العابرون جنسياً في لبنان: أقبل بوجبة طعام واحدة ومنامة!

الاتحاد برس 

حسّان الشيخ

كان عليّ أن أعمل بعدَ أن طردني الجميع لأنّي اخترت أن أصحّح نفسي، وأكون ما أنا عليه؛ لا ما اعتاد الآخر أن يراني عليه.” تقول تهاني (32 عاماً) للاتحاد برس، فتاة سورية عبرت جنسياً بعد صراعٍ مع الذات دام أربعة أعوام كانت خلالها ذكراً بروح أنثى، هذه الكلمات بحرقةٍ وصوتٍ مكلوم يشيان بمسيرة من العذاب سارت عبرها تهاني راجيةً خلاصاً وسلاماً مع جسدها وروحها الجديدة.

وككلّ الذين يتجرؤون على كسر أصفاد مجتمعهم الصدئة وتحرير ذواتهم ومصالحتها؛ تعاني تهاني اليوم من جملة من الضغوط النفسية والمادّية والمعنوية ليس التنمّر المجتمعي والإقصاء العائلي إلا تفصيلين بسيطين من تفاصيلها الكثيرة، فما هي أوجه الصِعاب والمِجن التي تواجه تهاني وقريناتها من العابرات جنسياً في ظلّ النبذ المجتمعيّ المعطّل للحياة في أماكن إقامتهنَ؟ وكيف يتعاملنَ مع هذه المواجهات اليومية وتلك الاعتبارات الاجتماعية المؤرّقة؟ والأهمّ من هذا وذاك، ما هي الصعوبات في الأعمال التي تتاح لهنَ في ظلّ رفضٍ مجتمعي ينعكس بشكل كارثي على نوعية الأعمال التي يخترنها؟

ماذا لو؟ .. أسئلة بِكر

في صغرها كانت تبحث بينَ الأطفال عن لعبةٍ مرحةٍ تشاركها، فتميل إلى سنّارة الصوف و”بيت بيوت” أكثر من ميلها إلى كرة القدم وسباق المساء من الحارة وإلى آخر خطّ السرافيس/المكاري في بلدتها “دير عطيّة”. أحبّت تهاني أحاديث الخطوبة والزواج وما يعقبها من تحضيرات واقتراحات واجتماعات نسويّة، ولكن لكونها ذكراً لم تتمكَّن من الحفاظ على انخراطها في صفوف النسوة المحضّرات للاحتفالات والمناسبات، فتحكي تهاني عن ذلك الزمن:
” لقد كان زمناً تضطرّ أمّي فيه إلى إخفاء أخبار البلدة عنّي وخاصّة تلك التي تتعلّق بالخطوبات والزيجات لكي لا تبدأ مناحتي مبكّراً فتوفّر على نفسها عناء أسابيع من الإلحاح غير المجدي عليها لمرافقتها، وكنت آنذاك ذكراً يبلغ من العمر 14 عاماً، إلى جمعة نساء لا يسمح قطّ للرجال في التواجد فيها.”

وتتابع تهاني: ” لم أكن أدرك المشكلة بشكلٍ صحيح، كنتُ أتعرّض للتوبيخ من والدي وأحياناً للضرب لأنّني أسرفت في الإلحاح لشراء إكسسوارات نسائية أو عطرٍ نسائي أو أيّ غرضٍ لا شُغلَ به إلا للفتيات، كان يقول لي بين الجدّية والانفعالية: إذا ما رح تتركلي هالقصص والله العظيم لأذبحك.”

حين بلغت تهاني سنّها العشرين، وكانت لا تزال ذكراً، دخلت إلى الجامعة واستقلّت في سكنها عن والديها، وفي تلك المرحلة أخذت الأسئلة تتداعى إلى رأسها ملحاحة تبحث عن الجواب، فتقول تهاني: ” أخذت أتساءل عن كلّ شيء أشعر بهِ وكأنّما كنتُ “قطّة مغمّضة وفتّحت عينيها فجأة” لتجدَ أنّها تثارُ لأقلّ حركة يقدم عليها الشخص الذي أحبّتهُ، وهنا أخذت أقول في نفسي:

ماذا لو عَلِمَ أنّ حبّي له تخطّى حبّ الأصدقاء؟ ماذا لو افتضحَ أمري في الجامعة؟ وماذا لو عَلموا والديّ بما أمرّ بهِ هل سيقبلون كلّ ذلك؟.”

هي الأسئلة التي دفعت بتهاني لزيارة استشاريين نفسيين والذين شخّصوا ما تعاني منه بوصفهِ اضطراب الهوية الجنسية واكتشفوا الاستعداد الهرموني لديها ما كان أساساً لتقوم بعدّة عمليات سرّية في لبنان بعدما رفض والدها التصديق على مشكلتها تلك ومساعدتها للشروع بتغيير أوراقها الرسمية أو تقديم دعوى على الأقلّ. ولكن هل انتهت مشكلاتها عند هذا الحدّ؟

الهجرة إلى بيروت .. إشكالية المظهر والعمل

لم تواجه تهاني مشكلات كبيرة في مراحل العلاج الأولى وبعد بعض العمليات المبدئية، إلّا أنّ المشاكل أخذت بالظهور بعدما قرّر صاحب العمل في السوبر ماركت تسريحها بحجّة أنّ مظهرها يثير الريبة عندَ المشتريين.

ظلّت تهاني بلا عملٍ تعتمد على مصروفٍ من حبيبها “خضر” لمدّة خمسة أشهر، ولكنّ ذلك لم يستمرّ فتقول للاتحاد برس:
” لقد بدأت الشجارات والمناكفات بيني وبين خضر مُنذ تركي للعمل، فلا يمكن لأحدٍ أن يعيش على حساب أحد في بيروت لأنّ الأسعار هنا مرتفعة للغاية. تركتُ خضر وانتقلت إلى شقّة صديقتي (وهي عابرة جنسياً) بغرض المكوث إلى الحين الذي أجد بهِ عملاً وأعيل نفسي.”.

وهذا ما لم يحدث مع تهاني، فلم تجد الفتاة، التي لم تكن قد أكملت عمليات عبورها الجنسي بَعد، أيّ محلّ يقبل بتشغيلها، تحدّثنا عن ذلك بالقول: ” لقد كانوا يقابلونني بوجه مشمئز، هذا فضلاً عن تحرّش بعض أصحاب الأعمال والمحال بي على اعتبار أنّني عابرة وبالتالي فأنا قابلة لهذه الأمور (من وجهة نظرهم)، ولكني كنت أصدّهم في كلّ مرّة على أمل أن أتمّ عملياتي ولا يعود هناك أيّة مشكلة في المظهر.”

 

كانت تهاني بحاجة إلى 15 ألف دولار أمريكي لتكمل علاجها والعمليات الضرورية، وكانت أيضاً بحاجة أن توفّر مصروفها وأسعار الأدوية، هذا ما دفعها لمطاوعة صديقتها، وشريكتها بالسكن، التي اقترحت عليها العمل معها بالدعارة مقابل بقائها في الشقّة وبعض المئات من الدولارات شهرياً.

وفي عملها الجديد تعرّضت تهاني لمجموعة من الانتهاكات الجسدية والنفسية، وعن ذلك تحكي: ” لقد كان كلّ من يأتي إلى المنزل عبارة عن أشخاص ليست لديهم أدنى درجة من الاحترام للإنسان ولظروفهِ، إنّهم مجموعة من الرجال المريضين نفسياً، يضربون ويشتمون ويعنّفون دون أيّة رحمة، وإذا اعترضتُ كانت صديقتي تهدّدني بالطرد ما كان يضطرّني للسكوت في كثير من الأحيان وقبول ما لا يمكن أن يقبله إنسان.”

أقبل بوجبة من الطعام وليلة أباتها دونَ خوفٍ من قرع الأبواب!

كانت تهاني مقبلة على عمليتها الأخيرة قبل أن تنسف حادثة انفجار مرفأ بيروت هذا الحلم، فتقول: ” لقد كنتُ على موعدٍ مع رجلِ أعمال قرّر أن يساندني في مبلغ من المال على أمل أن أسدّده بعدَ أنهائي لآخر عمليات العبور، وبعدَ الانفجار اعتذر منّي لما تكبّده من خسائر مادّية نتيجة لكلّ ما حدث في لبنان.”

وأمّا عن عملها في الدعارة، فتقول: ” لقد ألقي القبض على صديقتي وبحيازتها 100 غرام من الحشيش المخدّر و5 غرامات من الكوكايين، ولم يكن لديّ مكاناً لأذهب إليه بعدَ أن أقفلَ منزلنا، ولم يعد الزبائن الدائمين يملكون فائضاً لصرفهِ في هذه الشؤون؛ ما أدّى بي للتشرّد نوعاً ما، فصرت أباتُ عندَ أيّ أحدٍ يدعوني للنوم عندهُ مقابل أن أقوم بما يطلبه منّي.”

تؤكّد لنا تهاني بأنّها حاولت البحث عن عملٍ مهما كانت طبيعته للتخلّص من هذه الحياة التي يسودها الخزي والخطر وتقودها المصلحة إلا أنّ مظهرها الذي ” لا هو مرأة ولا هو رجل” حال دونَ توظيفها أو التعاطف معها ما أضطرها لاستغلال علاقاتها الاجتماعية في عملها بالدعارة لتسيير أمورها بعدما باتت من دون سكنٍ أو مدخول ثابت.

واليوم تعيش تهاني في بيروت برفقة رجلٍ قرّر الارتباط بها دون أيّة شروط أو قيود مؤطّرة للعلاقة، وعن ذلك تقول:
” لا أعلم متى يملّني! فأنا أحاول أن أفعل ما بوسعي لأبقيهِ سعيداً، وكما تعلم لا عمل ولا إمكانية لاستئجار منزل في بيروت اليوم، ولذلك أنا خائفة حقّاً من أن أرمى في الشارع، ولذلك فأنا أقبلُ بوجبة طعام وليل أباته مطمئنة خيراً لي من الوقوف لساعات في الشوارع بانتظار من يأويني أو يحنّ عليّ بشيء للأكل، هذا عدا عن تعرّضي للتحرّش وللتنمّر من قِبل الزعران المنتشرين في كلّ الشوارع في بيروت.”

يعاني عشرات العابرين الجنسيين السوريين المقيمين في لبنان من أوضاع مشابهة لما تعيشه تهاني؛ لأنّه فضلاً عن عدم وجود قوانين لحمايتهن تمرّ المنطقة، ولبنان جزء منها، بأسوأ وضعٍ اقتصادي شهدته عبر التاريخ.

قد يعجبك ايضا