الصعود المستحيل .. كيف لخَّص وثائقيّ أوباما رحلة صعود أبرز رموز العرق الأسود على مرّ التاريخ؟

الاتحاد برس

إعداد: محمّد خيّاط

عندما يحضّر المرء نفسه لمشاهدة وثائقي عن شخصية لا تزال حيّة تُرزق، فإنّ أوَّل ما يفكّر فيه أنّه سيتابع عرضاً تتناوب فيهِ أقوال هذه الشخصية نفسها إلى جانب لقطات أرشيفية تساهم في تأريخ الحدث وإعادة الكشف عنهُ في السياق المطلوب.

لكن ما يصادفه المرء في السلسلة الوثائقية الممتعة والمفيدة “أوباما: في السعي لتحقيق اتحاد أكثر كمالاً Obama: In Pursuit of a More Perfect Union.” الصادرة عن HBO خمسة ساعات مِن الماضي، يظهر فيها أوباما: في الأخبار القديمة، من خلف المنصّة، أو في صالون الحلاقة، وهو يرتدي حذاء أحد الناخبين. فهذا الفيلم الوثائقي لا يتعلّق بالشرح عن أوباما نفسه، أو عن أوباما في أفضل محطّاتهِ فإنّه لا يتعلّق بالإشادة به علانيةً؛ فبدلاً من ذلك، يتعلّق الأمر بتحليل استراتيجيته الأساسية في أن يصبح رمزاً كأوّل رئيس أسود، وعليه عن قصدٍ نقلَ مقولة العرق وقضيتهِ إلى كل محطّة، ثمّ إلى البيت الأبيض.

الرجل الأسود في المقدّمة أخيراً!

يتضمن هذا الفيلم الوثائقي العديد من اللبنات الكبيرة من تبلور شخصية أوباما، الرئيس الأسبق للولايات المتحدة لولايتين، كرمز أسود. فمن نواح كثيرة يشبه الفيلم الوثائقي السرد حالة من التجاذب غير المفهوم في البداية، فهو يتضمَّن ظهور شخصيات ثقيلة الوزن مثل كورنيل ويست، جيلاني كوب، القس آل شاربتون، السناتور الراحل جون لويس، وغيرهم. حيث يسلّط الفيلم الضوء على مدى أهمّية مناقشة تعامل أوباما مع العرق بالنسبة للثقافة الأمريكية ككلّ، خاصّة عندما لم يكن من قبيل المصادفة أنّ كلّ رئيسٍ قبله كان رجلاً أبيضاً.

يقسم كونهارت، مخرج السلسلة الوثائقية، القصّة إلى ثلاثة أجزاء طويلة، لكّنه يتأكّد من أنّنا نتعرَّف أولاً على باراك أوباما كطفل نشأ وترعرع في هاواي، ثم كيف أصبح ناشطاً في الكلّية، ودرس في جامعة هارفارد، وبدأ حياته السياسية في شيكاغو؛ وكلّ ذلك في 100 دقيقة خلالها قام كونهارت بتلوين قصّة أوباما الأصلية بشكل واضح بفصول مختلفة من الحياة، بينما قدَّم إحساساً ملموساً بكيفية ترشّح شخص مثله للرئاسة في النهاية.

لقد ظلّ أوباما مرئياً دائماً  فهو الحبل الرئيسي الذي يربط الرئيس المستقبليّ بمجتمعاته الأصلية وعائلته وعمله الشاق؛ فإنّ استثمار هذا الفيلم الوثائقي في كونه مفصّلاً للغاية مع خلفية درامية تؤتي ثمارها بشكل كبير، حيث أنّك لا ترى الرئيس أوباما عندما يتحدَّث في حملة عام 2008، بل ترى طفلاً جامعياً ذكياً أصبح جمهوره أكبر وأكبر. والأكثر من ذلك، أنّك لا ترى رمزاً، بل ترى رجلاً يتنقل باستمرار في قضايا الهوية في نظر الجمهور.

الإخفاق والإلهام! .. مسيرة حافلة

وتغرس السلسلة\الفيلم الوثائقي الأفكار التي ستتكرَّر طوال فترة صعود أوباما -اضطراره إلى مواجهة العديد من الأسئلة الجديرة بالملل من المراسلين البيض حول سواده، أو تشكُّر المجتمع الأسود مع عدم إبعاد الناخبين البيض_ فتقدِّم سلسلة كونهاردت هذا التاريخ بطريقة مباشرة وآنية مثل الوقوف على حبل مشدود.

وتوفِّر السلسلة أيضاً مساحة لأشخاص مثل شيرود، أو الرجل المقرَّب من أوباما السابق جيريمايا رايت (الذي عانى من معاملة مماثلة من صحافيي التحرير اليميني)، لإعطائهم جانب من القصّة، حتّى لو لم يجعل أوباما يبدو جيداً في نظر الجمهور دائماً.

ويُبرز ما يجيده هذا الفيلم الوثائقي ويطبّقه على حملة أوباما التاريخية والمتوتِّرة لعام 2008. فهو أفضل من مقاله النقدي الشامل، الذي يمرّ بلحظات مختلفة مع تحليل المعلّقين. فهناك إثارة فكرية في استعادة لحظات معيّنة من الحملة تتعلّق بالعرق الأسود وقضاياه، مثل كيف خففت كلمات أوباما عن الوحدة من وجود الامتياز الأبيض، فقط لكي يوضّح الفيلم بإيجاز سبب كون الرئيس كان مخطئاً. إنّه لمن المثير أيضاً أن نرى عدداً لا يحصى من الأمريكيين الذين ألهموا بهِ، مدعومين بكلماته وتفانيه.

وما يفتقر إليه هذا الفيلم الوثائقي هو القدرة الاسترجاعية، فيعوّضها إلى حدّ كبير بالأفكار الوفيرة والوتيرة المركَّزة، ويتطرَّق إلى التحرّكات الرئيسية في حملة أوباما لعام 2008، فَتُعْرَضُ القضايا واحدة تلو الأخرى. إنّهم يتتابعون بشكل أشبه باستراتيجية تركِّز على الديموغرافيا (مثل ذكر أفراد معينين من عائلة أوباما أثناء الحملة).

غير أنّ هذا الفيلم الوثائقي يوفّر الطبقات الضرورية والسياق العام. كما أنّه يزيد من تقدير قدرة أوباما على التحمّل ورباطة الجأش في مواجهة العنصرية بأشكالها وأحجامها المتعدّدة. ما دفع فاليري جاريت، كبيرة مستشاري إدارة أوباما، إلى وصف هذه السلسلة/ الفيلم بأنّه “مياه راكدة تتدفَّق بعمق”.

 

قد يعجبك ايضا