“الفارس الأخضر The Green Knight” .. حين يمتزج الحبّ بالأسطورة وشاعرية الطبيعة

الاتحاد برس

إعداد: حسّان الشيخ

الثلج الخفيف والضباب الهشّ وهذا المزيج من الرماد المتساقط في المشاهد الافتتاحية لفيلم “الفارس الأخضر The Green Knight” الرائع لديفيد لوري، يضع نغمة سريالية بمثابة مقدّمة لما سيأتي. يمكنك أن تشعر بالبرودة وتشمّ الهواء الرطب من مكانك قرب الشاشة. وعلى الفور ستشعر أنّك خارج نفسك، بعيداً عن الاهتمامات اليومية، تستعد لتجربة لا تشبه أيّ شيء آخر في المسارح الاجتماعية لواقعك؛ وهذا الشعور لن يهدأ لأكثر من ساعتين.

السحر والحبّ .. تلك الأشياء المستعادة من أرض الحنين

قام لوري، مخرج الفيلم، بتكييف الرومانسية الخيالية التي تعود إلى القرن الرابع عشر للسيّد “جاوين” والفارس الأخضر في واحد من أكثر الأفلام التي لا تنسى في هذا العام، وهو عبارة عن دوامة رائعة من الحضور الذكوري والأنثوي والإغراء والبطولة والسحر.

 قد يتجادل خبراء حول بعض قرارات لوري وهو بالتأكيد فيلم يتحدّى التوقّعات التقليدية للقصص عن الفرسان الأبطال الذي يقدّمون للجماهير “الحديثة”، لكنّ المعجبين سينجذبون إلى هذه الرحلة المذهلة التي تقودها عين لوري الشاعرية بشكل لا يصدَّق، فيقول أحد المراجعين للفيلم: “أفضل عمل مهني بإحساس فنّي ينقل الجماهير إلى عالم آخر.”

إنّه فيلم يدمج مفهوم سرد القصص والأداء في روايته – سواء كان ملكاً يطلب قصّة بطولية أو أطفالاً يشاهدون عرضاً للدمى المتحرّكة – بينما ينسج أيضاً تعويذته الساحرة على المشاهدين؛ لكنّه أيضاً فيلم يقوّي الذاكرة حقّاً، يدور حول عقلك مثل الرقائق المتساقطة للمشاهد الافتتاحية.

السيّد جاوين (ديف باتيل) وهو ابن شقيق الملك آرثر (شون هاريس) والملكة جينيفير (كيت ديكي)، وابن مورجان لو فاي (ساريتا تشودري)، الذي اتّهمه البعض في القرية بممارسة السحر، هي شخوص فيلمنا.

فبعد مشهد افتتاحي قصير مع حبيبته ووالدته، يذهب جاوين إلى مأدبة عيد الميلاد الفخمة مع الملك والملكة، حيث يُفاجأ بأن يُطلب منه الجلوس بجانبهما. يتحدَّث معه آرثر (الملك) وعلى الفور ينقل جاوين للمتابع العمق بأعينه اللافتة للنظر، وينقل كلاً من الفخر العاطفي الذي يأتي بشاعرية الرؤية والأداء الحركي الذي يضبط إيقاع العرض.

فجأة انفتحت أبواب القاعة ودخل الفارس الأخضر (رالف إنيسون). نصف رجل ونصف شجرة، حضور مهيب ولحظات خاطفة، فيريد هذا الكائن الأسطوري أن يلعب “لعبة الكريسماس”؛ فيعرض صفقة فيها يتحدّى أيّاً من فرسان آرثر ليهزمه في نزال إن استطاع، في حين إن فاز في مبارزتهِ مع من سيقابله في النزال سيحصل الفارس على سلاحه المَهيب.

وعلى الرغم من تذكيره بأنّ هذه لعبة من تأليف آرثر، فإنّ جاوين يتقدَّم لنزال الفارس ويستطيع نهايةً أن يقطع رأسه؛ فيلتقط المخلوق الأسطوري رأسه، والذي لا يبدو قلقاً للغاية بشأن انفصاله، ويضحك وهو يركب على فرسهِ؛ بينما أضحى جاوين على وشك أن يبدأ مغامرة من نوع خاصّ.

مغامرة جاوين الأسطورية

هذا كلّه كان مقدّمة لـفيلم “الفارس الأخضر”، والذي يتكوَّن الجزء الأكبر منه من رحلة السيّد جاوين إلى الكنيسة الخضراء لمقابلة مصيره المحتوم؛ فعلى الطريق، يلتقي عاملة نظافة اسمها باري كيوغان، وهي شابّة غامضة تلعب دورها إيرين كيليمان، ولورد يلعب دوره جويل إدجيرتون؛ لتبدأ حوارات عميقة تستمدّ شاعريتها من البيئة المحاطة بها الشخوص فيما يبدو وكأنّه مقاطع سينمائية تتكرَّر وتعلّق على بعضها البعض.

تصبح رحلة جاوين دوّامة، ويشعر أكثر فأكثر وكأنّه يحلم، كما لو أنّه لم يغادر تلك المأدبة مع الفارس الأخضر، ويكتسب الفيلم زخماً من خلال الشعور التراكمي بالارتباك لدى أبطاله. فلا يمكن قراءة قصّة هذه الرحلة كقصّة انتقال جسدي لجاوين بقدر ما هي قصّة عقلية وعاطفية، سلسلة من التحدّيات قبل أن يواجه الشاب مصيره النهائي.

وبفضل بنيته الفضفاضة في سرد ​​القصص، أصبحت العناصر التقنية لـفيلم “The Green Knight” أكثر أهمّية لنجاح التجربة؛ فجلب لوري (المخرج) فريقه الرائع، بما في ذلك الملحِّن العبقري دانيال هارت والمصوّر السينمائي أندرو دروز باليرمو؛ فيتناوب التصوير السينمائي بين الحلم وشيء مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة الأمّ. فيدور فيلم “الفارس الأخضر” حول الإحساس بالدور البسيط نسبياً للإنسان في النطاق الكبير للتاريخ والطبيعة لتتجلّى أمامنا تجربة روحية غنية عبر رحلة جوين إلى ذلك المصير الذي لن نكشف عنهُ في هذه القراءة.

غير أنّ الأكيد هو ذلك الغنى الذي يمكن أن يمنحه الفيلم لمشاهديه عبر تلك الحوارات العميقة واللقطات الشاعرية الذكية التي ترتبط أيّما ارتباطٍ بعناصر القصّة ومراميها الإنسانية والأدبية.

قد يعجبك ايضا