“ربا وقاف” الشاعرة السورية التي أبحرت في مفاهيم اللغات واليوم تعلم الإنجليزية للناطقين بها

الاتحاد برس_ حنين جابر 

 

لا تزال اللغة في إشاراتها ورموزها مثيرةً للدهشة لقدرتها على التعبير عن مكنوناتنا ورغباتنا، ونتاجنا الفكري، وارتباطها بالمعنى والعقل والواقع عبر تاريخ التطور البشري، وقد تعلّم الإنسان لغات الثقافات المختلفة عنه بمقاصد مختلفة ليفهم الآخر ويوصل ما لديه، وينقلها لثقافته ويعلمها لأبناء جلدته. وكان يتمّ الأمر بشيء من السلاسة، لكن الأصعب هو القدرة على تعليم اللغة للناطقين بها من قبل غير الناطقين، بمعنى آخر، تعليم اللغة الإنكليزية من قبل شخص عربي للإنكليز أنفسهم، هذا ما يعدّ إنجازا لصاحبه، وامتزاجًا معمقًا مع اللغة، وهو ما حدث بالفعل، مع الشاعرة السورية “ربا وقاف”، وهي الخريجة التي تمكنت من حيازة الإنجاز في تعليم اللغة الإنكليزية للناطقين بها، حيث تقيم في المملكة المتحدة، مع عائلتها المكونة من زوج وولدين، وهي الشاعرة التي تكتب الحروف العربية وتتذوقها، فأنتجت مجموعتها الشعرية “بك أعرفني”، وثُلّة من القصائد المنشورة في دوريات لمجموعات مشتركة، كما كان للشاعرة مجموعة من القصائد المترجمة للغة الإنكليزية، وهو ما حفّزها أكثر، للتفكير بنظم الشعر بلغتها الثانية.

تعرّف “ربا وقاف” عن نفسها بأنها: “امرأة سورية حملت وجع وطنها وحولته إلى نص اسمته شعرًا تبحث فيه عن صور تشبهها بالغريزة، وبخزينة مليئة بمحزون من ذكريات وعشق وتمرد. حاولت أن توازن بين جنون الفكرة وعالم حقيقي صعب المنال. علاقتي بالأدب علاقة الروح بالجسد وبدمعة فرح و أخرى للألم. أعيش للجمال أينما وجد ابنة وزوجة وأم وعاشقة لا تخلف ميعاد للأمل”. بحسب تعبيرها.

أجرت الاتحاد برس هذا اللقاء معها وكان الافتتاح بفلسفة اللغة كما يلي:

1- يؤكد الفيلسوف الفرنسي الجزائري الأصل “جاك داريدا” أن الكائن مجرد صيغة لغوية محدودة باللغة التي تتحدث عنها، ولا “كائن” يمكن أن نفهمه فلسفيًا ونعطي لوجوده معنى بدون اللغة.
كونك عايشتي التجربتين، وأصبحت تدرّسين الناطقين باللغة الإنجليزية لغتهم وهو شيء صعب، هل يمكن للغة وحدها أن تكون أساسًا للهوية، ومن ثمّ أساسا للمواطنة؟

تجيب ربا: “اللغة هي الوعاء الذي يحتوي أفكارنا مفاهيمنا وقيمنا. هي أداة التواصل والخروج من عباءة الغربة للدخول في عالم الاندماج الفكري والثقافي لشعب ما. باللغة تجاوزت إحساسي بالاختلاف إلى حد ما لكن ما أفتقده ويفتقده أي ناطق بغير اللسان الأم هو روح اللغة وجوهرها وهذا لا يمكن أن يكتسب إلا بالولادة. نعم أمتلك مهارات اللغة التي اكتسبتها بالتعلم وبالعمل على أدواتها. مشيرةً إلى أنّ اللغة لم تكن أداة تواصل فقط بالنسبة لها فقد كانت حبل السرة الذي ربطها بالأدب العالمي الذي تعشق، وتتابع ” فمن خلالها تعرفت على شكسبير و ت س إليوت وهمنغواي وبرونتي وغيرهم الكثير ممن شكلوا شخصيتي وحبي للأدب والمسرح، ومن خلالهم أحببت اللغة وتقمصتها إلى أن استطعت ان أدرسها للناطقين بها. فاللغة هوية لكنها لا ليست أساسًا للمواطنة وهذا تمامًا ما قصدته بروح اللغة”.

ما أشعر به أني تكوين مختلط بين عالمين منسجمين إلى حد كبير. فأنا خارجًا أدرّس أدباء الغرب لطلابي وعندما أعود فأنا تلميذة بارة للأدب العربي وللشعر الذي أعشق.

2-هل سكنتك اللغة الإنكليزية بنفس مستوى اللغة العربية .. بمعنى آخر .. هل تشعرين بالضياع والاغتراب خارج اللغة العربية، وما الفوارق بين الكائن اللغوي الإنكليزي والكائن اللغوي العربي ؟

تعتبر وقاف أن تعاملها مع اللغة الإنكليزية بشكل متواصل ولزمن طويل جعلها جزء لا يتجزأ من ثقافتها التي تحتل اللغة العربية الجانب الآخر منها، تضيف ربا: ” لم تؤثر اللغة الإنكليزية على لغتي العربية أبدًا بالعكس, ما أشعر به أني تكوين مختلط بين عالمين منسجمين إلى حد كبير. فأنا خارجًا أدرس أدباء الغرب لطلابي وعندما أعود فأنا تلميذة بارة للأدب العربي وللشعر الذي أعشق.

تتابع ربا:  “وللإجابة عن سؤالك عن الفرق بين الكائن اللغوي العربي والإنكليزي سأقتبس ما قاله لي زميل عمل معي على ترجمة بعض قصائدي إلى اللغة الإنكليزية وقد قال أنّ اللغة العربية تمتلك حسًا وموسيقا وصور تفتقدهما اللغة الإنكليزية وأنا أجد كلامه صحيح إلى حدٍ كبير.

اللغة بالنسبة لنا كالظل الذي كلما قلنا أننا أمسكنا به إلا وهو يفلت منا، بالرغم من أننا نستيقن منه. لكن هيهات أن نمسك به. رغم أننا ندعي كثيرًا أننا نقصد ما نكتبه لكن عالبًا ما تجرنا إلى معان وعوالم مختلفة تمامًا

3_ نبقى في داريدا الذي يعتبر أن اللغة هي التي تخلق المعنى وليس العكس، ولكنّ المعنى لا محدود، لا يوجد مرجعية “معنى مسبق” خارج النص يمكن أن نحيل له المعنى للوصول إلى المعنى الحقيقي، إلى أي مدى تعتقدين أن نصوصك حملت معاني أخرى “جديدة” وربما “غريبة” حتى عليكِ أنت ك كاتبه نص، بعد قراءة أخرى له ؟ وهل تعتقدين عكس دريدا أن هناك معنى مسبق وحقيقي لكل نص، من ضمنها نصوصك؟

ترى ربا أنّ اللغة هي تلك المادة التي نستعملها ونستهلكها في ذات الوقت، أحيانًا نجد أنفسنا داخل اللغة، وأحيانًا أخرى نجد اللغة داخلنا. إنها مادة زئبقية كلما حاولنا أن نلمسها كلما برهنت لنا أنها غير قابلة للمس، وكلما حاولنا جمعها كلما أبت أن تجمع. وفي معرض إجابتها تتساءل وقاف:” ألا تكون هي عصب الحياة الذي نتشبث به ونتمسك به إلى حد الفناء فيه؟ نحن نحي باللغة، مستدركةً بأنه سؤال يصعب الجواب عنه، تضيف ربا ” هو دليل آخر على أن اللغة بالنسبة لنا كالظل الذي كلما قلنا أننا أمسكنا به إلا وهو يفلت منا، بالرغم من أننا نستيقن منه. لكن هيهات أن نمسك به. رغم أننا ندعي كثيرًا أننا نقصد ما نكتبه لكن غالبًا ما تجرنا إلى معان وعوالم مختلفة تمامًا. نعم فكثيرًا ما أبدأ بفكرة لأجدني قد ذهبت بعيدًا عنها وجرتني اللغة إلى فكرة أخرى بالكاد أتعرف عليها”.

4-بحث العديد من الفلاسفة الغربيين عن دلالات اللغة وإحالاتها، العلاقة بين اللغة والواقع .. واللغة والعقل .. واللغة والمعنى .. فيما اقتصر همّ العرب اللغوي على النحو والصرف؟ برأيك … هل تعتقدين بحكم _ دراستك للأدب الإنجليزي كناطقة باللغة العربية ومن ثمّ تطور قدرتك اللغوية حتى تمكنت من إيصال المعنى للناطقين بها_ هل تعتقدين أن اللغة العربية تحتوي قصورًا كونها لم تخُض مع هذا البعد الفلسفي، واقتصرت على الإشارات والكلمات المجردة وهي الغنية جدًا بذلك؟

تستشهد ربا بقولٍ للكاتب والأديب المصري قاسم أمين الذي يقول في “كلمات”: “في اللغات الأخرى يقرأ الإنسان ليفهم. أما في اللغة العربية فإنه يفهم ليقرأ”.

وتتابع: “اللغة العربية تفترض دائماً أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس فإن كانت تُعنى بالألفاظ فذلك من أجل المعاني، لذلك أنا اختلف معك كون اللغة العربية تحوي قصورًا بفلسفة علاقتها بالواقع،
لما كانت العربية تتوخى الإيضاح والإبانة كان الإعراب إحدى وسائلها لتحقيق هذه الغاية، فكان إفصاحاً عن صلات الكلمات العربية بعضها ببعض. بينما في اللغات الخالية من الإعراب يعتمد أهلها على القرائن اللفظية لفهم المقصود من المعاني”.

5- بعيدًا عن البعد الفلسفي للغة ولو تحدثينا أكثر عن تجربتك في القدرة على تعليم الناطقين باللغة بالإنكليزية، كيف وصلتي إلى هنا؟ 

تسرد ربا قصة وصولها إلى هذا الإنجاز، بادئة من جامعة دمشق حيث درست اللغة الإنكليزية وآدابها، ومن هنا تعلقت بالغربي إلى جانب العربي، وانتقلت لتدرّسها في المدارس الثانوية والجامعات السورية. تقول ربا: “كانت العلاقة بين تدريس اللغة وبيني علاقة الفنان بلوحته أو النحات بقطعة فنية مميزة يعرف تفاصيلها ويتفاعل معها كجزء منه”. وتابعت: “عندما انتقلت للعيش في بريطانيا قدمت للمجلس البريطاني التعليمي للتسجيل كمدرسة لغة فكان تقييمي الأول مدرسة لغة إنكليزية للأجانب وغير الناطقين. كان الدخول في مجال التعليم صعب جدًا للأجانب أو المقيمين الذين لم يتخرجوا من الجامعات البريطانية أو الذين درسوا في مدارسها،  لكن مع الاجتهاد والعمل من جهة والصدفة للأمانة استطعت دخول المجال لأثبت بعد فترة قصيرة قدرتي على تعليم الناطقين وتقييمي من قبل إدارة المدرسة تقييم جيد جدًا ومطالبتهم بتغيير تسجيلي في المجلس التعليمي إلى مدرسة لغة إنكليزية للناطقين وبذلك دخلت مرحلة جديدة ومهمة في حياتي المهنية”.

أنا لا أخشى عل الشعر أبدًا فالشعر الجيد يبقى ويقاوم رغم كثرة “المخابيل” إن استعرت هذه المفردة من الكبير الجواهري

6- كونك شاعرة تنظمين الشعر الحر، كيف تتذوقين الشعر باللغة العربية واللغة الإنكليزية؟ 

تعتقد ربا أنه لا فرق كبير في قراءة الشعر باللغة العربية وبينه في اللغة الإنكليزية، تضيف “فأنا انتقل تلقائيًا من جماليات وصور بلاغية ومُوسيقى جميلة تبعث في الأذهان عدة معان، وتأخذ النفس إلى رحلة من التحليق في فضاء المتعة والتأنق في الشعر العربي إلى الواقع وسلاسة اللغة في الشعر الإنكليزي. فالشعر جمال وكلا اللغتين تفيضان به”.

8- طالعت بلقاءات سابقة لكِ، سعيك لمشروع كتابة الشعر باللغة الإنكليزية … لو تحديثينا عن ذلك ؟

تقول ربا:  “هذا مشروعي القادم انشاء الله. كخطوة أولى أنا اترجم بعض من نصوصي إلى اللغة الإنكليزية بطلب من رئيس تحرير مجلة تعنى بالأدب العالمي. ولي مشاركات وترجمات لنصوصي للغات أخرى من قبل مترجمين أصدقاء. ولي بعض المحاولات لكتابة الشعر باللغة الإنكليزية”.

9-لم يكن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري يخشَ على الشعر من بدر شاكر السياب الرائد في الشعر الحر، لكنه” كان يخشى من ” المخابيل” ،وفق تعبيره، الذين راحت سفن الشعر الحر تحملهم على ظهورها الرخوة. لقد تكاثر هؤلاء كالنمل، وباتوا في حركة دائمة من التطاول على أصول الشعر ورموزه وتراثه” ألا تعتقدين كما الجواهري أن هناك تطاول كبير على أصول الشعر ورموزه وتراثه؟

تجيب ربا : ” لا يا عزيزتي أنا لا أخشى عل الشعر أبدًا فالشعر الجيد يبقى ويقاوم رغم كثرة المخابيل إن استعرت هذه المفردة من الكبير الجواهري. لكل من يجد في نفسه القدرة على صناعة الجمال فليحاول الساحة مليئة بشعراء النثر و التفعيلة والشعر العمودي، لكن إن سألتك الان عن اسم شاعر نثر او عمودي فاسم من سيخطر على بالك؟ هذا تمامًا ما أقصده ان الشعر الجيد يبقى ويزول كل دخيل عليه”.

مجموعة قصائد ل ربا وقاف في ديوان مشترك
مجموعة قصائد لـ ربا وقاف في ديوان مشترك

 10-ختامًا …هل يمكن لحركة الشعر الحر أن تسدّ الفراغ في الشعر العربي، بمعنى آخر هل حركة الشعر الحر أصبحت أكثر تبلورًا إلى حدٍ اتخذت فعلًا مكانة الشعر في الشعر العربي؟

وفق ربا فإنّ “الشعر الحر نقلةً نوعيَّة كبيرةً في تاريخ الأدب العربي خاصّة في الشعر العربي لارتباطِه بتحوُّلٍ عميقٍ على صَعيدِ البناء الموسيقي، وأنماطِ التعبيرِ الفكريَّةِ والإبداعيَّةِ، فبامتلاكه إيقاعًا موسيقيًّا واحدًا والتزامه بعدد من القوافي يدفع الملل أو السأم الذي يلحق بالسامع أو القارئ فهو توظيف للغة الحياة اليومية لذلك فهو يخلو من المظاهر التي تغصُّ بالمبالغة والفخامة سواءً من الناحية الفلسفيَّة أو الفكرية ودخوله بالمواضيع اليومية كالدفاع عن الوطن والحب والمواضيع التي تمس الوجدان مباشرة تجعله أقرب للواقع ولقلب القارئ.

 

قد يعجبك ايضا