية نفسية تقوم على التلقائية والارتجال بعيداً عن وجود نصّ.

 

المرجع: د. كمال حسين الدين، الدراما والمسرح في العلاج النفسي، دار المعارف، 2015.

قد يعجبك ايضا